الغالبُ في العزلة أنك فقدت من كان منك دانيًا، وعلى شأنك غُصنًا حانيًا، أو قريبًا مساعدًا، وحبيبًا مساندًا، فهذا شبيهٌ لا يُعوَّض، ووثاقٌ فيك لا يُقوَّض، لكن إن فتَّشت الأيام ستجد رفيقًا وجليسًا، ووثيقًا وأنيسًا، تُفرغ إليه، وتتَّكئ عليه، وهذه حظوظٌ موجودة، وعادةُ الله المحمودة ..
@almanni5 سلَّمك الله من كُل حزن، وأذهب عن قلبك الضيق، وجعل المسرَّات عليك مُتواترة، والبشائر قريبة مُتكاثرة، فأنت عندي كفيلُ السرور ومُعيد الأُنس ..
لا زِلتَ في نعمةٍ وفي دَعةٍ ..
مُمتَّعًا فيهما مدى العُمرِ
وصفُ الحُزن وما في الصُدور شيءٌ يُحبُّه المحزون ويتشوَّق إليه، لأنَّ الكلام للقلب تسلية وتجلية، لكنَّ الحُزن باقٍ على حاله فكيف يُشفى، وأحسن منه أن تأخذ بيده إلى المخرج، وتدُلَّه على الطريق، وتُريه منابت الآمال، حياةُ الأرواح بالاقتراب والإذكاء، كالقناديل لا تُضيء إلَّا بهذا ..
حُصول المودة من وجود رحمة في القلب، فمن كان بك رحيمًا اتصلت به مودتك تبعًا، وأكثر الناس يظن أنَّ المودة تكون بعد زمن من المعرفة، وهذا مُخالف للحال، فإنك تصدفُ من لا تعرفه فترى منه بِرًّا أو عطفًا وإشفاقًا فتودُّه وقتئذ على قدر ما رأيت، فكُل قلب شفيفٍ لا محالة مُستدعٍ قلب غيره ..
متى صفَت للمرء نفسُه أغنته عن الدخول بين الناس، وتفتيش أحوالهم، ورِقبة الأخبار، وأنت ترى في بعض أيامك هذه الصفة، فتجدك مُستكفيًا، مسرورًا، فيك الرضا، لأن المرء متى اختلى بأفكاره وموجبات نفعه؛ انشغل عن التسوُّر على غيره، فأنت خيرُ من يُغني نفسه، ويُسلِّيها، ويُعليها فوق كل علاء ..
إنَّ لك رُوحًا أصفى من المطر وغمامه، وأندى من الزهر وأكمامه، تُشبه بغداد وسواقيها، وغنَّت لأجلها دمشق ومآقيها، وفيها بهاء الحجاز وسَرَاتِه، ولها حنينُ أندلُسَ وموشَّحاته، فهي كالبُلدان والأوطان، يسكُنها حبيبها، ويشتاقُها غريبها، زهَت بالأُنس ألوانُها، وائتلفَت بالمودة أغصانُها ..
ما حِيلتي كلما هربتُ من شوقي تلقَّاني، وإن شكوتُ إلى عاقلٍ حَلَّ به حالي فأشج��ني، وأبيتُ الليل أنتظرُ صُبحا، فيستغفلُني القلبُ وينكِئ جُرحا، أُفتِّشُ في الرائح والغادي، وترنَّم بقصَّتي الحادي، فأنا مُتحيِّرُ وجهتي، مملوء المُقْلةِ، فتلطَّف -فديتُك- إليهم، فإنَّ القلب بين يديهم ..
الصاحبُ الخفيُّ :
وهو من طالت بفُرقته الأيَّام، وباعدت بينكُما الديار والآطام، فإذا تمَّ لك معه وصلٌ ضمَّك بمُهجته، وأسعدك ببهجته، وجلَب معه المرابع الأُلى، وأعاد أحاديث كانت الأُنس، فهُو الصاحبُ الحقُّ الذي إن غاب عنك يبقى معك ..
كتبتُ إليكَ عسى الله أن يُثبِت سعدك، ويمحو ما شاء من أقدار بُعدك، فإنَّ الفضل إذا ذُكرْت عاد خجِلًا، والحُسن إن تبدَّيت تعطَّر منك عجِلًا، والأشواق إليك دائمة، والأرواحَ على أفيائك الخُضر حائمة، هذا والسلام عليك من كاتبه، ما غرَّد القمريُّ بألحان الودِّ وأطايبه ..