في كلِّ جمعةٍ…
تنهضُ من صمتِ الأبواءِ نَفْحةُ حنينٍ خفيّة، تمسُّ القلوبَ مسَّ الريحِ لسطحِ الماء؛ رفقًا ورهافةً وشفافية. كأنّ الذاكرةَ تفتحُ نافذتَها لنا، وتُطلُّ منها أرواحٌ أحببناها يومًا، ورحلَتْ عن الدنيا وهي تترك في حياتنا ضوءًا لا ينطفئ، ودفئًا لا يبر��.
ونستقبلُ الجمعةَ كما يستقبلُ المشتاقُ بشارةً طال انتظارها؛
نقرأ فيها أسماءَ رجالٍ كانوا أمس معنا، واليومَ في رحمةِ الله،
لكنّ محبتَهم ما زالت تتدلّى من سقفِ القلب كسعفةٍ رطبةٍ لم يجفَّ ماؤها.
نذكرهم، فيرقُّ الخاطرُ كما يرقُّ الرملُ حين تلامسه قطرةُ مطر،
وتلينُ الروحُ كما تلينُ الأغصانُ في أول الربيع.
كأنّ ذكراهم خيطُ ضوءٍ يشقُّ ليلَ القلب،أو كأنّهم لؤلؤٌ استقرّ في صدفةِ الذكرى لا تبللُّه الأيام ولا تذروه الرياح.
رجالٌ…
مضَوا عن هذه الحياة، لكنّ أثرَهم بقي بيننا باسقًا كالنخلِ الذي يُحسنُ أهله العنايةَ به،
لا يضعفُ أصلُه،ولا تقلُّ بركتُه،
وتمرُهُ الجميل شاهدٌ على نقاءِ الجذور، وكرمِ النف��س، وصدقِ العطاء.
وحين تهطلُ أمطارُ الذكرى،
تفيضُ سيرتُهم في وجداننا كما يفيضُ السيلُ في موسم المطر؛
ينحسرُ الماءُ بعد حين، لكنّ آثارهُ تبقى منقوشةً على الأرض،
تمامًا كما يبقى أثرُهم منقوشًا في القلب…
لا يُمحى، ولا يُنسى.
وفي كلِّ جمعة، ترتفعُ لهم دعوتُنا،رقيقةً كنسيمٍ خرج من بين شقوقِ الفجر،وصادقةً كدمعةٍ اختنقت في العين حياءً من الله…
اللهمّ وسّعْ مضاجعَهم نورًا،
وارفعْ درجاتِهم سرورًا،
واجعلْ قبورَهم روضاتٍ تهفو إليها الملائكة كما تهفو الطيورُ إلى منازلها.
اللهم اجعلْ لهم من رحمتِك مطرًا، ومن غفرانِك بحارًا، ومن نعيمِكَ ما لا يفنى ولا يزول.
هكذ�� نمضي…
كلُّ جمعةٍ بابُ حنين،
وكلُّ ذِكرى دعاءٌ نرفعه لهم، وعهدُ وفاءٍ لا ينقطع؛
نرجو به رحمةَ الله، ونُجدِّده بالذِّكر الحسن،
وكلُّ دعاءٍ جسرٌ يصلُ ما بيننا وبينهم،
فنحنُ لا نذكرُهم لنحزن،
بل لنُبقيهم أحياءً فينا،
كالألماس الذي لا يبهتُ مهما مرّت عليه السنين.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
محبُّ القرآنِ والإحسان
للرجال آثارٌ تُعرَف بها مقاديرهم، وتبقى لهم من بعدهم شواهدُ تدلّ عليهم؛ فقد يغيبُ الرجلُ الصالح، وتظلّ أعماله ناطقةً بفضله، ��ُستدلُّ عليه بمحرابٍ عُمِر بالقرآن، أو ناشئةٍ نشأت على هديه، أو يدِ رحمةٍ امتدّت إلى ذي حاجة. وما الناسُ في نهاية الأعمار إلا ما أبقوه من أثر، وما غرسوه من خير، وما تركوه في القلوب من ذكرٍ حسنٍ ودعوةٍ صادقة.
وفي الناس رجالٌ لا يحتاج فضلهم إلى كثير قول يرفعه، ولا إلى قولٍ يبالغ في وصفه؛ لأنّ أعمالهم قائمةٌ مقام الشهادة لهم، وآثارهم تتحدّث عنهم حديثًا يغني عن كثير الثناء. فإذا ذُكروا ذُكر معهم خيرٌ نفع الناس، أو قرآنٌ تعلّمته ناشئة، أو بابُ معروفٍ فُتح للمحتاجين، فكأنّ أعمارهم لم تكن زمنًا عابرًا، بل كانت غرسًا بقي بعدهم يثمر في كل حين.
ومن الرجال الذين أبقت لهم الأعمالُ الصالحةُ ذكرًا حسنًا، وأقامت لهم في القلوب منزلةً لا تنقطع، الشيخُ عتيق الله بن عطية المحمدي رحمه الله؛ رجلٌ لم يكن ممّن يلتفتون إلى الظهور، ولا يُعنَون بكثرة الذكر، ولكنه كان من أولئك الذين آمنوا أن أعمار الرجال لا تُقاس بطولها، بل بما يودعونه فيها من خيرٍ يبقى بعدهم. فرأى أن أجلَّ ما تُعمر به الحياة كتابُ الله، وأنّ من أنبل السعي أن يُنشَّأ ناشئٌ على القرآن، أو يُجبَر محتاجٌ بيدِ رحمةٍ وإحسان.
