يا رب، ما نظرتُ إلى أيامِي إلا ورأيتُ لطفك يتقدّمها وما امتدت يدي إليك إلا وعدتَها بما هو أوسع من رجائها أغدقتَ عليّ من النِّعم ما يفوق سؤالي ومن الرحمة ما يطمئن به القلب فأدم عليّ فضلك ولا تحرمني من سعة رحمتك في كُل حين
آمين.
كثيرًا ما يخالجني أن القلب ليس موطنَ الشعور فحسب بل مستودعُ الحقائق؛ فما العلم إلا أثرُ ما ينعكس عليه من المعاني كما تستقبل المرآةُ الصور وكلما انجلت صفحتُه عن كدرها ازدادت الحقائقُ فيه وضوحًا حتى ليغدو العالمُ طيفًا من المعاني والقلبُ موضعَ تجلّيها والعلمُ لحظة انكشافها للبصيرة.
ليس أشقّ على الإنسان من أن يظن أنه اكتمل، ثم يترك نفسه كما هي تمضي على عاداتها الأولى دون مراجعة أو تهذيب، فالنفس إذا أُهملت ألفت ما يثقلها وإذا رُوعيت خفَّ حملها وإذا تُركت إتسعت لما لا يليق بها حتى تستوحش من النور وتأنس بالاعوجاج.
ليس كُلُّ ما يعتري المرء مِن فَواتٍ مضرّة ولا كُلُّ ما يبطؤُ عليهِ حرمان فقد يُخبِّئ اللهُ للعبدِ في مطاوي التَّأخير ما لا تبلُغهُ عَجلتُه ويَكفُّ عنهُ أمورًا لو دانت له لأورثتهُ وهنًا.
قال ﷺ
«واعلمْ أنَّ ما أخطأكَ لم يكن ليُصيبكَ».
هذّبوا أنفسكم ولقّنوا أرواحكم الامتنانَ لما أُفيض عليها من النِّعَم؛ فلا يليقُ بقلبٍ أُكرم بالعطاء أن يبيت ساخطًا فإن السُّخطَ يُعتمُ الفؤاد ويُورث الرُّوح قَتامةً لا ينجلي أثرُها ومن جحد المِنَن استوحشت منه البركات وانقبض عنه فيضُ الرَّحمة.
تثقل المساعي حين تُجرَّد من معنى الأحتساب ويبهت أثرها في النفس فإذا انكسر السعي أو تعثّر بلوغ المراد سكن القلب إلى أن ما صلح لله لا يتيه أثره وأن الجهد إذا صَدَق اتّجه، ولو لم يكتمل وصوله.
نِعَمُ الله عليّ مديدةٌ لا تُحصى وآلاؤه متعاقبةٌ لا يبلغها الثناء وكل شعورٍ أنعم الله به على روحي ما يزال أثره باقياً إلى الآن
ربِّ أوزعني أن أشكر نعمتك وألهمني حُسن القيامِ بحقَّها.
فكرةُ التخلّي وابتداء حياة جديدة تمامًا تستهويني بغضِّ النظرِ عمّا سيبقى خلفي أرغبُ بانسحابٍ تامّ من هذا الثقل ومن الأمكنة التي استهلكتني طويلًا أبتغي اقتلاعَ ذاتي من هذا الرُّكامِ المألوف والمضيَّ إلى هيئةٍ أُخرى تُشبهني؛ حياةٍ نقيّةً لا يطالها هذا الضجيجُ العالقُ في داخلي.
أجد نفسي في عُزلتي أكثر ممّا أجدها بين الجموع في إنفرادي الطويل مع ذاتي وفي السكينة التي لا يقطعها أحد؛ ويراودني دائمًا ميلٌ خفيّ للأبتعاد عن الضجيج وكل ما يزدحم حولي لأستعيد أتساقي في خلوتي.
لقد كانت مواساة نفسي يقينًا لا يفتر أن الله لا يُدبّر لي أمرًا إلا وفيه خيرة مصانة ولا يُذيقني شقاء إلا ليورثني رضا ولا يُدنيني من موضع إلا لأبلغ منه مسرة وما سلب مني إلا ليجزل عطائي ولا أوردني مسالك مُجهدة مُعتمة إلا ليبصرني بالنعيم.
إكرامُ المرء لنفسه أن ينتقي لها ما يليق بسِمتها من لِينِ المؤانسة وصفاءِ الود وأشرفِ الصحبة وأعدلِ المسالك؛ وأن يصونها عن مواطن الضِّعة فلا يُسخِّرها لِما يستخف قدرها ولا يُبذلها في غير موضعها يُعطي بقدر ويَمنع بحزمٍ لا يندم عليه.