وكان رحمه الله حسنَ السمت، هادئَ الطبع، وقورًا، لا يُعرف إلا في خيرٍ يقصده، أو معروفٍ يسعى إليه، قد صرف همّه إلى ما ينفع الناس وتبقى مغبّتُه.
فتولّى رئاسة جمعية تحفيظ القرآن الكريم بمحافظة رابغ، فحسن قيامه بشأنها، وبذل من العناية بحلقات التحفيظ، وتشجيع الناشئة على حفظ كتاب الله وتعظيمه، ما ترك أثرًا طيبًا في أجيالٍ تعاقبت على القرآن حفظً�� وتلاوةً وفهمًا. ولقيت الجمعية في مسيرتها عنايةً ودعمًا كريمًا من سعادة الشيخ محمد بركة بن مبيريك، محافظ رابغ سابقًا، ممّا أعان على توطيد رسالتها، وتوسيع أثرها في خدمة كتاب الله وأهله، وهو من جميل ما يُذكر لأهل الفضل في مؤازرة أعمال الخير.
كما ��انت للشيخ عتيق الله رحمه الله عنايةٌ بأعمال البر والإحسان، وإسهامٌ محمودٌ مع مجموعةٍ من أهل الفضل والخير من أهل الأبواء في تأسيس جمعية البر الخيرية بالأبواء، رغبةً في نفع المحتاجين، والإعانة على مصالح الناس، وترسيخًا لمعاني التكافل والرحمة بين أهلها.
وتولّى إدارة مدرسة تحفيظ القرآن الكريم الابتدائية بمحافظة رابغ، فكان فيها مربّيًا قبل أن يكون مديرًا، يعرف أن النفوس الصغيرة لا تُؤخذ بالشدّة وحدها، بل بالمحبّة والقدوة، فقرّب طلابه إليه، وغرس فيهم تعظيم القرآن، وأخذهم بالأدب والسكينة وحسن السمت.
وكان إمامًا لمسجد غيث بمحافظة رابغ، كما خطب الجمعة في عددٍ من جوامع المحافظة، فعُرف بخشوع القراءة، وصدق العبارة، وحسن الإلقاء، فإذا اعتلى المنبر خرج كلامه هادئًا، صادقًا، كأنما يخرج من قلبٍ قد صفا مما يشغله إلا النصح. وكانت له في صلاة التراويح قراءةٌ محبّبة إلى النفوس؛ قراءةٌ خاشعة، ونبرةٌ ندية، وإقبالٌ على القرآن يشفّ عن صدق صلته بكتاب الله.
ثم مضى رحمه الله إلى ربّ��، بعد عمرٍ ملأه بما أبقى أثره، وأحسن ذكره، من خدمةٍ للقرآن، وسعيٍ في المعروف، وعنايةٍ بما ينفع الناس. غير أنّ أمثال هؤلاء لا تنقطع آثارهم برحيلهم؛ إذ يبقى لهم في الناس نصيبٌ من الذكر الجميل، وفي القلوب موضعٌ من الدعاء، وفي أعمال الخير أثرٌ لا يزول؛ في حافظٍ لكتاب الله تعلّم، أو محتاجٍ أُعين، أو نفسٍ اهتدت إلى خيرٍ كانوا سببًا فيه.
رحم الله أبا خالد، الشيخ عتيق الله بن عطية المحمدي، رحمةً واسعة، وجعل ما قدّمه من خدمة القرآن والإحسان إلى الخلق في موازين حسناته، وأبقى له الذكر الحسن في عباده الصالحين، ونفع بسيرته كما نفع بعمله.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صا��ر_المحمدي
أذانٌ يملأ الوادي ومعلّمٌ يملأ القلب
لم يكن الأذان في حيّ الفارع بالأبواء مجرّد صوتٍ يعلو من مئذنة، ثم ينقضي أثره بانقضاء صداه، بل كان نداءً يأخذ بمجامع القلوب، ويوقظ في النفوس معنى السكينة والإقبال. فإذا ارتفع صوت أستاذنا الشيخ محمد بن عوض المحمدي رحمه الله خُيِّل إلى السامع أنّ للوادي إصغاءً، وللجبال تجاوبًا، وأنّ ��لنسيم نفسه قد أبطأ خطوه؛ ليحمل ذلك النداء إلى البيوت والقلوب.
كان أذانه بمقام الحجاز أذانًا له مهابةُ القرار وعذوبةُ الارتفاع، يبدأ من عمقٍ مطمئنٍ كأنّه خارجٌ من سكينة الأرض، ثم يأخذ في الصعود شيئًا فشيئًا، كما يتكشّف الصبح عن وجهه الهادئ. فإذا قال: الله أكبر، أحسست أنّ للمكان وقارًا جديدًا، وأنّ القلب قد خفّت عنه أثقال الدنيا قليلًا، وإذا قال: حيّ على الصلاة، جرت في صوته رِقّةٌ آسرة، كأنّه لا ينادي الأقدام إلى المسجد فحسب، بل يدعو الأرواح إلى مقامٍ من الطمأنينة لا يُدرَك إلا بالقرب من الله.
وكان إذا أمَّ الناس في الصلاة، سَمِعتَ في تلاوته اجتماعَ الخشوع وحسن الأداء؛ فلا تكلّف في النبرة، ولا تصنّع في القراءة، ولكن صوتٌ خرج من قلبٍ امتلأ إيمانًا، فوقع في القلوب موقع القبول. إن مرّ بآية رحمةٍ لان صوته حتى كأنّ الرحمة تُتلى مع الآية، وإن مرّ بآية وعيدٍ استقرّ القرار في نبرته استقرارًا ي��عث الهيبة في النفوس. وكان لصوته من الطمأنينة ما يجعل المرء يخرج من الصلاة وفي قلبه شيءٌ من السكون الذي لا تُفسّره الكلمات.
وفي مدرسة ابن القيم الابتدائية بالأبواء، كان هو أستاذنا في الصفّ الأوّل الابتدائي؛ وهناك بدأت صورةٌ أخرى من صور أثره الجميل. دخلنا عليه ونحن في أعمارٍ غضّة، تتقدّمنا رهبةُ المدرسة الأولى، وتخالط قلوبنا دهشةُ البدايات. فما لبث أن بدّد بلطفه ما استقرّ في نفوس الصغار من خوف، وجعل المدرسة مكانًا تألفه الأرواح قبل أن تألفه الأقدام.
لم يكن يعلّمنا الحروف تعليمًا جافًّا، ولا يعاملنا معاملةَ من يؤدّي وظيفةً تنتهي بانتهاء اليوم الدراسي، بل كان يأخذ بأيدينا إلى المعرفة برفقٍ وصبر، ويغرس فينا من حسن الخلق قبل العلم، ومن محبّة المدرسة قبل الدرس. فكم من قلبٍ صغيرٍ فتحه بكلمةٍ طيّبة، وكم من رهبةٍ أزالها بابتسامةٍ صادقة، حتى غدت المدرسة في شعورنا، امتدادًا لطمأنينة البيت.
وأشهدُ وحقٌّ للتلميذ أن يشهد لمعلّمه بالفضل أنّه كان أوّل من أصغى إلى صوتي بعين المع��ّم وفراسة المربّي؛ فاستخرج من تلميذه نبرةً رآها أهلًا لأن تُسمَع، وقدّمني إلى الإذاعة المدرسية، وفتح لي من أبواب الكلمة والإلقاء ما لم أكن أتصوّره يومئذٍ. ووضع يدي على الميكروفون للمرة الأولى، لا على سبيل التجربة العابرة، ولكن كأنّه يضعها على عتبة طريقٍ سيمتدّ بفضل الله ��تى يبلغ إذاعة جدة وإذاعة صوت العرب بالقاهرة. وما كانت تلك الثقة خاطرًا يمرّ، بل كانت من البدايات المباركات التي تُعين المرءَ على أن يهتدي إلى بعض ما أودع الله فيه من موهبةٍ وميل.
رحل أستاذنا عن دنيا الناس، غير أنّ بعض الناس لا يرحلون كاملين؛ لأنّ آثارهم تبقى شاهدةً عليهم. وما زال صدى أذانه في ذاكرة من عرفوه يجري في مسالك الحنين، وما زالت صورته في الصفّ الأوّل حاضرةً في نفوس تلاميذه؛ ذلك المعلّم الذي جمع الله له بين هداية الصوت في المئذنة، وهداية الكلمة في الفصل.
رحم الله أبا موسى الشيخ محمد بن عوض المحمدي رحمةً واسعة، وجعل ما علّم وغرس، وما أذّن وقرأ، في موازين حسناته، وأبقى له الذكر الجميل في قلوب من عرفوا فضله، فما أجمل أثر المعلّم إذا اقترن بالخلق، وما أبقى صوت المؤذّن إذا خرج من قلبٍ عامرٍ بالإيمان.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
الكريم المنصف
عجيبةٌ هي الذاكرة، تُغربل ركام الأيام فلا تُبقي إلا وجوهًا مُضيئة، وأسماءً لها في القلب مقعدٌ لا يزول. وهذا من سنن النفوس، أن تميل القلوب إلى أهل الوفاء، وتنجذب الأرواح إلى أصحاب الصفاء.
كان الشهم الكريم محسن بن حسن اليوبي، رحمه الله، واحدًا من رجالٍ لا تطوي ذكراهم السنون، ولا تمحو أثرهم الأيام؛ رجالٍ كُتبت سيرتهم في القلوب قبل أن تُسجَّل في الدفاتر، وبات ذكرهم حياةً أخرى تسري مع الأودية والجبال، فلا يغيبون وإن غابت أجسادهم.
في وادي الأبواء، ذلك الوادي العريق ال��ي تهمس جباله بحكايا السنين، عاش أبو حسين كما يعيش الكبار كريم النفس، وفيًّا في الود، صادقًا في الموقف، لا يبدّل ولا يتبدّل.
من عرفه، عرف فيه صدق المعشر، وحسن الخلق، ونبل الموقف؛ فإذا تحدّث طرق القلوب قبل أن يبلغ الأسماع، فأنصتت الأرواح قبل الآذان. كان قلبه معلّقًا بالخير، ولسانه لا يعرف إلا طيب القول. لا يعرف المراوغ�� في حديثه، ولا الحقد في صدره، وإذا ما خاصم، خاصم بعقلٍ يزن الأمور بميزان الرجال، لا بأهواء الصغار.
فإذا دعت الحاجة إلى الموقف الصارم، رأيت في عينيه وقار المروءة، لا قسوة الجهّال. وإذا التبس الأمر وكان الحق لخصمه، أنصفه من نفسه؛ فحكمه العدل، وديدنه الإنصاف. كان رحمه الله ممّن لا يُساوم على دينٍ، ولا يُفرّط في مروءة.
وكان كريم اليد، واسع الصدر، يُكرم الضيوف عامة، والعمالة الوافدة خاصة؛ يرقّ لغربتهم عن الأهل والولد، ويعلم ما يلقونه من عناء العمل ووحشة البعد، ولا سيما في شهر رمضان، حين تغيب عن كثيرٍ منهم موائد الأسرة ودفء الاجتماع. فكان يقيم لهم موائد إفطار الص��ئمين، يبسطها بمحبةٍ وسخاء، ويأنس باجتماعهم عليها، كأنما أراد أن يخفف عنهم مشقة الغربة، ويشعرهم بأن لهم في هذه الأرض قلوبًا ترعاهم، وأيديَ تمتد إليهم بالخير والمودة.
ولم يكن عطاؤه مقصورًا على ذلك، بل كان يهتم بترمي�� المساجد، ويسعى في إعانة الأسر المحتاجة، يبتغي بذلك وجه الله، ويؤثر الخفاء على الضجيج، فلا يُرى في موطن إحسانه متكلّفًا، ولا في معروفه متباهيًا.
وكان يرى في ذلك عبادةً يتقرّب بها إلى الله، وخُلُقًا يليق بالرجل الأصيل الذي لا يهنأ بطعامه ما لم يشارك فيه غيره.
وفي أيامه الأخيرة، حين أخذ المرض من الجسد مأخذَه، وأثقل الوهن خطوه، لم تضعف نفسه، ولم يهن عزمه. حمل آلامه كما يحمل الصابرون البلاء، وقابل قضاء الله برضا لا يعرف التذمّر. كان وجهه الطيب يختصر ألف كلمة، وابتسامته الخفيفة تخبرك أن الرجل يعلم أن الدنيا رحلة قصيرة، وأن الآخرة موعد اللقاء.
فما خارت عزيمته، ولا كلَّ لسانه عن الدعاء، وما سمعه أحد يشكو سوى إلى الله، وما رآه أحد إلا وهو يرفع كفّه يسأل الله الرحمة، لا لنفسه وحده، بل لكل من أحبهم ورافقوه في دربه الطويل.
مضى أبو حسين كما يمضي الغيث بعد أن يترك في الأرض خضرةً، وفي القلوب أثرًا، وفي الأفواه دعاءً يتردّد ما تعاقب الليل والنهار.
رحم الله أبا حسين، وجعل قبره روضةً من رياض الجنان، وأفاض عليه من سحائب الرحمة والرضوان، وجعل ذكراه نديةً تتردد في أودية الأبواء كما يتردّد صدى السيل بين الجبال، وأقامه في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر، حيث لا يضيع وفاء الأوفياء عند ربٍّ كريمٍ وهّاب.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
@jakhakhah الشوقُ هو رغب��ُ القلب في لقاءِ من يحبّ أو الوصولِ إلى ما يتمنّى، ولذلك يتعلّق بالحاضر والمستقبل.
أمّا الحنينُ فهو رجوعُ الروح إلى زمنٍ أو مكانٍ أو ذكرى مضت، وفيه دفءُ الذكريات ومسحةُ الأسى.
فالشوقُ توقٌ إلى اللقاء،
والحنينُ تعلّقٌ بما كان.
@3232Sab شكرا جزيلا بحجم السماء للأستاذ القدير صابر المحمدي على هذا المقال الرائع المخصص لوالدي رحمه الله وجعلنا نبحر في تعابير المقال بكل طمأنينة وسكينة ونستذكر الصفات الحميده والسنوات الأجمل التي قد تكون ا��قضت من عمرنا ولكنها مكنونه في ذاكرتنا بكل مافيها من فرح وترح .
أيُّهم أثقل .. ؟!
كلمه لم تُقال أم شعور لم يُفهم ؟
" ( الأثقل شعورٌ لم يُفهم )
فالكلمة التي لم تُقَل تبقى في الصدر إحتمالًا مؤجَّلًا ، قد تجد يومًا منفذها إلى لسانٍ أو ورقة ،
أما الشعور إذا لم يُفهم فإنه يظلّ وحيدًا داخل صاحبه ، لا هو قيل فاستراح ، ولا هو فُهم فاطمأن ..
الكلمة صمتٌ له باب ، أمّا الشعور غير المفهوم فغرفةٌ بلا نافذة "
— صابر المحمدي
@3232Sab
المربّي المصلح
في الناس صفحاتٌ تُروى، إذ تتكفّل ��ثارُ أصحابها بالتعريف بهم، وتنطق أعمالُهم بما كانوا عليه. ومن تلك الصفحات ما يستحق أن يُستعاد؛ لما فيه من معاني الصدق، وحسن السمت، ولطف المعاملة. وهذه صفحةٌ لرجلٍ عاش بين الناس قريبًا منهم، نافعًا لهم، تُرى آثارُه في من عرفه، وتبقى ذكراه فيمن خالطه.
هو الأستاذ مصلح بن محمدصالح بن عمير المحمدي رحمه الله، رجلٌ استقامت له الملامح، وحسُن به الذكر، وعُرف بين الناس بما ظهر من سمته، وثبت من أثره. عاش سهلَ الخلق، طيّبَ المعشر، قريبًا من القلوب، لا يتكلّف وُدًّا، ولا يتصنّع خُلُقًا، بل جُبل على اللين، ونشأ على الصفاء.
نشأ على الكفاح، يجمع بين التعلّم والعمل، ويأخذ نفسه بالجدّ والصبر، حتى استقام له طريقه، فدخل ميدان ا��تعليم معلّمًا متقنًا، ثم تولّى الإدارة، فقام بها قيامَ المربّي الناصح، لا مجرّد الموظف المؤدّي. وكانت بدايةُ تعيينه معلّمًا في غران، ثم انتقل إلى البخترية، ثم استقرّ به المقام في مستورة، فباشر فيها عمله، وأقام على رسالته، حتى ختم خدمته بالتقاعد، بعد سنواتٍ ملأها عطاءً وتربيةً وأثرًا. وكان يرى التعليم رسالةً تُؤدّى، لا وظيفةً تُقضى، فكان يُقدّم تهذيب النفوس على إلقاء الدروس، ويجعل من الأدب أساسًا يُبنى عليه العلم، فينشأ الطالب على خُلقٍ قبل معرفة، وعلى سمتٍ قبل مهارة.
وكان رحمه الله سهل اللقاء، بشوش المحيّا، إن تكلّم أقبلت عليه الأسماع ثقةً وطمأنينة، لما يجدونه في حديثه من صدقٍ وهدوء، ومن تجربةٍ تُهذّب العبارة، وتُقوّم المعنى.
إذا جالسته وجدت في كلامه فائدةً لا تُثقل، وحكمةً لا تُتكلّف، كأنها خرجت من قلبٍ جرّب، لا من لسانٍ تكلّف. وكان إذا حدّثك استرسلت معه، لا تُحسّ بطول، ولا تجد في حديثه ملالًا؛ يسوق القصص في مواضعها، ويُقرّ�� المعاني بأسلوبه، حتى يخرج السامع وقد أصاب فائدةً، واستحسن عبارةً، واطمأنّ قلبًا.
ولم يكن المسجد عنه ببعيد، بل كان من أوائل مواضعه، يؤمّ الناس حينًا، ويُعنى بشعائره عنايةَ المحبّ الموقّر؛ حتى ليبادر إلى الأذان أحيانًا، فيسبق إليه، لا تكلّفًا ولا طلبًا لظهور، ولكنها نفسٌ تألف الطاعة وتأنس بها.
وكان يجعل ما في يده وسيلةً للنفع، لا حظًّا يُستأثر به، فيُعين المحتاج، ويجد في البذل راحةً، وفي العطاء سعة، وكان في حبّه للخير يؤثر غيره على نفسه. وكان قلبه رحبًا، يتّسع للناس جميعًا، يُحب لهم الخير، ويحزن لحزنهم كأنه حزنه، فيواسي هذا، ويقضي حاجة ذاك، ويعفو عمّن أساء، فلا يُعرف عنه شدّةٌ في غير موضعها، ولا غلظةٌ تُنفر، بل لينٌ يُؤلّف، وحِلمٌ يُصلح.
وكان يرى الدنيا على حقيقتها، عابرةً لا مُقامة، فيأخذ منها ما يُقيمه، ويترك ما يُثقله، وربّى أبناءه على هذا المعنى، فذكّرهم بحسن الاستعداد، وغرس فيهم تعظيم الصلاة، وحسن التعلّق بالله. وكان يصل الرحم، ويزور المريض، ويعطف على الضعيف، حتى إذا اشتدّ عليه المرض، لم يفارقه ذكر الصلاة، ولم يغب عنه تعظيمها، وقلبه معلّقٌ بالصلاة ما بقي فيه نَفَس.
فلما قضى الله أمره، حزن عليه من عرفه، وذكره من عرفه، وبكى عليه أهلُ مستورة ودعوا له، وشاركهم في الدعاء من العمالة الوافدة، إذ لم ينسوا إحسانه، فدعوا له وأثنوا على سيرته. وقد صُلّي عليه في المسجد الحرام، فكان في ذلك شرفُ مقامٍ، وحسنُ ختام.
مضى رحمه الله، وبقي أثره؛ غاب شخصه، وبقي ذكره، وانقضى عمره، واستمرّ نفعه. فتلك صورةُ مربٍّ مصلح، يُتعلّم منها أن التربية خُلُقٌ قبل أن تكون علمًا، وعملٌ يُرى قبل أن يُقال.
رحم الله أبا أمين، وجعل ما قدّم في ميزان حسناته، وأبقى له في القلوب ذكرًا طيبًا، وفي الأعمال أثرًا كريمًا.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
@Muneerah_94 الأثقل شعورٌ لم يُفهم.
فالكلمة التي لم تُقَل تبقى في الصدر احتمالًا مؤجَّلًا؛ قد تجد يومًا منفذها إلى لسانٍ أو ورقة.
أما الشعور إذا لم يُفهم، فإنه يظلّ وحيدًا داخل صاحبه؛ لا هو قيل فاستراح، ولا هو فُهم فاطمأن.
الكلمة صمتٌ له باب، أمّا الشعور غير المفهوم فغرفةٌ بلا نافذة.
في رحاب البيت العتيق
تمرّ بنا الأيام، فنرى الناس، ونسمع أخبارهم، ونحسب أننا عرفناهم؛ حتى نلقى في الطريق من لا يحدّثك كثيرًا، ولا يشغلك بكثرة الكلام، ثم لا تلبث أن تعرفه إذا نظرت إلى عمله. عندها تدرك أن الرجل ليس بما يقول، بل بما يكون، وأن من الناس من يكفيك أن تراه مرة، لتبقى صورته في نفسك زمنًا طويلًا.
ومن هؤلاء الشيخ عابد بن عبيد الله الأنصاري رحمه الله؛ رجل لا يطلب أن يُذكر، ولكنك تذكره، ولا يتقدّم ليتصدّر، ولكنك إذا جلست إليه وجدت له في النفس موضعًا لا يزول.
عُرف بالصلاح والتقوى، وكان كريمًا بطبعه، واصلًا لرحمه، حتى صارت صلة الأرحام سمةً له يُعرف بها. وحسن الخلق فيه ظاهر، ولين الجانب فيه راحة، يقرب من الناس فيأنسون به، ويجدون عنده صدق المعشر وحسن اللقاء.
وسعيٌ في الخير لا يُكلّف فيه نفسه ما لا يطيق، ولا يترك ما يقدر عليه؛ إن عرضت له حاجةٌ قضاها، وإن قامت خصومةٌ سعى في إصلاحها، لا ينتظر شكرًا، ولا يلتفت إلى ثناء، يعمل ويمضي، فلا يبقى من عمله إلا أثره.
عمل في البريد سنين، فأدّى الأمانة أداء من يعلم أنها دين في عنقه، حتى عُرف بها، ودُلّ عليه بها. ثم إذا تقاعد، لم يضعف عن العمل، بل اتجه إلى التجارة، لا ليجمع المال، ولكن ليجعل منه وسيلةً إلى الخير، يأخذ منه بقدر، وينفق منه بقدرٍ أوسع.
ومضى رحمه الله ولم يترك مالًا يُذكر، ولكنه ترك ما هو أبقى: ذكرًا حسنًا، وأثرًا طيبًا، وأعمالًا خفية لم تُعرف إلا بعد رحيله؛ كفالة أيتام، وبناء مساجد، وأبواب من الخير لم يكن يحدّث بها أحدًا.
ولشهر رمضان عنده شأنٌ آخر؛ يقف له وقفة العارف بقدره، ويأخذ منه نصيب من عرف فضله. يفطر، ثم يمضي إلى المسجد الحرام، فيصلي التراويح ويقوم الليل، ويعتكف العشر الأواخر، لا يقطع ذلك إلا لعذر. فإذا كبر سنه، استأجر بجوار الحرم، ليبقى على ما اعتاده من العبادة، محافظًا على عهده، موصولًا بما أحب.
وكان محبًا للقرآن، لا يمله، ولا يفارقه، يجد فيه أنسه، ويجعله زاده.
ومع أن حظه من التعليم شهادة المرحلة الابتدائية حصل عليها في الستينيات الهجرية، يوم كان المتعلم نادرًا، فقد بلغ من الفهم والبصيرة ما يشهد له بتوفيق صادق ونية مخلصة.
وفي مودته وفاء؛ لا يقطع من عرف، ولا ينسى من أحب، يزور المريض، ويتفقد كبير السن، فيأنسون به، ويجدون في حضوره راحة.
وكان إذا جلس في مجلس، تكلّم فأفاد، وقصّ فأمتع، حديثه قريب، ومعناه واضح، فتستمع إليه ولا تمل.
ذلك رجل عاش لله، فبقي له ما عاش له.
رحمه الله رحمة واسعة، وغفر له، ورفع درجته، وجعل ما قدمه في ميزان حسناته.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
بين «إزعاج السوق» و «قيادة المشهد» .. لماذا تظل السعودية الرقم الصعب؟
في عالم النفط، هناك فرق جوهري بين القدرة على «التأثير» و القدرة على «السيادة» .. فخروج #الإمارات من #أوبك قد يمنحها هامشاً للمناورة، لكنه يضعها في مواجهة مباشرة مع حقائق الأرقام و الجغرافيا السياسية التي تسيطر عليها #الرياض، و الإمارات قد «تزعج» استقرار السوق، لكنها حتماً لا و لن تقوده.
طموح الإمارات للوصول إلى 5 ملايين برميل يومياً هو مشروع استراتيجي، لكنه يظل «محدود الأثر» أمام العملاق السعودي، حيث تمتلك #أرام��و قدرة إنتاجية تتجاوز 12 مليون برميل، أي ما يعادل ضعف أقصى طموح إماراتي بمرات.
فوارق الحجم هنا ليست مجرد أرقام، بل هي "سلاح ردع" اقتصادي.
«الإرادة السعودية» ليست مجرد شعار .. فالتاريخ يثبت أن #الرياض حين تقرر حماية حصتها السوقية، تمتلك «النفس الأطول» ، و انخفاض تكلفة الاستخراج في الحقول #السعودية و ضخامة الاحتياطيات تجعل المملكة قادرة على تحمل «حرب أسعار» لا يستطيع المنافسون الإقليميون الصمود فيها طويلاً.
السيادة ليست في «الخروج» عن الجماعة، بل في "صناعة" القرار الجماعي، و السعودية هي «المنتج المرجح» الوحيد في العالم و بدون مظلة أوبك التي تقودها #الرياض�� ستجد #الإمارات نفسها لاعباً منفرداً في سوق تتقاذفه أمواج المضاربات، دون حماية أو غطاء تفاوضي دولي.
الخلاصة ..
أي محاولة للإرباك قد تسبب تذبذباً وقتياً في الأسعار، لكن «كسر الإرادة السعودية» في سوق الطاقة هو ضرب من المستحيل الفني و الاقتصادي، و ستبقى الرياض هي "بوصلة الطاقة" العالمية، و سيكتشف الجميع في النهاية أن التغريد خارج السرب مكلف .. و أن الاستقرار لا يمر إلا عبر بوابة السعودية.
#السعودية #الإمارات #أوبك #النفط #اقتصاد #أرامكو
خبيتي بلا إيقاع وكسرة على لحن الضياع
ليست الفنون الشعبية في بلادنا أصداءً تُقذف، ولا حركاتٍ تُلتقط من عابرِ مقطعٍ عابر؛ بل هي ذاكرة أرضٍ إذا نطقت أنشدت، ونَفَس أجيالٍ إذا سكتت تكلّم. هي عهدٌ يُسلَّم من صدرٍ إلى صدر، لا من شاشةٍ إلى شاشة، ولا من نزوةٍ إلى نزوة. هي خلاصة عمرٍ طويل خُتمت على نغمة، واستقرّت في خطوة، واستقامت في لحنٍ له قانون إن اختلّ اختلّ معه السمع والذوق.
في هذه البلاد، تتعدد الألوان كما تتعدد الجهات؛ فلكل جهةٍ إيقاعٌ كنبضها، ولكل بيئةٍ نغمةٌ كريحها. ترى العرضة وقارًا يمشي، والسامري لينًا يغنّي، والخطوة عزمًا يضرب، والمجرور حكايةً تسيل؛ وكل لونٍ منها محكومٌ بميزانٍ موزون، ومقاسٍ معلوم، ونَفَسٍ مأذون، لا يُزاد فيه ولا يُنقص، كأنما هو عقدٌ إذا انفصمت حبةٌ منه تناثر حسنه كله.
وأهل هذا الفن على سكون ظاهرهم علماء ميزانٍ لا يخطئون، وسدنة إيقاعٍ لا يختل. يعرفون موضع النبرة من الكلمة، وموعد الضربة من القدم، فلا يسبقون اللحن فيتعثر، ولا يتأخرون عنه فيتعكّر. وإذا أدّوا، رأيت الجسد سطرًا�� والصوت وزنًا، والهيئة كتابًا يُقرأ بلا حروف.
ثم جاءنا في زمن السرعة التي تُسابق نفسها قومٌ ظنوا الفن فلترًا يُضاف، أو مؤثرًا يُركّب، فمدّوا أيديهم إلى هذه الألوان يخلطون��ا خلطَ من جمع بين قهوةٍ وشايٍ وماءٍ ثم سماه شرابًا جديدًا، يخلط هذا مقامًا بذاك، ويصبغ ذاك بإيقاع هذا، فإذا اللحن لقيطٌ لا أب له، والإيقاع يتيمٌ لا نسب له؛ كمن أراد أن يُحسن المشي فجمع بين خطوة المسرع ومشية المتهادي فصار يمشي ولا يمشي، ويصل ولا يصل.
ويزيد المشهد طرافةً إن لم نقل مرارةً أن بعضهم لا يُحسن فن منطقته التي نشأ في ظلها، وتربّى على أصواتها، وشهد أعلامها وأهل الإتقان فيها وهم يؤدّونها كما تؤدّى، فإذا به يُعرض عن مألوفه إعراض من ملّ الذهب ويطلب ما ليس له فيه إلا اسمٌ يلوكه، يترك الأصل إلى العنوان، والميزان إلى الزينة، والحرفة إلى الحيلة.
وقد نال بعض ا��ألوان من هذا العبث نصيب الأسد، وفي طليعتها فن الخبيتي، فقد أُلبس ما ليس له، وأُقحم عليه ما ليس منه حتى صار الخبيتي عند بعضهم خبيتي الاسم غريب الرسم مضطرب الجرس، ثم زادوا عليه لونًا من الاجتهاد، وما كل اجتهادٍ بمحمود، في غناء الكسرة بألحا��ٍ لم تعرفها الكسرة ولا ألفتها أذنها، فكأنهم زيّنوا الثوب برقعٍ لا يشبهه أو نقشوا الماء على صفحة حجر، فخرج اللحن متكلفًا والنغمة متعسفة، لا هي من هناك ولا هي من هنا. وإذا لم يجد المرء ألحان الكسرة والخبيتي، فليس من الحذق أن يبتدع لها ما يشوّهها ويعكّر صفوها، بل من الفطنة أن يصمت حيث يجب الصمت، أو يتعلم حتى يستقيم له الأداء.
إن للفن نسبًا كالأسر وميزانًا كالشعر وحدًّا كالسيف، فمن دخله بغير علم جرحه، ومن تصرّف فيه بغير فهم شوّهه، ليس كل من صفق أحسن، ولا كل من غنّى أتقن، ولا كل من خلط أبدع؛ فرب خلطٍ يفسد، ورب زيادةٍ تنقص، ورب اجتهادٍ يضحك وإن قصد صاحبه الجد.
ومع هذ�� كله، فإن الإنصاف لا يُغفل وجهًا آخر مشرقًا؛ فكم من محب للفن لم يولد في بيئته، ولم ينشأ على ترابه، ولكنه أحبه فأخلص له، وتعلمه فأتقنه، واحترم حدوده فحفظه، فأدّاه كما ينبغي لا كما يشتهي. أولئك ليسوا من أهل الفن نسبًا، ولكنهم من أهله أدبًا وذوقًا، ��خلوا بباب التعلم فخرجوا براية الإتقان، فاستحقوا التقدير لا لأنهم غرباء عنه، بل لأنهم لم يتعاملوا معه غريبًا. فهؤلاء تُرفع لهم راية الإعجاب، ويُقرن ذكرهم بالثناء، إذ جمعوا بين المحبة والمعرفة، فكان حبهم فنًا، وكان أداؤهم وفاء.
الأصالة ليست قيدًا يُكبل بل قوام يُعدّل، هي أن تعرف الأصل فتحسن حمله، ثم إن زدت زدت بما يليق لا بما يطيح، فمن أراد التجديد فليتعلم، ومن أراد الإضافة فليتأدب، فإن هذه الفنون ليست مسرحًا لمن شاء أن يجرّب، بل محرابٌ لمن عرف فأتقن.
وهكذا تبقى الفنون الشعبية في بلادنا تاجًا على رأس الهوية لا يُلبس إلا على قدره؛ فإن أُحسن وضعه زاد جمالًا عل�� جمال، وإن عُبث به انقلب زينةً مقلوبة، وضحكةً في موضع الوقار، ويبقى اللحن الصحيح شاهدًا، والإيقاع السليم حاكمًا، يردّان كل دخيل، ويُبقيان للأصل هيبته، وللفن مكانته.
#صابر_المحمدي
مُعلِّمُ الرياضيات
في وادي الأبواءِ، حيثُ ينسابُ الهدوءُ في أرجاءِ المكان، وتستقرُّ الطمأنينةُ في ملامحِ الأرضِ والناس، تمضي الحياةُ على سجيّتها، كأنّها لا تعرف التعقيد الذي نصنعه نحن. وفي مثل هذا الموضع، لا تُحفَظُ أسماءُ الرجال بكثرة ما يُقال، ولكن بما يُقيمونه في النفوس من أثر؛ لأنّ ما استقرّ في الداخل لا يحتاج إلى شاهدٍ من الكلام.
ومن أولئك، أستاذنا محمد بن حامد بن سلوم المحمدي، رحمه الله. لا يُذكر على أنّه رجلٌ مرّ من هنا، بل على أنّه معنى أقام هنا؛ فإنّ بعض الناس يكونون في المكان، وبعضهم يكون ��لمكان فيهم.
وكان يُدرِّس الرياضيات، غير أنّه لم يكن يرى فيها أرقامًا تُجمع وتُطرح فحسب، بل كان يرى فيها نظامًا إذا استقام في العقل، استقام به النظر إلى الأشياء كلّها. كان يعلم أنّ المسألة تُنسى، ولكن الطريقة تبقى، وأنّ الجواب يذهب، ولكن الميزان الذي يُعرف به الجواب لا يذهب.
وقد كنتُ أحدَ تلاميذه؛ تتلمذتُ على يديه في الصفّ الرابع الابتدائي بمدرسةِ ابنِ القيم الابتدائية بالأبواءِ، وكان لذلك العهد أثرٌ باقٍ في نفسي.
لم يكن إذا شرح مسألةً يطلب من الطالب أن يحفظ طريقها، بل أن يفهمها؛ لأنّ الطريق إذا فُهمت، أمكن أن تُسلك مرّةً بعد مرّة، ولو تغيّرت المسائل. وكان ��ذا أخطأ الطالب لم يقطع عليه خطأه، بل أعاده إلى موضعه، حتى يرى بنفسه كيف وقع، وكأنّه يعلّمه أن يرجع إلى الصواب من داخله، لا أن يُساق إليه من خارجه.
وكان هادئًا في طريقته، لا يرفع صوته ليُسمِع، بل يُحسن كلامه ليُفهِم. فإذا تكلّم، لم يكثر، وإذا شرح، لم يُثقِل، حتى يتهيّأ للسامع أنّ الأمر يسير، وأنّ التعقيد ليس في العلم، بل في اضطراب الطريق إليه.
وكانت حصّتُه على هذا النَّسق؛ لا تُشعِر الطالب بأنّه أمام علمٍ ثقيل، بل أمام أمرٍ يمكن أن يُفهم إذا وُضِع في موضعه. وكأنّه كان يُدرِّب الذهن على الترتيب قبل أن يُدرِّبه على الحلّ، ويُقيم في النفس طمأنينةً تُعين على الفهم.
وأمّا الشعر، فكان عنده وجهًا من وجوه البيان، لا صناعةً يتكلّفها ولا زينةً يتزيّن بها؛ يجيء منه على سجيّته، كأنّ المعنى فيه سابقٌ إلى العبارة، يقودها ولا تنقاد له. ينساب رقيقًا قريبًا، يبلغ القلب في هدوء، ويستقرّ فيه من غير كلفة؛ يكسو الحكمة ثوبًا من البساطة، ويجعلها أليفةً لا ت��ثقل، واضحةً لا تتمنّع. وإذا نظَم، أحكم السبك من غير تكلّف، فجاء كلامه حديثَ نفسٍ صادقة، لا أثرَ فيه لصنعةٍ تُرى، ولا لزخرفٍ يُطلب.
وكان قريبًا من طلابه، حبيبًا إلى قلوبهم، يعرف أنّ العقول تختلف كما تختلف الأعداد، وأنّ لكلّ واحدٍ طريقه إلى الفهم؛ فكان يُعطي كلَّ ذهنٍ ما يلائمه، ويصبر على كلِّ طالبٍ حتى يبلغ حدَّه، لا يُثقِل عليه بما لا يطيق، ولا يتركه لما لا يُدرك، بل يُقيم له من الصبر ما يُقيم له من البيان.
وهكذا كان أثرُه؛ لا يظهر في كثرة ما قال، بل في كيف غيّر. فمن تعلّم عنده لم يتعلّم جوابًا لمسألةٍ بعينها، بل تعلّم كيف يمضي إلى الجواب، وكيف يرجع إذا أخطأ، وكيف يُقيم لنفسه ميزانًا لا يختلّ.
ويبقى أثرُه حيث وضعه؛ لأنّ من يُقيم في العقول نظامًا، يُقيم فيها ما يعمل بنفسه. وذلك أثرٌ لا يفتقر إلى كثرة الذكر، إذ يقوم بذاته ويستغني ببقائه.
رحم الله أستاذنا أبا عمر، وجعل ما أفاضه من علمٍ وأدبٍ وخُلُقٍ ذخيرةً له في ميزان حسناته، وأدام ذِ��رَه في الأبواءِ طيّبًا ناميًا، وأبقى أثرَه نورًا ساريًا لا يخبو، وبلّغه منازلَ العليين، وجزاه عن تلاميذه ومحبِّيه أتمَّ الجزاء وأوفاه.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي