#معلومة_اليوم 30
"الحلقة 30.. والأخيرة"
مضى سبتمبر سريعاً، رغم أني في كل يوم منه كان هناك سؤال واحد ينتظرني بعد انتهاء عملي: ماذا سأكتب اليوم؟ لم تكن مقالات الشهر جاهزة مسبقاً، بل كانت فكرة كل مقال تولد في يومها، من موقف أو سؤال أو قصة مريض. كنت أكتب أحياناً في المنزل وأحياناً في أوقات الانتظار، وبعضها وأنا أتابع بعض الأخبار، وأحيانا -كما هو الآن- وأنا على متن الطائرة متوجها لأحد المؤتمرات! كان ذلك مرهقاً أحياناً، لكن هذا التعب جعل هذه السلسلة أقرب إلى واقع مرضانا.. وأقرب إليكم.
ودعوني أكون شفافاً معكم، فأنا أعرف أن بينكم من كان يقرأ بصمت طوال الشهر، وربما أعجبه ما قرأ ثم مضى دون أن يضغط علامة الإعجاب. ولا بأس.. يكفيني أن تصل الفكرة وينتفع بها مريض أو أسرة، وأحتسب ما كتبت عند الله، لكن إن كنت واحداً من هؤلاء القراء الصامتين، فهذه آخر تغريدة في ��بتمبر، وربما حان الوقت أن أعرف أنك كنت هنا! وسيسعدني أن تضع إعجابك هذه المرة؛ فقد تكون ��غطة صغيرة بالنسبة لك، لكنها بالنسبة لي ابتسامة وتشجيع، وربما سبباً لأن أعود إليكم بسلسلة أخرى.
فعلى مدى ثلاثين يوماً، حاولت أن أتحدث عن #فقر_الدم_المنجلي من زوايا مختلفة؛ عن المرض والوقاية منه، وعن مضاعفاته وعلاجه، وقبل ذلك عن الإنسان الذي يعاني منه، وعن أسرته التي تشاركه رحلة الألم والأمل. حاولت أن أوصل فكرة أن اكتشاف المضاعفات مبكراً قد يغيّر الكثير، وأن التعامل مع #المنجلي لا يكون بانتظار المرض أن يصرخ، بل يجب أن يكون قبل ذلك بكثير.
ولعل أجمل ما أختم به سبتمبر أن #الأنيميا_المنجلية التي عرفناها بالأمس ليست هي تماماً التي نعالجها اليوم، لقد مر زمن كانت فيه خيارات العلاج محدودة، وكان جُلُّ ما نستطيع فعله آنئذٍ هو تخفيف الألم وعلاج المضاعفات، أما اليوم فأصبحنا أكثر قدرة على الوقاية والسيطرة على المرض وتغيير مساره، بل وصلنا إلى علاجات قد تحقق الشفاء لدى بعض المرضى، فما كان بالأمس حلماً بعيداً أصبح اليوم حقيقة، بل التفاؤل يجعلني أقول أن ما يبدو صعباً اليوم قد يكون غداً جزءاً مسلماً من العلاج.
لذلك أقول إلى كل مريض منجلي قرأني هذا الشهر: لا تسمح لتجارب الأمس أن تكتب لك بقية العمر، فالطب يتطور، وما لم يكن له حل بالأمس قد يصبح له غداً أكثر من باب.
وإلى أهاليهم أقول: أعرف أنكم تتألمون بطريقة مختلفة؛ تسهرون، وتنتظرون خلف أبواب الطوارئ، وتفرحون بتحسنٍ صغير كما يفرح الآخرون بأشياء كبيرة، وجودكم إلى جانب مرضاكم هو جزء من العلاج وإن لم يُكتب في وصفة الطبيب؛ لذا لا تجعلوا تجارب الأمس ترسم صورة الغد، فالأبحاث لا تتوقف، وأملنا يكبر يوماً بعد يوم، بل الأمل اليوم هو فعلاً أكبر مما كان بالأمس.
ولزملائي الأطباء -وخصوصاً الباحثين منهم- أقول: لا يكفي أن نعالج نوبة الألم ثم نغلق الملف؛ علينا أن نسأل، ونبحث، وأن نستمع للمريض قبل أن نرمق النظر إلى أرقام تحاليله، وأن نشارك في صناعة معرفة تجعل علاج الغد أفضل من علاج اليوم، فمسؤوليتنا لا تنتهي عندما يسكن الألم ويغادر المريض المستشفى!
وللمجتمع أقول: مريض المنجلية لا يحتاج إلى الشفقة، بل إلى الفهم والفرصة؛ إلى مجتمع يرى قدرته قبل أن يرى مرضه، ويعينه على أن يتعلم ويعمل ويبدع ويكون شريكاً في بناء وطنه، فهؤلاء المحاربون، رغم ما في أجسادهم من جراح وتعب، قادرون على أن يتعلموا ويعملوا ويبدعوا ويضيفوا إلى أوطانهم الكثير متى وجدوا من يؤمن بهم.
اليوم ينتهي سبتمبر، وينتهي معه شهر التوعية بـ #فقر_الدم_المنجلي، لكن المرض لا يعرف الشهور�� ولذلك يجب ألا ينتهي وعينا بانتهاء سبتمبر، فقد تعلمت من رحلة المنجلي أن ما نعجز عنه اليوم قد يفتحه العلم غداً، وما زال الطريق طويلاً، وربما تكون فيه عثرات وتعب، لكن القمم لا تُنال باختيار الطريق الأسهل، فمن أراد القمم قَبِلَ مشقة الصعود إليها، ومن أراد العسل يعرف أن إبر ��لنحل في طريقه، ولعل أبا الطيب المتنبي قال ذلك قبل قرون في "لاميَّته" العصماء بأجمل مما يمكن أن نقولها اليوم.. لقد قال:
ذَريني أَنَلْ ما لا يُنالُ مِنَ العُلى
فَصَعْبُ العُلى في الصَّعْبِ والسَّهْلُ في السَّهْلِ
تُريدينَ لُقْيانَ المَعالي رَخيصَةً
وَلا بُدَّ دونَ الشَّهْدِ مِن إِبَرِ النَّحْلِ
#SickleCellAwareness
#شهر_التوعية_بفقر_الدم_المنجلي
#SickleCellAwarenessMonth
#SCD
#معلومة_اليوم 29
"العلاج الجيني للمنجلي.. لمن؟"
ما أزال أتذكر كيف كنا نترقب العلاج الجيني كحلم جميل يلوح في الأفاق العلمية، ومن السهل عندما نتحدث عن #العلاج_الجيني لمرض #فقر_الدم_المنجلي أن تأخذنا الدهشة؛ فقد كنا -ولعقود- نحاول أن نخفف الألم ونمنع المضاعفات، واليوم أصبحنا قادرين على أخذ #الخلايا_الجذعية من المريض وتعديلها جينياً ثم إعادتها إليه، لتنتج خلايا دم تختلف في سلوكها عما كانت عليه طوال حياته.
لكن وسط هذا الإنجاز ينبغي ألا نقع في فخ عبارة "العلاج الجيني يشفي المنجلي"؛ وإن كان الدافع من ابتكار العلاج هو الشفاء، فالأدق أن نصفه بأنه Transformative Therapy؛ أي علاج يستطيع لدى المريض المناسب أن يغيّر مسار المرض بصورة جذرية ويمنع أو يقلل نوبات المرض بدرجة كبيرة، لكنه لا يمحو بالضرورة ما تركه المرض سابقاً من أضرار في العظام أو الكلى أو الرئتين أو الدماغ، كما أننا لا نملك الزمن الكافي من المتابعة كي نجيب عن جميع أسئلة الأمان والنتائج بعيدة المدى.
��للاختصار، لدينا اليوم علاجان معتمدان هما #كاسجيفي #Casgevy، الذي يستخدم المقص الجزيئي والمسمى بـ CRISPR-Cas9 لإعادة تنشيط الهيموغلوبين الجنيني HbF، وعلاج #ليفجينيا #Lyfgenia الذي يعتمد على إضافة جينية بواسطة وسيط فيروسي آمن lentiviral vector، وقد توسعت موافقة هيئة الغذاء الدواء على Casgevy في يوليو 2026 لتشمل مرضى المنجلي ابتداءً من عمر سنتين.
ولكن هل يعني ذلك أن كل مريض بالمنجلي ينبغي أن يذهب إلى العلاج الجيني؟ بالطبع لا؛ فالقرار يبدأ من سؤال مهم: هل شدة المرض الحالية تكفي لتبرير فواتير العلاج؟ وهنا أعني فواتيره المادية والصحية على حد سواء.
فالمريض الذي يعاني نوبات انسدادية متكررة، أو مضاعفات شديدة -رغم استخدامه العلاج- هو الذي ينبغي أن تُطرح أمامه الخيارات العلاجية التحويلية بجدية، حيث يجب مقارنة العلاج الجيني بزراعة الخلايا الجذعية والعلاج الدوائي. فالقرار يعتمد على وجود متبرع مناسب، وعلى وظائف الأعضاء، والعمر، والخصوبة، والحالة النفسية والاجتماعية، والأهم رغبة المريض بعد فهم كل هذه الخيارات ومخاطرها.
وهنا دعوني أكون واضحاً وشفافاً، فالعلاج الجيني ليس "حقنة جينية سحرية" يع��د بعدها المريض إلى منزله؛ بل هو رحلة تبدأ بجمع الخلايا الجذعية وتصنيعها، ثم بعلاج كيماوي تحضيري myeloablative conditioning مع ما يحمله من سمية وتأثير محتمل في الخصوبة، إضافة إلى ما يعقب العلاج من المتابعة الطويلة، فضلاً عن أسئلة ما زلنا ننتظر الزمن ليجيب عنها.
قبل أسبوع (في 24 سبتمبر 2026) نشرت مجلة نيو إنجلاند للطب مقالاً تناول سؤالاً طالما كنت أتمنى الإجابة عنه، وهو سؤال حساس يدور في ذهني وربما أذهان الكثيرين، ألا وهو: لمن اُبْتُكِر هذا العلاج؟، فمن الصعب تجاهل مسألة من يستطيع الوصول إليه؛ لأن هذه العلاجات تكلف ملايين الدولارات وتحتاج إلى مراكز عالية التخصص وبنية تحتية معقدة، ولكن المفارقة المؤلمة حين نعلم أن المناطق التي تحمل العبء الأكبر من #المنجلي عالمياً هي الأقل قدرة على الوصول إلى أحدث علاجاته، خصوصاً إذا علمنا أن مجلة نيشتر نشرت بالأمس (28 سبتمبر 2026) مقالاً مذهلاً بعنوان Bigger than CRISPR يتحدث عن التقنيات المستقبلية للعلاج الجيني وهو ما جعلني أعتقد أن Casgevy وما نراه اليوم قد يكون الجيل الأول فقط من رحلة أطول بكثير، وسيبقى المتفائلون -من أمثالي- في انتظار الوصول إليها.
من وجهة نظري؛ لا أرى العلاج الجيني يجب أن ينتصر على #الهيدروكسي_يوريا أو #زراعة_النخاع، ولا أراه طريقاً ينبغي أن يسلكه الجميع؛ بل هو طريق جديد أضيف إلى خارطة العلاجات، ففي حين قد يكون هو الأنسب لمريض معين؛ تكون الزراعة أنسب لآخر، ويعيش ثالث حياة جيدة بالعلاج الدوائي دون الحاجة لتعريضه لرحلة بهذا الثقل.
وباختصار، الطب الجيد ليس أن نعطي المريض أحدث ما نملك، بل أن نعرف أي الطرق أنسب له؛ فليست الحكمة أن نسلك الطريق لمجرد أنه جديد، وإنما الحكمة في أن نعرف لمن يصلح، ومتى ينبغي أن نعبره، ومتى من الأفضل أن نختار غيره. ولعل الشاعر عمرو بن معد يكرب لخّص شيئاً من هذه الحكمة حين قال:
إِذَا لَمْ تَسْتَطِعْ شَيْئاً فَدَعْهُ
وَجَاوِزْهُ إِلَى مَا تَسْتَطِيعُ
#SickleCellAwareness
#شهر_التوعية_بفقر_الدم_المنجلي
#SickleCellAwarenessMonth
#SCD
#معلومة_اليوم 28
"في أدوية المنجلي الجديدة.. من يفوز بالسباق؟"
لو نظرنا إلى الأدوية الحديثة في #فقر_الدم_المنجلي لوجدناها وكأنها في سباق طويل، عند بدايته أسماء كثيرة، ولكل منها فكرة علمية وطريق وعر للوصول إلى المريض، لكن سباقات الدواء لا يفوز فيها الأسرع؛ بل من يعبر مراحل التجارب حاملاً معه الفعالية والأمان معاً.
ومن أكثر المتسابقين تقدماً منشطات إنزيم البيروفيت كاينيز (PK activators وأهمها: ميتابيفات Mitapivat (من شركة أجيوس Agios ) وإيتافوبيفات Etavopivat (من شركة نوفونوردسكNovoNordisk )، والفكرة هنا جميلة؛ فَكُرَيَّة الدم الحمراء تحتاج إلى الطاقة كي تحافظ على سلامة غشائها ووظيفتها، وتنشيط هذا الإنزيم يزيد إنتاج جزيء الطاقة المسمى ATP ويخفض الجزيء الضار لخلية الدم المسمى 2,3-DPG ، مما يجعل كرية الدم أقل قابلية للتمنجل والتكسر.
أما علاج Mitapivat فقد اقترب من خط النهاية؛ ففي دراسة RISE UP من المرحلة الثالثة، ارتفع الهيموغلوبين أكثر من ≥1 g/dL لدى 40.6% مقابل 2.9% مع العلاج الوهمي، وتحسنت مؤشرات التكسر ونقل الدم، لكن لم تقل نوبات الألم بما يحقق الدلالة الإحصائية المطلوبة. ومع ذلك؛ قبلت هيئة الغذاء والدواء الأمريكية ملفه للمراجعة، وحددت 1 نوفمبر 2026 موعداً مستهدفاً للقرار، فنحن على بعد أسابيع لنرى إن كان سيصبح أول PK activator معتمد للمنجلي.
وخلفه يأتي Etavopivat بنتائج لافتة من سلسلة دراسات HIBISCUS؛ فقد خفّض النوبات الانسدادية بـ 27%، وأطال الزمن الوسطي ل��ول نوبة من 20.9 إلى 38.4 أسبوعاً، ورفع الهيموغلوبين بأكثر من 1 g/dL لدى 48.7% مقابل 7.2% في ذراع العلاج الوهمي؛ أي أن النتيجة هنا أكثر إثارة؛ حيث جمعت هيموغلوبين أفضل ونوبات أقل. وما تزال دراسة HIBISCUS2 من المرحلة الثالثة سارية، فيما أعلنت الشركة نيتها التقدم للموافقات التنظيمية في النصف الثاني من 2026.
وفي حارة أخرى يسير NDec (من شركة Novo Nordisk)، وهو تركيبة فموية من decitabine + tetrahydrouridine، لا تستهدف طاقة كريات الدم، بل تحاول إعادة تشغيل الهيموجلوبين الجنيني HbF لتخفيف أثر هيموجلوبين #المنجلي HbS مثلما يصنع #الهيدروكسي_يوريا، وقد أكمل دراسة ASCENT1 من المرحلة الثانية بنتائج مشجعة، وتخطط الشركة للانتقال إلى المرحلة الثالثة في النصف الثاني من 2027.
لكن المثير في هذا السباق ليس فقط من بقي فيه، بل من خرج منه؛ فقد فشل علاج Inclacumab (Pfizer) في تحقيق الهدف الأساسي في المرحلة الثالثة فتوقف تطويره، وأُوقف برنامج علاج Pociredir (Fulcrum Therapeutics) رغم نتائجه المبكرة الواعدة في رفع HbF بسبب مخاوف السلامة المرتبطة بتثبيط PRC2، بينما واجه علاج Osivelotor (Pfizer)، وهو من مثبطات التمنجل HbS polymerization، إيقافاً مؤقتاً ولم يواصل تقدمه كما كان مأمولاً وما زلنا نترقب مصيره. وحتى علاج Tebapivat (Agios)، وهو PK activator آخر، أظهر تحسناً في الهيموغلوبين ومؤشرات التكسر في دراسة من المرحلة الثانية، لكن النتائج لم تُظهر تميزاً كافياً، فأعلنت شركة Agios في يوليو 2026 عدم مواصلة تطويره للمنجلي.
وهنا تكمن إحدى أجمل حقائق البحث العلمي وأقساها؛ فقد تكون الفكرة رائعة والنتائج الأولية مبشرة، وقد يصل الدواء إلى المرحلة الثانية أو الثالثة، لكن خط النهاية لا يعترف بالوعود؛ بل بالدليل، ولذلك نحن حالياً نراقب علاجات Mitapivat وEtavopivat وNDec وهم يواصلون السباق دون أن نستبق النتيجة؛ فقد علمتنا السنوات الأخيرة أن الطريق من المختبر إلى المريض أطول مما يبدو لنا في الظاهر، فلعلنا لا نصل لما كنا نرجوه من البداية، وكأن أبا الطيب المتنبي كان يصف شيئاً من رحلة اكتشاف الدواء لنا حين قال:
مَا كُلُّ مَا يَتَمَنَّى المَرْءُ يُدْرِكُهُ
تَجْرِي الرِّيَاحُ ب��مَا لَا تَشْتَهِي السُّفُنُ
#SickleCellAwareness
#شهر_التوعية_بفقر_الدم_المنجلي
#SickleCellAwarenessMonth
#SCD
#معلومة_اليوم 27
"كيس الدم الذي ينقذك.. ماذا يترك وراءه؟"
-دكتور.. لو سمحت انقل لي دماً، أشعر أنني أتحسن بعده!
سمعت هذه العبارة عدة مرات من بعض مرضى #فقر_الدم_المنجلي؛ فالمريض يتذكر ما يشعر به بعد نقل الدم، فالتعب يزول، ويرتفع الهيموغلوبين، وربما يشعر المريض أن جسده قد استعاد قوته، فيصبح كيس الدم في ذهنه طريقاً سهلاً وسريعاً إلى العافية.
ولكن -من جهة أخرى- ما لا يراه المريض أن كل كيس دم لا يحمل إليه كريات حمراء فقط.. بل يحمل معه الحديد أيضاً، وبالمناسبة؛ فإن الجسم بارع في امتصاص الحديد والاستفادة منه، لكنه لا يملك طريقاً طبيعياً ��عالاً للتخلص من كمياته الزائدة، ولذلك، قد يبدأ الحديد بالتراكم عاماً بعد عام مع تكرار نقل الدم.
ومع الأسف فإن تراكم الحديد في البداية لا يؤلم، فأنت لا تشعر به وهو يرتفع، ولا تسمع له صوتاً وهو يتراكم، لكن مع فرط حِمل الحديد (Iron Overload) قد يترسب الحديد في أعضاء مهمة، خصوصاً الكبد، وقد يؤثر مع الزمن في القلب والغدد الصماء وغيرها. ولهذا فإن نقل الدم في #الأنيميا_المنجلية ليس "مقوياً عاماً"، ولا علاجاً لمجرد انخفاض الهيموغلوبين عن مستواه الطبيعي؛ فلكل مريض مستوى أساسي اعتاد عليه جسمه، والقرار يعتمد على السبب والأعراض والسياق السريري، وهناك حالات يكون فيها نقل الدم ضرورياً، بل قد يكون منقذاً للحياة، والمشكلة ليست في نقل الدم عندما نحتاج إليه، بل في نقله عندما لا نحتاج إليه، أو تكراره دون مراقبة ما يتركه خلفه.
ومن الفحوص التي نتابعها في هذا الشأن هو مخزون الحديد أو ما يسمى Ferritin، فهو أحد أهم مؤشرات تراكم الحديد وينبغي أن يكون أقل من 1000 ng/mL. ولكنه ليس الحَكَم الوحيد على الحديد؛ لأن الفيريت��ن قد يرتفع في حالات أخرى مثل وجود الالتهابات والعدوى وغيرها. لذلك ما يفيد هو أن ننظر إلى الاتجاه الذي يسلكه مع الزمن وعدد وحدات الدم التي يتلقاها المريض، وعندما نلاحظ ارتفاعه فعندها نحتاج إلى أشعة رنين مغناطيسي خاصة بقياس تركيز الحديد في الكبد (MRI LIC)، وتقييم الحديد في القلب (MRI T2*).
وعندما يثبت وجود زيادة في الحديد بسبب نقل الدم المتكرر، فقد يحتاج المريض إلى العلاجات الطاردة للحديد (Iron Chelation Therapy)؛ وهي أدوية ترتبط بالحديد الزائد وتساعد الجسم على التخلص منه، إلا أن اختيار الدواء وجرعته ومتابعته تعتمد على كمية الحديد ووظائف الكلى والكبد وتحمل المريض للعلاج.
وفي ��لمرضى الذين يحتاجون إلى نقل دم مزمن، قد يساعد تبديل كريات الدم الحمراء في بعض الحالات على تحقيق الهدف العلاجي مع تقليل تراكم الحديد مقارنة بالنقل البسيط المتكرر.
لذلك، إذا كنت مريضاً بالمنجلية وتتلقى الدم بصورة متكررة، فلا تسأل فقط: كم أصبح الهيموغلوبين؟ بل اسأل أيضاً: كم أصبح مخزون الحديد؟ وهل أحتاج إلى تقييم أدق لكمية الحديد في جسمي؟
فالدم دواء ثمين، وقد ينقذ الحياة حين يوضع في موضع��، لكن الطب لا ينظر فقط إلى ما يمنحه العلاج اليوم، بل إلى ما قد يصنعه في المستقبل.
وخلاصة القول، المريض يعتقد أن الدم سينقذه وهذا صحيح، ولكن لا ينبغي للمريض أن يقول: "أنا أتلقى الدم إذن انتهت المشكلة"، والطبيب لا ينبغي أن ينسى أن كل علاج مزمن يحتاج إلى مراقبة مضاعفاته أيضاً، فإذا أصبح نقل الدم متكرراً، قد يأتي معه ضيف ثقيل وهو زيادة الحديد، وهذه هي إحدى مفارقات الطب، فالعلاج الذي أنقذ حياة المريض يمكن أن يضره، بل قد يحتاج هو نفسه إلى علاج. وهو ما كتبته بفكرة مشابهة في بعض أبياتي حيث قلت:
كذا حكمةُ اللهِ في ذا الوجودِ
متى ما طغى الشيءُ يرتدُّ ضِدَّهْ
كضوءِ النهارِ يُنمِّي الورودَ
ولكنْ إذا ازدادَ أحرقَ وَرْدَهْ
#SickleCellAwareness
#شهر_التوعية_بفقر_الدم_المنجلي
#SickleCellAwarenessMonth
#SCD
#عبدالله_آل_زايد
معلومة_اليوم 26
"الأدوية المسكنة: علاج أم مشكلة أخرى؟"
أسمع كثيراً من مرضى #فقر_الدم_المنجلي من يقول لي: "دكتور.. أخاف من المسكنات"، وفي المقابل، أسمع مريضاً آخر يقول لي: "هذا المسكن لم يعد ينفعني، أعطني الأقوى"! وبين الخوف من المسكن، والإفراط في استخدامه، تختلط الأمور وربما تضيع بعض الحقائق، فالمسكن ليس عدواً، ولكنه ليس حلاً لكل شيء؛ إنما هو دواء له مكانه وجرعته ووقته، فالألم قد يكون شديداً جداً، وعندها يجب علاجه بحزم، ولكن الآلام ليست كلها على حد سواء، ولذا ليست كل نوبة تستدعي اللجوء للمورفين.
وبشكل مبسط، لدينا عدة درجات من المسكنات، وأولها الباراسيتامول (باختلاف الأسماء التجارية: أدول فيفادول أو بندول) والذي يكفي للألم الخفيف أو يكون ضمن خطة علاج الألم الأشد، وهو آمن غالباً بالجرعات الصحيحة، لكن تجاوز الجرعات الموصى بها قد يضر بالكبد.
وهناك مضادات الالتهاب غير الستيرويدية (NSAIDs) مثل الإيبوب��وفين والديكلوفيناك (الفولتارين) والنابروكسين وغيرها، وقد تكون مفيدة لفترة قصيرة، لكنها ليست مناسبة للجميع، خصوصاً مع أمراض الكلى والربو، أو من يشتكي من ارتجاع المريء وقرحة المعدة، وكذلك أثناء الحمل أو مع استخدام مميعات الدم، وفي المنجلية تحديداً لا ينبغي الاستهانة بتأثيرها في الكلى.
ثم تأتي المسكنات الأفيونية (Opioids) مثل الترامادول والمورفين والأوكسيكودون وغيرها، وهي أدوية مهمة وفعالة عندما يكون الألم متوسطاً إلى شديداً، لكنها تحتاج إلى خطة واضحة؛ لأنها قد تكون فخاً للمريض، إضافة إلى أنها تسبب النعاس والغثيان والإمساك والحكة، وقد تؤدي بجرعات زائدة إلى ��ثبيط التنفس، كما أن الاستخدام المتكرر أو الطويل يحتاج إلى مراجعة دورية للتأكد من فوائدها وأضرارها.
عند حدوث النوبة في البيت، يجب أن تكون هناك خطة واضحة لدى المريض، ويتفق عليها مع طبيبه: ماذا يأخذ عندما يبدأ الألم؟ متى يكرر الجرعة؟ ومتى يتوقف عن العلاج المنزلي ويتجه إلى المستشفى؟ ولا ينبغي جمع أدوية مختلفة تحتوي المادة نفسها دون الانتباه، أو ��يادة الجرعات من تلقاء النفس لأن الألم لم يستجب سريعاً، والأهم إذا كان الألم مختلفاً عن المعتاد، أو ترافق مع حرارة، أو ألم في الصدر، أو ضيق نفس، أو أعراض عصبية، أو تدهور عام؛ فهذه ليست لحظة تجربة المزيد من المسكنات في المنزل، بل تستدعي التقييم الطبي المباشر.
أما في المستشفى، فهنا رسالة لا تقل أهمية للطواقم الطبية، فمريض #المنجلي الذي يأتي متألماً لا ينبغي أن يقضي وقته في إثبات أنه يتألم، بل ينبغي أن نستمع له، ونسأله ماذا أخذ في المنزل، وما الخطة التي نجحت معه سابقاً، حيث توصي جمعية أمراض الدم الأمريكية بالتقييم وإعطاء المسكن سريعاً وخلال ساعة من الوصول، مع إ��ادة التقييم كل 30–60 دقيقة؛ بينما يوصي المعهد الوطني للتميز في الرعاية الصحية NICE بالمملكة المتحدة بإعطاء المسكن خلال 30 دقيقة من الحضور، وفي الألم الشديد، لا ينبغي أن يكون الخوف من الأفيونات سبباً لتأخير تسكين الألم المناسب، كما لا ينبغي إعطاؤها بلا مراقبة؛ فالجرعة تُفصّل بحسب شدة الألم، مع مراقبة الوعي والتنفس والآثار الجانبية. وقد يفضل استخدام جهاز الحقن الذاتي الـPCA في المرضى الذين يحتاجون جرعات متكررة.
ولابد أن نعلم أن المسكن قد يخفي علامات تحذيرية، فليس كل ألم عند مريض #الأنيميا_المنجلية هو مجرد نوبة ألم؛ فألم الصدر قد يكون متلازمة الصدر الحاد Acute Chest Syndrome، والألم غير المعتاد قد يخفي عدوى أو مشكلة أخرى، ولذلك يجب أن نعالج الألم ونبحث عن سببه في الوقت نفسه.
وأخيراً، فإن تكرار الحاجة إلى المسكنات قد تكون رسالة بأن الوقت قد حان لمراجعة حالة المرض ووضع خطة للسيطرة عليه ومراجعة جرعة ##الهيدروكسي_يوريا، فالهدف في #المنجلي ليس أن يعيش المريض بين الألم والمسكن، بل أن نقلل الألم، ونقلل حاجته إلى المسكن قدر الإمك��ن. فالدواء حين يوضع في موضعه نعمة، وحين لا نستخدمه في موضعه قد نصنع مشكلة بينما نبحث عن حل؛ وفي الطب كما في غيره، نحتاج للحكمة لاتخاذ القرار الصائب، وكما قال أبو الطيب المتنبي:
وَوَضْعُ النَّدَى فِي مَوْضِعِ السَّيْفِ بِالعُلَا
مُضِرٌّ كَوَضْعِ السَّيْفِ فِي مَوْضِعِ النَّدَى
#SickleCellAwareness
#شهر_التوعية_بفقر_الدم_المنجلي
#SickleCellAwarenessMonth
#SCD
#معلومة_اليوم 24
"أنا لست متألماً، لكنني متعب دائماً.. فما المشكلة؟"
كلما سمعت هذه العبارة من أحد مرضى #فقر_الدم_المنجلي، عادت بي الذاكرة إلى سنوات مضت، إلى الأيام الأولى التي بدأت فيها عملي في مستشفى القطيف المركزي، حين التقيت مريضاً لا تزال قصته عالقة في ذاكرتي، فقد كان مهندساً متفوقاً، تخرج من جامعة البترول، وبدأ حياته المهنية بكثير من الطموح والنجاح. كان يحدثني عن عمله وإنجازاته، وعن نفسه؛ عن ذلك الشاب الذي كان يرى أمامه طريقاً طويلاً ومليئاً بالتطلع والشغف، ولديه من القدرة ما يكفي ليذهب بعيداً.
ولكن -مع الأسف- كان للمرض رأي آخر، واضطره لأن يسير في طريق ثانٍ، وكما هو حال الأمراض المزمنة التي تخرج عن السيطرة؛ فلم يأخذ منه حياته دفعة واحدة، بل بدأ يقتطع منها شيئاً فشيئاً.. نوبة ألم هنا، وغياب عن العمل هناك، ثم أيام يحتاج فيها إلى الراحة أكثر، وأيام أخرى يعجز فيها عن إنجاز ما كان ينجزه بسهولة، ومع مرور السنوات، بدأ المرض يزاحم المهنة التي أحبها، ولم تعد هناك مساحة تتسع لطموحه، إلى أن جاء اليوم الذي اضطر فيه إلى ترك وظيفته.
ولعل أكثر ما كان يؤلمني وأنا أستمع إليه، أنه كان يعرف -تماماً- من كان قبل المرض، ويعرف ما كانت طموحاته التي تبخرت بسبب المرض الذي ألجأه إلى التأرجح بين المستشفى والمنزل، واضطره للمسكنات القوية لعل وعسى أن ترفع عنه أوزار المرض.
ومع ذلك، لم يكن الألم هو أكثر ما يشتكي منه، كان يقول إن هناك شيئاً آخر يصعب عليه وصفه للآخرين؛ ولكنه اختصره في كلمة "التعب"، ذلك التعب الذي لا يشبه إرهاق يوم طويل، ولا يزول دائماً بنوم ليلة هادئة؛ بل شعور ثقيل يرافقه منذ أن يفتح عينيه صباحاً، وكأن جسده بدأ يومه وقد استنفد طاقته قبل أن يبدأ.
وهنا تكمن إحدى المشكلات التي قد نغفل عنها في #الأنيميا_المنجلية، فقد يدخل المريض إلى العيادة ماشياً، لا يشتكي من ألم، وتحاليله مقبولة، ثم يخبرك بأنه يستيقظ متعباً، ويمضي نهاره متعباً، ويعود إلى فراشه متعباً، حتى تصبح أبسط تفاصيل الحياة اليومية عملاً يحتاج منه إلى طاقة إضافية.
ربما يسهل الجواب بالقول:
-طبيعي.. أنت لديك أنيميا.. والتعب أحد أعراض #الأنيميا!
لكن الأمر ليس بهذه البساطة، فالتعب المزمن لدى مريض المنجلي قصته قد تكون معقدة، وربما أعقد من أن نجيب عنها برقم الهيموغلوبين! نعم، قد يساهم فقر الدم والألم المستمر في الشعور بالتعب، ولكن قد تكون هناك أمور أخرى مثل اضطرابات النوم ونقص الأكسجين أثناء النوم، أو قد تكون خلفه مشكلة في القلب أو الرئة أو الكلى، أو اضطراب في الغدة الدرقية، أو نقص غذائي، أو تأثير لبعض الأدوية، فكل ذلك قد يشارك في شدة التعب.
وهنا لابد أن نشير إلى أن هناك شيء لا يظهر في تحليل الدم ولا في الأشعة؛ وأعني بها النفس التي أنهكها المرض، فسنوات من الألم، والمستشفيات، والمواعيد، والغياب عن العمل أو الدراسة، والخوف من النوبة القادمة؛ كلها قد تستنزف الإنسان حتى في الأيام التي لا يتألم فيها، ولهذا عندما يقول لنا مريض المنجلي: "أنا متعب"، فلا ينبغي أن يكون سؤالنا الوحيد: "كم الهيموغلوبين؟"، بل علينا أن نسأل عن نومه، وتنفسه، وقدرته على أداء نشاطه المعتاد، وشهيته ومزاجه، ثم نبحث بالفحص والتحاليل عما يمكن علاجه.
التعب وحده لا يعني الحاجة إلى نقل الدم، كما أن وصف الفيتامينات دون وجود نقص مثبت قد لا يحل المشكلة، فالعلاج يبدأ أولاً بفهم لماذا تعب هذا الإنسان؟ لأننا في #الأنيميا_المنجلية لا نعالج نوبات الألم وحدها، ولا نلاحق رقماً في تحليل الدم فقط، بل نحن نحاول أن نحافظ للإنسان على حياته التي قد يأخذ المرض منها -كل يوم- شيئاً صغيراً.
ولهذا، حين يقول لنا مريض #المنجلي: "أنا متعب." فقد لا تكون الإجابة في الهيموغلوبين وحده، لأن بعض التعب يسكن في الدم، وبعضه في الجسد، وبعضه في النوم، وبعضه في نَفْسٍ أرهقها المرض طويلاً. وهذا الحال هو ما يذكرني بحال أبي الطيب المتنبي حين قال في أبياته:
رَماني الدَهرُ بِالأَرزاءِ حَتّى
فُؤادي في غِشاءٍ مِن نِبالِ
فَصِرتُ إِذا أَصابَتني سِهامٌ
تَكَسَّرَتِ النِّصالُ عَلى النِّصالِ
#SickleCellAwareness
#شهر_التوعية_بفقر_الدم_المنجلي
#SickleCellAwarenessMonth
#SCD
#معلومة_اليوم 25
"ماذا لو كان أخطر ما في المنجلي شيء لا يؤلم؟"
ربما تجد طفلاً يلعب أمامك ويضحك مع إخوته، ويذهب إلى مدرسته، ويركض في الملعب كأي طفل آخر، فتنظر إليه فتطمئن، لا يشتكي من ألم، ولا ضعف في الأطراف، ولا اضطراب في الكلام، ولا شيء يوحي بأن في دماغه ما يستحق القلق، إلا أن بعض الأمراض والمشاكل الصحية قد لا تطرق الأبواب قبل أن تدخل!
وفي #فقر_الدم_المنجلي قد يكون الدماغ من أكثر الأعضاء صمتاً، وربما تكتنفه قصة ولكن لا نستطيع أن نقرأها، فالسكتة الدماغية من أهم مضاعفات #الأنيميا_المنجلية وقد تظهر بعض الأعراض العصبية على المريض، وأحياناً قد لا تظهر، فهناك ما يُعرف بالسكتة الدماغية الصامتة (Silent Cerebral Infarct)؛ ولكننا نستطيع اكتشافها بالرنين المغناطيسي على الرغم من عدم وجود أعراض عصبية واضحة، وقد نكتشف ذلك لدى نحو طفل من كل ثلاثة أطفال من المصابين بالمنجلي من نوع HbSS أو HbSβ⁰، أو قد تبرز لاحقاً على شكل تغير في القدرات العقلية أو الدراسية مع زيادة خطر إصابات دماغية أخرى.
وهنا تظهر إحدى أهم فلسفات الطب الوقائي؛ فليس كل مرض ننتظر أن يشتكي صاحبه، فلا ننتظر فشل الكلى حتى يحدث، ولا ننتظر ضعف البصر حتى نفحص العين، وكذلك لا ينبغي أن ننتظر الدماغ حتى يشتكي. ولذلك نقوم بعمل الأشعة الصوتية عبر الجمجمة (TCD)، وإن كانت هذه الأشعة لا تكتشف #السكتة_الدماغية الصامتة، ولكنها تقيس سرعة جريان الدم في شرايين محددة في الدماغ، فتساعدنا على تحديد الأطفال الأكثر عرضة للسكتة الدماغية.
فالتوصيات المعتمدة تنصح بإجرائه سنوياً للأطفال المصابين بـHbSS أو HbSβ⁰ من عمر سنتين إلى 16 سنة، وإذا كانت النتائج غير طبيعية، فهناك استراتيجيات وقائي�� مثبتة، من أهمها نقل الدم المنتظم في الحالات المناسبة لتقليل خطر السكتة.
أما السكتات الدماغية الصامتة فتُكتشف بأشعة الرنين المغناطيسي MRI، وتوصي الجمعية الأمريكية لأمراض الدم بإجراء MRI للدماغ مرة واحدة على الأقل في سن المدرسة المبكرة للأطفال المصابين بـHbSS أو HbSβ⁰ عندما يمكن إجراؤه دون تخدير. ولا تنتهي القصة عند الطفولة؛ فالسكتات الدماغية الصامتة تزداد مع العمر، وقد توجد لدى أكثر من نصف البالغين المصابين بـHbSS أو HbSβ⁰، ولذلك يوصى بإجراء MRI للدماغ مرة واحدة على الأقل في مرحلة البلوغ أيضاً، حتى لمن لم يسبق له أن اشتكى من أعراض عصبية واضحة.
والنصيحة للآباء، إذا حضرت العيادة مع طفلك المصاب بالمنجلي فلا تجعل اهتمامك الوحيد: كم هو الهيموغلوبين؟ ولكن اسأل أيضاً: هل سنعمل الـTCD ؟ ومتى؟
أما ظهور ضعف أو خدر مفاجئ في أحد الأطراف، أو اضطراب الكلام أو الفهم، أو تغير الرؤية، أو اختلال المشي والتوازن، أو أي عرض عصبي طارئ؛ فلا يحتمل الانتظار، لأن الوقت هنا جزء من العلاج.
وخلاصة القول؛ في #فقر_الدم_المنجلي لا يكفي أن نسأل: كيف حال الطفل اليوم؟ بل ينبغي أن نسأل: ماذا قد يحدث غداً؟ وكيف نستطيع حمايته؟، فسلامة اليوم لا تُغنينا عن حماية الغد، وغياب الأعراض لا يلغي أهمية الفحص والمتابعة، وإلا ستنطبق علينا أبيات الإمام الشافعي رحمه الله حين قال:
أَحْسَنْتَ ظَنَّكَ بِالأَيَّامِ إِذْ حَسُنَتْ
وَلَمْ تَخَفْ سُوءَ مَا يَأْتِي بِهِ القَدَرُ
وَسَالَمَتْكَ اللَّيَالِي فَاغْتَرَرْتَ بِهَا
وَعِنْدَ صَفْوِ اللَّيَالِي يَحْدُثُ الكَدَرُ
#SickleCellAwareness
#شهر_التوعية_بفقر_الدم_المنجلي
#SickleCellAwarenessMonth
#SCD
#معلومة_اليوم 23
"اختفت نوبات الألم.. فماذا بعد ذلك؟"
ليس من النادر أن يدخل علي شاب في العيادة ويسأل: "دكتور، تحليلي جيد.. فلماذا ما زلت أشعر أنني مريض؟"، وعلى الرغم من أن السؤال يبدو بسيطاً، لكنه يلخص م��كلة كبيرة في فهم #فقر_الدم_المنجلي.
ومن نافلة القول أن نعلم بأن #الأنيميا_المنجلية تبدأ من مشكلة في #الهيموغلوبين، ولكنها -مع الأسف- لا تبقى في الهيموغلوبين ولا تنحصر في الدم، بل تتجاوز ذلك، وتؤثر في الأوعية الدموية الدقيقة، وتؤثر في الأعضاء التي تعتمد على وصول الدم إليها، ولذا بالإمكان الاستنتاج بأن المريض يكون عرضة لمضاعفات أخرى خارج الدم، ولهذا قد يكون المريض مصاباً بمشاكل في الكلى، أو في العين، أو العظم، أو الرئة، أو الدماغ، حتى عندما لا يكون مصاباً بنوبة ألم أو أزمة منجلية.
وبناء على ذلك، يجب أن تتغير فلسفة المتابعة، فلا ينبغي أن تنحصر العيادة على: "كم مرة حضرتَ إلى الطوارئ؟" فقط؛ بل يجب أن نتوسع ونبدأ بالتساؤل: كيف هي الكلى؟ وكيف هي العين؟ وهل هناك زلال (أو بروتين) في البول؟ وكم مستوى مخزون الحديد؟ وهل توجد مشاكل أو أعراض تنفسية؟ وهل هناك ألم مزمن أو مشاكل في العظام؟.
ليس هذا وحسب، بل ينبغي للطبيب والمريض على حد سواء تغيير اتجاه البوصلة ناحية الحياة ككل، ولذا علينا أن نخرج من أسئلة الجسد والأعراض إلى أوسع من ذلك فنسأل: كيف هي الدراسة أو العمل؟ وكيف هو النوم؟ وهل مزاجك على ما يرام؟ وهل لديك ما يقلقك؟ وهل أصبحت تتجنب بعض تفاصيل حياتك خوفاً من الألم؟ و... و... و... وبذلك نفتح الأبواب التي تشغل هاجس المريض ونساعده على التغلب عليها.
وهنا أرجع لأقول بأن فقر الدم المنجلي مرض مزمن؛ ولذلك فإن السيطرة على المرض لا تقاس فقط بعدد الأزمات ونوبات الألم، بل إن النجاح الحقيقي يقاس في قدرتنا على منع تلف الأعضاء واكتشاف هذا التلف قبل أن يتطور ويصبح ظاهراً، وإذا أخذنا الحريق كصورة للتشبيه؛ فإن المريض لا يحتاج طبيباً يطفئ الحرائق فقط، بل يحتاج فريقاً يعرف أين يمكن أن تشتعل النار قبل أن تبدأ، وأين تكمن الشرارة قبل أن نرى أو نشم الدخان، لذلك فإن كل زيارة لها أهداف، فالمتابعة الدورية ليست موعداً لتجديد الوصفة فحسب، بل هي فرصة لوضع النقاط على الحروف، والتأكد بأن الحروف تعطي كلمات ذات معنى، وأن نزن الحروف كما يزن الشاعر أبيات شعره على بحور الخليل بن أحمد!
في كل زيارة يجب أن نتأكد من مستوى أعداد الدم، ووظائف الكلى والكبد، ومخزون الحديد، والزلال في البول، وحتى عندما تكون الأرقا�� على ما يرام، فلا يعني أن ذلك كل شيء، لأن المريض قد تكون أرقام تحاليله «مقبولة»، بينما حياته ليست كذلك، بل إن التعب نفسه لا ينبغي أن ننسبه دائماً إلى المنجلية، فقد يكون وراءه نقص في بعض الفيتامينات، أو اضطراب في النوم، أو مشكلة في الغدة الدرقية، أو الكلى، أو أسباب نفسية أو دوائية، أو مرض آخر لا علاقة له بالمنجلي أصلاً.
نعم، يجب ألا ننتظر العضو حتى يشتكي.. بل يجب أن نكتشف "الهمس" قبل أن يتحول إلى "صراخ"، ولذا أقول للمريض وعائلته: لا تنتظر الألم كي تراجع طبيبك، ولا تجعل غياب الأزمات تقنعك بأن المرض غائب، فعدم وجود العرض لا يعني عدم وجود المرض، كما لا تتردد أن تخبر طبيبك أيضاً عن تعبك، ونومك، وعملك، ومزاجك، وما تغير في حياتك. ورسالتي لزملائي الأطباء: لا تجعلوا نوبات الألم وأزمات المرض هي كل المرض، ولا تجعل "الهيموغلوبين" هو "كل المريض"، فقد ننجح في تقليل نوبات الألم، ومع ذلك يبقى أمامنا سؤال أهم:
هل أصبح المريض يعيش حياة أفضل؟ لأننا في النهاية لا نعالج تحليلاً، ولا عدداً من نوبات الألم.. بل نعالج إنساناً، والإنسان أكبر من أرقامه.
وختاماً، نحن لا نريد أن نجعل من مريضنا وهو في تعبه أن يصل لأن يت��ثل بأبيات أبي العلاء المعري التي أنشدها ذات يوم وفيه من اليأس ما فيه:
تَعَبُ كُلّها الحَياةُ فَما أعـجَبُ
إلاّ مِنْ راغبٍ في ازْديادِ!
ملحوظة:
من نعم الله علينا أن أكتب هذا المقال على متن الطائرة، وأن أستطيع نشرها على الانترنت وأنا بين السحاب..
فكل عام وأنتم ووطننا الغالي بخير 💐💐💐
#SickleCellAwareness
#شهر_التوعية_بفقر_الدم_المنجلي
#SickleCellAwarenessMonth
#SCD
#معلومة_اليوم 21
ماذا لو لم تكن "مجرد كحّة"؟
في بعض الأحيان يأتي المريض للمستشفى ويتوقع أن الموضوع سهل وبسيط: "مجرد كحة يا دكتور.."، ولكن ما يتلو ذلك هو الذي يستنفر جميع الطاقم الطبي؛ حرارة.. ثم أ��م في الصدر.. ثم يضيق النفس.. وعندها لا نستطيع الانتظار، بل في الواقع -وفي مريض #فقر_الدم_المنجلي تحديداً- رفاهية الانتظار ليست متاحة دائماً!
فمن مضاعفات التي أخشاها كثيراً تسمى متلازمة الصدر الحادة Acute Chest Syndrome (ACS)، وهي إحدى أهم مضاعفات #الأنيميا_المنجلية، فقد تبدأ بصورة بسيطة: سعال، أو حرارة، أو ألم في الصدر، ولكنها تتطور إلى سرعة أو صعوبة في التنفس، أو انخفاض في مستوى الأكسجين، ومن الخطأ أن نتهاون ونقول: "هذا مجرد ألم منجلي وسيزول".
نعم، قد يكون ألم الصدر جزءاً من نوبة الألم، لكن الرئة لها حساب آخر، والأهم أن متلازمة الصدر الحادة قد لا تكون موجودة عند دخول ا��مريض، بل تظهر بعد تنويمه بنوبة الألم.
أما الأسباب فمتعددة؛ منها العدوى، ومنها انسداد الأوعية الرئوية الدقيقة بالخلايا المنجلية، ومنها الانصمام الدهني من نخاع العظم، كما ��د يساهم ضعف التنفس العميق -بسبب الألم أو المسكنات- في تفاقمها.
ما يهمني تحديداً هو أن يتم التشخيص مبكراً، ودائماً نبدأ بالقصة والتاريخ المرضي والفحص السريري وتحديداً قياس الأكسجين ثم أشعة الصدر. وللتشخيص نحتاج إلى ظهور ارتشاح رئوي جديد في أشعة الصدر، مع اثنين أو أكثر من الأعراض أو العلامات التنفسية: السعال أو ألم الصدر، أو صعوبة التنفس، أو الحمى مع نقص الأكسجين، ولكن هنا يجب أن نضع قاعدة للأطباء: "لا تدع الأشعةالأولى أن تخدعك وتطمئنك". فقد تكون الأشعة طبيعية أو محدودة في البداية ثم تتطور الصورة لاحقاً، ولذلك فإن إعادة التقييم مهمة إذا استمرت الأعراض أو ساءت.
أما إذا تم التشخيص، فينبغي ألا ننتظر حتى تصبح الصورة سيئة، بل يحتاج المريض إلى التنويم والمراقبة، وإعطاء الأكسجين، وضبط الألم دون تثبيط التنفس، بالإضافة إلى المضادات الحيوية المناسبة، وربما نقل الدم أو تبديل الدم. وهناك إجراء بسيط - لكنه مهم جداً خصوصاً لو كانت الحالة في بداياتها- وبه نستطيع منع تفاقم الحالة، وهو ما أسميه أنا بـ"الشيشة الطبية" وأعني به جهاز التنفس التحفيز�� الـ Incentive Spirometry، فينبغي تشجيع المريض على أخذ أنفاس عميقة بانتظام فهذا يساعد على تقليل الانخماص الرئوي. أما من حيث السوائل؛ فيجب أن نعطيها بحكمة لأن الجفاف مضر، ولكن الإفراط
في السوائل أيضاً قد يزيد المشكلة الرئوية.
وهنا أختم بثلاث رسائل مختصرة؛ للمريض وأسرته، وللتمريض، وللأطباء:
أما المريض وأسرته، فأقول لهم إن ألم الصدر مع ضيق النفس أو الحرارة أو السعال الجديد ليس شيئاً ينبغي الانتظار عليه في المنزل، فبادر للمستشفى في أقرب فرصة.
وللتمريض أقول لهم: إن انخفاض الأكسجين، وتسارع التنفس، وظهور
السعال أو تغير طبيعة الألم قد يكون أول إنذار يجب أن تبلغوا الطبيب عنه.
ولزملائي الأطباء أقول لهم: لا تجعلوا
اعتيادكم على رؤية نوبات الألم أن يؤدي بكم إلى أن تعتادوا على ألم الصدر أيضاً،
لذا من الضروري مراقبة الأكسجين، وفحص الرئة، وطلب الأشعة، وإعادة التقييم مجدداً.
مع الأسف إن بعض مضاعفات المنجلي لا تبدأ بصخب.. فقد تبدأ الحكاية بسعال صغير، ثم تتدهور الحالة حتى تصبح الأنفاس هي التي تستغيث. بعض الأعراض هي بمثابة الشرر الذي يشعل
الحريق، ولذا يجب أن نكون متيقظين ��تى من النار التي تكمن تحت الرماد، وهو ما يذكرني بأبيات شعر قالها نصر بن سيار والي خراسان للخليفة الأموي مروان بن محمد قبل سقوط الدولة بني أمية:
أرى تحتَ الرمادِ وميضَ جمرٍ
ويوشكُ أن يكونَ لها ضِرامُ
فإنَّ النارَ بالعودينِ تُذكى
وإنَّ الحربَ مبدؤها كلامُ
#SickleCellAwareness
#شهر_التوعية_بفقر_الدم_المنجلي
#SickleCellAwarenessMonth
#SCD
#معلومة_اليوم 19
"لماذا أنا بخيل في نقل الدم؟!" -1
لعلني أدعي بأني من أبخل الأطباء في موضوع #نقل_الدم لمرضى #فقر_الدم_المنجلي، فمثل هذا القرار يستدعي النظر والتأني�� ولكن في نفس الوقت يجب أن تكون الصورة واضحة ومدروسة جيداً دون تأخير، وفي أغلب الأحيان هي عمل��ة تتطلب اللجوء إلى القاعدة النبوية "سددوا وقاربوا".
وبداية يجب أن نعلم أن الدم الذي ننقله للمريض ليس بلا مخاطر، ولكن الطبيب يجتهد أن يلجأ إليه طالما كان الوضع يستدعي ذلك، ومن أهم المشكلات التي قد تطرأ نتيجة نقل الدم لدى مرضى #المنجلي هي تكوّن الأجسام المضادة ضد كريات الدم المنقولة Alloimmunization، إضافة إلى تراكم الحديد عند تكرار النقل، بل هناك مضاعفة أخطر ينبغي ألا ننساها تسمى تفاعل انحلال الدم المتأخر بعد نقل الدم Delayed Hemolytic Transfusion Reaction وتسمى اختصاراً: DHTR، وهنا تحدث المفارقة المؤلمة، حيث نعطي المريض الدم لإنقاذه من #الأنيميا، ثم -لاحقاً- قد تصبح كريات الدم المنق��لة سبباً في حدوث انحلال دم مناعي، وربما في الحالات الأشد قد يحدث الانحلال المتفاقم Hyperhemolysis فينخفض الهيموغلوبين إلى مستوى أدنى مما كان عليه قبل نقل الدم. ولهذا تُعد التفاعلات الانحلالية الحادة والمتأخرة من أهم تحديات نقل الدم في مرضى #الأنيميا_المنجلية، وتؤكد إرشادات جمعية أمراض الدم الأمريكية على أ��مية المطابقة بين دم المريض والمتبرع بما يسمى فصائل الدم الممتدة، وهذا يتطلب الاختيار المدروس لنقل الدم.
وهنا لابد أن أوضح أن رسالتي ليست: "لا تنقلوا الدم لمريض المنجلي"، وليست: "كلما انخفض الهيموغلوبين انقلوا الدم"، بل رسالتي هي أن نعرف سبب الانخفاض أولاً، وأن نعرف مستوى المريض المعتاد، ثم ننقل الدم عندما تكون فائدته أكبر من مخاطره، فمن وجهة نظري ينبغي للطبيب ألا ينظر إلى مستوى الهيموغلوبين فقط، فهو لا يعالج رقماً في ورقة التحليل، وإنما يعالج إنساناً له تاريخ مرضي ومستوى هيموغلوبين معروف وظروف سريرية مختلفة عن غيره.
ولهذا أيضاً يحتاج المريض إلى أن يفهم م��ضه؛ فكما ذكرت في مقال سابق بأن كلمة "تكسّر" وحدها قد لا تكون دقيقة، وقد يحاول البعض أن يستخدمها كي يختصر المشكلة كلها في سبب واحد وتفسير واحد، بينما قد يكون وراء انخفاض الدم سبب آخر يحتاج إلى علاج مختلف تماماً.
مع الأسف هناك من المرضى من يرفض نقل الدم بسبب الخوف من مشاكله، وهناك من يطلب من الطبيب أن ينقل له الدم لمجرد نزول بسيط في الهيموغلوبين، وبين هذا وذاك ينبغي للطبيب أن يمسك العصا من الوسط، فيوضح ضرورة نقل الدم إن كان كذلك، وألا يخضع لإلحا�� المريض أو عائلته إن كان هناك مسلك أفضل للتغلب على الأنيميا، حتى وإن كان ذلك قد يغضبهم أو يخلق عداوتهم، فالتواصل والشرح والتبسيط هو الطريق الأمثل لهذه المواقف، فالعلم هنا ليس ترفاً، بل جزء مهم في فهم سلامة المريض، فكما يقول الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في بعض أبياته:
وَضِدُّ كُلِّ امْرِئٍ مَا كَانَ يَجْهَلُهُ
وَالْجَاهِلُونَ لِأَهْلِ الْعِلْمِ أَعْدَاءُ
#SickleCellAwareness
#شهر_التوعية_بفقر_الدم_المنجلي
#SickleCellAwarenessMonth
#SCD
معلومة_اليوم 16
"متى تحتاج نقل الدم؟ وهل كل انخفاض في الد�� تكسّر؟!"
في القطيف نسمي فقر الدم المنجلي بـ"السيكلسل" مستخدمين المصطلح الطبي الإنجليزي، ولكن في إحدى السنوات عملت لمدة شهر في مستشفى خاص في الأحساء وكانت مفاجأتي أن كثير من مرضى #فقر_الدم_المنجلي وأسرهم عندما أسألهم في العيادة عن مرضهم تكون الإجابة:
- "دكتور.. عندي تكسّر.
أما عندنا في القطيف فعندما ينخفض الهيموغلوبين تكون الإجابة:
- دكتور.. ولدي صار عنده تكسر!
ولكن هل كل انخفاض في الهيموغلوبين عند مريض #المنجلي يعني نوبة تكسّر في الدم؟
الجواب باختصار: لا.
صحيح أن الأنيميا_المنجلية في أساسها مرض انحلالي مزمن؛ فكريات الدم الحمراء المنجلية أقصر عمراً من الكريات الطبيعية، ولذلك يعيش المريض عادةً بمستوى هيموغلوبين أقل من الطبيعي، لكن إذا انخفض ��لهيموغلوبين فجأة عن مستواه المعتاد، فليس من الصواب أن نقول: "هذا تكسّر" ونكتفي، بل يجب أن نسأل: لماذا انخفض مستوى الدم؟، فهناك أسباب مرتبطة بالمنجلي نفسه، وأسباب أخرى قد تصيب أي إنسان سواء كان مصاباً بالمنجلي أم لا.
قد يكون السبب بالفعل زيادة في انحلال كريات الدم الحمراء، لكنه قد يكون أيضاً نوبة انحشار في الطحال، حيث تتجمع كميات كبيرة من الدم داخله، فيهبط الهيموغلوبين سريعاً. وقد يحدث الانحشار في الكبد أيضاً، وقد يكون السبب مختلفاً تماماً مثل النوبة اللاتنسجية (Aplastic crisis)، وغالباً ترتبط بعدوى الفيروس المعروف Parvovirus B19، وهنا المشكلة ليست في أن الكريات تتكسر أكثر، وإنما أن نخاع العظم يتوقف مؤقتاً عن إنتاج ما يكفي من كريات الدم الحمراء. ومن هنا تأتي أهمية التدقيق في فهم ما يحدث. إضافة إلى ذلك، قد يكون سبب انخفاض الدم أن هناك نزف من الجهاز الهضمي أو غيره، أو ربما نقص في الفيتامينات الغذائية، أو مشاكل لأمراض مزمنة أخرى مثل أمراض الكلى، أو عدوى، أو دواء، أو أسباب أخرى لا علاقة مباشرة لها بالمنجلي، فالقائمة تطول!.
لذلك فإن من المهم أن نعرف أن انخفاض الهيموغلوبين هو علامة وليس تشخيصاً، ولذلك فإن من الضروري معرفة التشخيص كي نست��يع العلاج، فإذا عرفنا التشخيص نستطيع الإجابة عن السؤال الذي عَنْوَنْتُ فيه مقال اليوم؛ وهو السؤال الذي يتكرر كثيراً: "إذا انخفض دمي، متى أحتاج إلى نقل الدم؟"
وهنا أيضاً لا توجد إجابة قطعية، ولا نستطيع أن نعتمد على رقم واحد فقط، لأننا نحتاج أولاً أن نعرف مستوى الهيموغلوبين المعتاد للمريض baseline hemoglobin، ومقدار الانخفاض وسرعته، والأعراض المصاحبة، وسبب الانخفاض، وحالة القلب والرئتين، وهل توجد مضاعفات حادة تستدعي نقل الدم.
ولكن بشكل عام، فإن التوصيات والإرشادات الصادرة من المعهد الوطني للقلب والرئة والدم في أمريكا NHLBI تنصح بتقييم مريض المنجلي عندما ينخفض الهيموجلوبين بمقدار 2 غم/دسل أو أكثر عن مستواه المعتاد، أو يصبح أقل من 6 غم/دسل إذا كان مستواه المعتاد غير معروف؛ أما نقل الدم في الأنيميا الحادة فيرتبط بوجود أعراض ناجمة عنها الحالة السريرية للمريض.
وخلاصة القول؛ يجب أن نعلم بأن نقل الدم في الوقت الصحيح يكون منقذاً للحياة بمشيئة الله سبحانه وتعالى، ولا ينبغي تأخيره عندما تكون هناك حاجة حقيقية إليه، ولكن في المقابل، لا ينبغي أن يتحول كل انخفاض في الهيموغلوبين إلى نقل دم بشكل تلقائي، فالتأني هنا مهم، كما أن العجلة ليست محبذة، فكما يقول الشاعر القطامي التغلبي في أبياته:
قَد يُدرِكُ المُتَأنّي بَعضَ حاجَتِهِ
وَقَد يَكونُ مَعَ المُستَعجِلِ الزَّلَلُ
#SickleCellAwareness
#شهر_التوعية_بفقر_الدم_المنجلي
#SickleCellAwarenessMonth
#SCD
#معلومة_اليوم 15
"لماذا تأخر عن موعده؟! "
انتهت العيادة، ولم يبقَ من المرضى أحد، وحين هممت بالمغادرة دخل عليّ مسرعاً وعلى وجهه حياء المعتذر، فقد وصل إلى العيادة متأخراً عن موعده، وهذا ليس من عادته، وقبل أن أسأله، بدأ يشرح سبب تأخره وفي يده جهاز الاتصال اللاسلكي:
-طرأت حالة تستدعي وجودي، فلم أستطع أن أترك موقعي وآتي في الوقت المحدد.
استرسل في الشرح وأنا أتأمل في "السكراب الطبي" أو الزي الجراحي الذي يلبسه، وصوت اللاسلكي يقاطع حديثنا بين فينة وأخرى:
-أعمل بالمطار ومسؤول عن النقل الإسعافي، ولدينا حالة حرجة والطاقم الموجود كان يحتاج وجودي فاضطررت للبقاء زيادة..
واستكمل الحديث وهو يشير إلى اللاسلكي:
-وكما تسمع.. مازلت أتابع وضع الحالة..
أخبرني أنه مسؤول عن الحالات التي يتم نقلها إلى أقرب مستشفى، وهو باللاسلكي يتواصل مع فرق الإسعاف التي يشرف عليها في مواقع مختلفة.
نظرت إليه، ولم يشغلني تأخره بقدر ما أعادني المشهد ست سنوات إلى الوراء، يوم عرفته أول مرة، لم يكن الرجل الذي أمامي اليوم، كان شاباً يطارده #فقر_الدم_المنجلي بنوباته المتكررة، ويقتطع الألم من أيامه شيئاً فشيئاً، فبدأنا #الهيدروكسي_يوريا، وعدّلنا جرعاته مراراً، وتابعناه حتى استقرت حالته، وبدأ المرض يتراجع عن المساحة التي احتلها من حياته.
واليوم، كان يقف أمامي مسؤولاً عن فرق إسعافية، يلقي المحاضرات، ويدرّب الآخرين، ويتحمل مسؤوليات ل�� يكن يتخيل يوماً أنه سيكون قادراً عليها.
قال لي بخجل:
-دكتور، أنا لا أنسى فضلك.. كنت إنساناً آخر قبل أن آتي إليك، واليوم أصبحت أتحمل مسؤوليات كبيرة، وأدرّب من يعملون معي، وأنا في أفضل حال.
استمر في الثناء حتى شعرت أنا بالحرج، والحقيقة أن للطبيب مكافآت لا تُودع في حسابه البنكي، ولا تُكتب في سيرته ال��اتية، ولا تُعلّق على جدار مكتبه، إحداها أن يرى إنساناً استعاد حياته، فالنجاح في علاج #الأنيميا_المنجلية -والأمراض المزمنة كذلك- ليس أن يتحسن رقم في التحليل فقط، ولا أن تقل زيارات الطوارئ فحسب؛ بل أن يعود الإنسان إلى حياته التي سرقها منه المرض؛ أن يكمل دراسته، وأن يعمل، وأن ينجح، ثم يتزوج ويكوّن أسرة، وفي بعض الأحيان ربما فقط أن يستطيع أن ينام مطمئناً وأن يخطط للغد، فما بالك بأن يتحول من شخص يحتاج إلى من يسعفه، إلى شخص يسعف الآخرين!
أتذكر أن رحلته لم تكن خالية من المتاعب؛ فقد عانى صداعاً متكرراً، وبعد تقييمه في عدة تخصصات أخرى تبين أن المشكلة ليست كلها من #ال��نجلي، بل اجتمعت لديه الشقيقة ومشكلات الجيوب الأنفية، كما عانى اضطراب النوم، ثم تحسن بمرور الوقت.
لكن المرض الجسدي لم يكن آخر معاركه، صارحني قائلاً:
-صحياً أنا في أفضل حال.. لكن نفسياً يرهقني العمل.
ثم حدثني عن مشاكل العمل، وأن هناك من يحاول أن يتصيد أخطاءه ويحاول التضييق عليه.
قلت له:
-لا تسمح لأحد أن يعيدك إلى سجن جديد! لقد أخرجك الله من سجن مرضك بعد أن قاومته لسنوات، فلا تجعل إنساناً عابراً يسرق منك ما بنيته، ولكن أتقن عملك، ووثّق إنجازك، ولا تستنزف نفسك في معارك صغيرة، وكما يقول المثل الشعبي: "امشِ سيدا.. يحتار عدوك فيك".
غادر العيادة وهو يشكرني لأنني استقبلته رغم تأخره، وبقيت أنا أفكر في المفارقة الجميلة: فقبل ست سنوات، كان يأتي إليّ لأن الألم عطّل حياته، واليوم تأخر عني لأن حياة إنسان آخر كانت تحتاج إليه، قبل ست سنوات كان يحتاج إلى الإسعاف.. واليوم هو من يقود المسعفين! وهنا أدركت أن الطب -في أجمل صوره- لا يعالج المرض فقط؛ بل يعيد الإنسان إلى مكانه في الحياة.
أجل، قد لا نستطيع أن نزيل كل حجر من طريق الإنسان، لكننا نستطيع أن نساعده كي يصبح أقوى من الحجارة التي تسد طريقه، ولله در أبو الطيب المتنبي حين قال:
عَلى قَدْرِ أَهْلِ العَزْمِ تَأْتي العَزائِمُ
وَتَأْتي عَلى قَدْرِ الكِرامِ المَكارِمُ
#SickleCellAwareness
#شهر_التوعية_بفقر_الدم_المنجلي
#SickleCellAwarenessMonth
#SCD
#معلومة_اليوم 7
"الثالثة لم تكن ثابتة.. بل غيّرت حياته"
كان في ال��امسة والأربعين، يعيش مع #فقر_الدم_المنجلي منذ طفولته، لكنه لم يكن يتناول #الهيدروكسي_يوريا، فقد كانت النوبات تأتيه متفرقة؛ تؤلمه ثم تمضي، ويعود بعدها إلى حياته. وربما كان هذا التباعد بين النوبات أحد الأسباب التي جعلته لا يرى ضرورة لعلاج يومي.
حتى جاءت نوبة لم تكن كسابقاتها.. جاء بألم شديد، وتدهورت صحته سريعاً، واحتاج للتنويم في العناية المركزة، وانتهى الأمر بتبديل الدم. بعد أن تجاوز الخطر، جلست معه الطبيبة المشرفة على حالته، وحاولت إقناعه بالهيدروكسي يوريا. شرحت له أن المرض لا يقاس فقط بعدد المرات التي يدخل فيها المريض إلى الطوارئ، وأن هدوء #الأنيميا_المنجلية بين نوبتين لا يعني أنها هادئة داخل الأوعية والأعضاء.. لكنه رفض.
مرت الأيام، ثم عاد مرة أخرى؛ ولكن هذه المرة لم يكن الألم وحده هو المشكلة؛ فقد ظهرت عليه أعراض عصبية مع انخفاض في مستوى الوعي، وعاد من جديد إلى العناية المركزة. وحين استقرت حالته، حاولت الطبيبة إقناعه، ولكنه رفض من جديد.
أتذكر أنها حدثتني عنه بقلق وقالت:
-أخشى أن تأتي المرة الثالثة، ويدخل العناية مرة أخرى. وقد أخبرته أنه قد يحتاج للتنفس الاصطناعي.
قلت لها:
-نحن نقول الثالثة ثابتة.. لكنني أخشى في مثل هذه الحالات ألا تكون الثالثة ثابتة، بل الأخيرة لا سمح الله. حوليه إليّ في العيادة.
ثم جاء!
دخل عليّ بصحبة زوجته، ودار بيننا نقاش طويل. لم يكن هدفي أن أعطيه وصفة بقدر ما أردت أن أفهم لماذا يرفضها. تحدثنا عن المرض، وعن الهيدروكسي يوريا، وعن الخوف من الدواء، وعن الخطر الذي قد يصنعه المرض بصمت حتى في الأيام التي يشعر فيها الإنسان أنه بخير، وفي النهاية اقتنع.
بدأ العلاج، وبعد ثلاثة أسابيع جاءني مختلفاً؛ كانت البهجة واضحة على وجهه.. كان من هواة الدراجات النارية، وقال لي بسعادة إنه استطاع أن يقود دراجته قرابة ساعة ونصف، من القطيف إلى الأحساء، دون أن يشعر بأي ألم، بل شعر بنشوة لم يشعر بها من قبل، كانت لحظة من أجمل لحظات حياته.
لكن المنجلية أحياناً تذكّرنا بحقيقة قاسية، وهي أن العلاج يقلل الخطر، لكنه لا يمنح الإنسان "حصانة" مطلقة منه،
فجاءت النوبة الثالثة.
هذه المرة كانت نوبة عصبية شديدة مع تشنجات، وأدخلته العناية المركزة من جديد. ولكنه نجا ولله الحمد، لكن الإصابة تركت أثرها؛ فقد خسر جزءاً من المجال البصري السفلي.
وفي فقر الدم المنجلي، ليست المضاعفات الدماغية حدثاً عابراً. قد تكون سكتة دماغية ظاهرة، أو احتشاءات صامتة، وقد تترك وراءها ��جزاً لا ينتهي بخروج المريض من المستشفى.
والأهم أن حدوث سكتة دماغية سابقة يضع المريض أمام خطر التكرار، ولهذا فإن الوقاية الثانوية تحتاج تقييماً دقيقاً وخطة متخصصة، ويظل نقل الدم المنتظم، وفي كثير من الحالات تبديل كريات الدم، ركناً أساسياً في الوقاية من تكرار السكتة، ولا يُعد الهيدروكسي يوريا بديلاً مكافئاً له بعد السكتة الدماغية.
أما هو، فقد دفع ثمناً لم يكن جسدياً فقط، فقد كان يعمل سائق حافلة؛ ينقل طلاب المدارس كل صباح من بيوتهم إلى مدارسهم. وبعد أن فقد جزءاً من مجال الرؤية، لم يعد آمناً أن يقود الحافلة. لقد فقد مهنته وفقد معها مصدر رزقه، واضطر إلى الاعتماد على الضمان الاجتماعي.
وهنا نفهم أن مضاعفات المنجلية لا تتوقف عند سرير المستشفى؛ فقد تبدأ بانسداد وعاء دموي صغير في الدماغ، لكن آثارها قد تمتد إلى "عين" ترى، و"يد" تعمل، و"وظيفة" تضيع، و"أسرة" يتغير دخلها، و"حياة كاملة" يعاد ترتيبها.
ومع ذلك..
كلما دخل عليّ هذا الرجل في العيادة، دخل مبتسماً، فلم أرَ فيه مرارة الرجل الذي فقد عمله، ولا غضب الشخص الذي يقول: لماذا أ��ا؟!، كان يحدثني ويبتسم، وكأن المرض أخذ منه جزءاً من مجال رؤيته، لكنه لم يستطع أن يأخذ منه اتساع نظرته إلى الحياة. هذه الابتسامة التي لا تغيب عن وجهه، تحمل خلفها صبراً ورضا بأمر الله. فقد كان لا يستطيع المشي في بداية النوبة الدماغية ولكنه الآن يستطيع، ولم تكن له القدرة على خدمة نفسه ولكنه الآن يقدر. فبصبره استطاع أن يهزم أشد نوبات المرض شراسة، فحتى وإن بقيت ندوبها على جسده إلا أنها لم تنل من روحه. لأن الصبر يصنع المستحيل، وهو ما كتبته في أبيات شعر قلت فيها:
الصبر يُرجِعُ للأيام بهجتها
حتى وإن بَهُتَتْ في العُمرِ ألوانُ
لملم بصبركَ كالفلاحِ ما أخذتْ
منك الجراحُ ولا يهزمك خذلانُ
إنْ تُبْقِ في راحة الفلاح سنبلة
لضمها ونما في الكف بستانُ
#SickleCellAwareness
#شهر_التوعية_بفقر_الدم_المنجلي
#SickleCellAwarenessMonth
#SCD
عندما تأتي الشهادة ممن رأى الألم عن قرب، أو رآهم وهم يتألمون؛ يكون للكلمات معنى آخر. مرضى المنجلي محاربون بصبرهم، وما أكتبه ل��س إلا محاولة لأن يسمع الآخرين شيئاً من معاناتهم.
شكراً لك على مشاعرك، وأسأل الله أن يكتب لهم ولك العافية، وأن يبقى الأمل أقوى من الألم دائماً. 🌷
#معلومة_اليوم 13
"محاربو المنجلي: عندما يحمل الجندي رفيقه"
منذ أشهر لم أره في المستشفى، وهذه -بالنسبة لمريض اعتدنا أن نراه كثيراً بسبب نوبات #فقر_الدم_المنجلي- كانت علامة طيبة، ولكن عندما التقيته اليوم عرفت السبب، فقد اقتنع أخيراً باستخدام #الهيدروكسي_يوريا، وانتظم عليه، فتغيرت حالته كثيراً، فبعد أن كانت نوبات الألم تأتيه خمس مرات في السنة أو أكثر، أصبحت لا تتجاوز مرة أو مرتين.
لكن #المنجلي لا يعطي وعوداً دائمة، فدخل المستشفى هذه المرة بنوبة ألم، وحين مررت عليه كان لا يزال يتألم، والغريب أنه -رغم ما أراه أمامي- كان يهوّن من الأمر ويقول إن حالته ليست بتلك الشدة، بل أخبرني أن والدته هي التي أصرت عليه حتى أقنعته بالحضور للمستشفى، ولولا إصرارها لما حضر!
سألته:
-لماذا تأخرت؟
قال:
-أحاول دائماً أن أسيطر على وضعي بنفسي، وألا آتي إلى المستشفى إلا إذا اضطررت.
كان ألمه شديد��ً، ومع المسكنات والمورفين أصبح في بعض اللحظات مشوش الذهن، ولم يكن قادراً حتى على النهوض من سريره.
وهنا تبدأ القصة التي أريد أن أحكيها لكم، ففي السرير المجاور كان هناك أب يرافق ابنه المريض؛ رجل لا تربطه بمريضي قرابة ولا صداقة قديمة، فقط جمعهما سريران متجاوران في غرفة من غرف المستشفى، والرابط المشترك هو ذلك القلق الذي يعرفه كل من جلس يوماً بجوار مريض.
رآه يحاول النهوض ولا يستطيع، فترك قلقه على ابنه للحظات، واقترب منه، وشجعه، وأسنده، وساعده حتى نهض من سريره واستطاع الوصول إلى دورة المياه.
كان مريضي يحدثني عن هذا الرجل بامتنان واضح، وحين انتقلت إلى السرير المجاور حيث كان الأب والابن المريض، وجدت أن الحكاية لم تنتهِ. قال لي الرجل:
-دكتور، هو يتحامل على نفسه، فألمه شديد أكثر مما يقول.
ثم أوصاني به. كان يخشى أن يطلب الخروج على مسؤوليته قبل أن تستقر حالته، فقال لي بما يشبه وصية الجار لجاره:
-لا تدعوه يخرج وهو هكذا.
توقفت عند هذه العبارة طويلاً، فهذا الرجل جاء ��لى المستشفى من أجل ابنه، جاء يحمل خوفه وهمّه على ابنه، ومع ذلك بقي في قلبه متسع لمريض آخر لا يعرفه.
لهذا أحب وصف مرضى المنجلية بـ"محاربي المنجلي"، فهم يشبهون جنوداً في معركة طويلة، إذا تعثر أحدهم لم يتركه الآخر خلفه، يضع يده تحت كتفه، يسنده، وربما يحمله بعض الطريق، حتى يقف من جديد.
نعم، ففي رعاية الأمراض المزمنة، قد تكون مساندة مريض لمريض آخر أحياناً ذات أثر لا تستطيع الكلمات الطبية وحدها أن تصنعه، فحين يقول لك شخص عاش الألم نفسه: "أعرف ما تمر به"، تختلف العبارة تماماً، فهذا الشخص لا يعرف الألم من كتاب، ولا من محاضرة، ولا من وصفٍ سمعه في كلية الطب. هو يعرفه من جسده الذي عاش معه ذات مرة.
ولهذا فإن دعم المرضى لبعضهم، وتبادل تجاربهم الصحيحة، وتشجيع بعضهم على الالتزام بالعلاج والمتابعة وطلب المساعدة في الوقت المناسب، يمكن أن يكون جزءاً مهماً من رحلة العلاج، جنباً إلى جنب مع دور الأسرة والفريق الطبي.
والأجمل أن العلاقة لا تسير في اتجاه واحد، فنحن نظن أننا نحن الذين نعلم المرضى، لكن الحقيقة أن مرضانا يعلّموننا أيضاً؛ يعلموننا أن الإنسان قد يكون متألماً، ولكن ومع ذلك يجد في نفسه مساحة ليسند غيره، وأن المحنة قد تعصف بهم ولكنها قد تجمع الغرباء فيصبحون أصدقاء، وأن السرير المجاور قد يصنع علاقة لا تصنعها سنوات من المعرفة.
المرض قاسٍ، ولا ينبغي أن نجمّله، ولكن وسط قسوته تنبت أحياناً أشياء جميلة: تنبت صداقة، وينمو وفاء، وتتبرعم تجربةٌ تُنقَل إلى مريض آخر، وتمتد يد في اللحظة التي يعج�� فيها الجسد عن النهوض.
وهكذا يكمل محاربو المنجلي الطريق، ليس لأنهم لا يتعبون، وليس لأنهم لا يسقطون، بل لأنهم حين يسقط أحدهم يجد يداً أخرى تقول له دون ثرثرة: "اتكئ عليّ، ولنكمل الطريق معاً".
أجل.. هم كذلك رفقاء الدرب المخلصون.. ورحم الله الإمام الشافعي حين قال:
سلامٌ على الدنيا إذا لم يكن بها
صدي��ٌ صدوقٌ صادقُ الوعدِ مُنصفَا
#SickleCellAwareness
#شهر_التوعية_بفقر_الدم_المنجلي
#SickleCellAwarenessMonth
#SCD
#معلومة_اليوم 12
"لا نريد أن نبحث عن المشكلات!"
أثناء مروري اليوم على المرضى، توقفتُ عند مريضة مصابة بفقر الدم #المنجلي، كانت منومة منذ عدة أيام بسبب نوبة ألم، بدأت حالتها تتدهور تدريجياً، ومؤشرات انحلال الدم بقيت مرتفعة، ووصل مؤشر التكسر إلى نحو 1800، حتى اضطررنا في النهاية إلى إجراء #تبديل_الدم.
كانت مترددة جداً في البداية، ثم وافقت، وتحسنت ح��لتها ولله الحمد، واليوم لم يكن يشغلها شيء بقدر الخروج من المستشفى.
قلت لها:
-لا تتعجلي، نريد أن نطمئن عليك أكثر، فأنت في طور التعافي.
ولكنها أعادت الطلب في الخروج مجدداً، فسألتها:
-من الطبيب الذي تتابعين معه في العيادة؟
أجابت ببساطة:
-أنا لا أتابع في العيادة أصلاً.
مازحتها قائلاً:
-ولماذا لا تتابعين؟ ألا تحبين الأطباء؟
ابتسمت وقالت:
-لا أحب الأطباء، ولا أحب المستشفيات!
قلت لها:
-حتى نحن لا نحب زيارة المستشفيات، ولكن ألا تريدين أن تكوني بصحة وعافية؟
كانت إجابتها هي التي استوقفتني:
-أنا بخير يا دكتور. ربما تكون لدي بعض المشكلات، ولكنني أتحملها. نحن في أمان الله، وما دمنا لا نشكو من شيء، فلماذا نبحث عن المشكلات؟ أخشى أن آتي إلى المستشفى وأنا بخير، فتكتشفوا لدي مشكلة، ثم أدخل في دوامة من الفحوصات والمضاعفات، وأبدأ بعدها بالقلق والتوتر.
هنا أدركت أن المسألة لم تكن إهمالاً بقدر ما كانت "خوفاً من المعرفة نفسها". فقلت لها:
-ولكن أيهما أفضل؟ أن نكتشف المشكلة وهي في بدايتها، فنستطيع التعامل معها، أم ننتظر حتى تظهر أعراضها ويصبح علاجها أصعب؟
نظرت إليّ مبتسمة، وكأنها ما زالت غير مقتنعة تماماً، ثم قالت:
-يا دكتور، نحن نعيش بخير مع أولادنا وعائلاتنا، ولا نريد أن نبحث عن المشكلات.
فقلت لها:
-ولهذا تحديداً نبحث عنها مبكراً.. من أجل أولادنا وعائلاتنا، حتى نحافظ على هذه الحياة التي نحبها معهم.
هذه المحادثة البسيطة تختصر أمراً أراه كثيراً، ففي #فقر_الدم_المنجلي ليس كل ما يحدث داخل الجسم تظهر لنا بالألم، فقد يمارس المريض حياته بصورة طبيعية، ويشعر بأنه بخير، بينما تبدأ بعض المضاعفات بصمت، وقد تتأثر الكلى، أو العين، أو العظام، أو القلب والرئتان وغيرها قبل أن تعطي أعراضاً واضحة.
وهنا تكمن قيمة المتابعة الدورية، فنحن لا نطلب من مريض #الأنيميا_المنجلية أن يزور العيادة لأننا نريد أن نبحث له عن مرض جديد، بل لأن لدينا مرضاً نعرفه بالفعل، ونعرف أيضاً أن بعض آثاره قد تبدأ قبل أن يشعر بها صاحبها. والفارق كبير بين أن تكتشف المشكلة وهي تهمس، وبين أن تنتظر حتى تصرخ، فالمرض كاللص، لن يطرق الجرس، بل ينسل دون أن يحدث أي جلبة! ولن يأتي من الباب، ولكنه قد يتسلل من النافذة!
نعم، أتفهم خوف بعض المرضى من المستشفيات، وأتفهم أكثر ذلك الشعور الذي يقول: "أنا بخير، فلماذا أفتح على نفسي باباً للقلق؟"، لكن الطب الوقائي لا يفتح باباً للمشكلة، بل يحاول أن يغلقه قبل أن تتسع فتحته، فقد تكون الفحوصات مطمئنة، وهذا بحد ذاته مكسب، وإن وجدنا مشكلة في بدايتها، فقد تكون فرص التعامل معها أفضل من اكتشافها بعد أن تترك أثرها.
قبل أن أغادر غرفتها، كانت لا تزال ترغب في الخروج، ولا تزال تبتسم وهي تدافع عن فلسفتها:
-لا نريد أن نبحث عن المشكلات يا دكتور!
خرجت من غرفتها وأنا أفكر في عبارتها طويلاً، فنحن لا نبحث عن المضاعفات لأننا نتوقع الأسوأ، بل لأننا نريد أن نحافظ على تلك الأيام الجميلة التي يستطيع فيها المريض أن يقول: "أنا بخير"، فالاطمئنان الحقيقي ليس أن نغمض أعيننا لأننا لا نشعر بشيء؛ بل أن نفتحها مبكراً، في الوقت الذي لا يزال بإمكاننا أن نفعل شيئاً.
هذه هي الحياة، بها الكثير من ا��مفاجآت التي ينبغي لنا أن نحترس منها ونكون مستعدين لها، وهو ما قلته في بعض أبياتي:
إن الحياة أزقةٌ نجتازها
مكتظةٌ تلك الأزقةُ بالحُفَرْ
نطوي الخُطى وتسافر الأيام في
أعمارِنا عَجْلَى ويُذهلُنا السَّفَرْ
العمرُ مثل الورد يُبهرُ حُسْنُهُ
والشوكُ في أغصانه.. فخذِ الحَذَرْ
#SickleCellAwareness
#شهر_التوعية_بفقر_الدم_المنجلي
#SickleCellAwarenessMonth
#SCD
#عبدالله_آل_زايد
#معلومة_اليوم 11
"حين يوجع القلب الجسد"
رأيتها اليوم، ولم أعرفها في البداية، لقد خرجت للتو من العناية المركزة بعد #نوبة_صدر_حادة استدعت #نقل_الدم . وحين بدأت الحديث معها، لم أكتشف أنها مريضتي القديمة التي كنت أتابعها قبل سنوات إلا في آخر الحوار، حيث انقطعت عن عيادتي وأكملت متابعتها في م��تشفى آخر.
بدأت الحكاية هذه المرة في البيت عندما شعرت بألم في صدرها، وحيث كان لديها جهاز لقياس الأكسجين قامت بقياسه ووجدت القراءة منخفضة فلم تنتظر، وجاءت إلى المستشفى. وكان قرارها صحيحاً؛ فما بدا في البداية عرضاً يمكن احتماله، كان نوبة صدر حادة تستحق التدخل والعلاج.
بعد أن استقرت حالتها سألتني:
-دكتور، هل أستطيع أن أسألك بعض الأس��لة؟
فأجبتها بأريحية:
-تفضلي.
وللمفاجأة، أمسكت هاتفها واتصلت بوالدتها، وهي ممرضة تعمل في قسم الأطفال بمستشفى آخر، ومن ذلك الاتصال بدأت تظهر لي أجزاء من القصة، ومنها تعرفت على أمور لم تكن موجودة في التحاليل ولا في الأشعة، قالت الأم إن ابنتها، منذ نحو عشرة أشهر، تعاني نوبات ألم متكررة في المنزل، لكنها لا تأتي إلى الطوارئ. كانت تستخدم #الأوكسيكودون عند اشتداد الألم، فيهدأ بما يكفي لتبقى في البيت.
سألت نفسي: لماذا تغيرت حالتها؟، ومع الحديث ظهرت قصة أخرى، فخلال هذه الفترة فَقَدَتْ أخاها وفقدت اثنتين من عماتها؛ فتلك أحزان ثقيلة جاءت متتابعة، ودخلت بعدها في حالة ��ن الحزن والقلق، لكنها أخفت الكثير منها عمن حولها، بل حتى وهي على سرير المستشفى، وبعد أن خرجت لتوها من العناية، لم يكن خوفها على نفسها فقط؛ بل كانت المريضة التي بجوارها في الغرفة قد انخفض #الهيموغلوبين لديها وتحتاج إلى نقل دم، فدخلت هي في توتر وخوف شديدين على جارتها في الغرفة.
عند��ا فهمت أن علاج هذه الفتاة لا ينبغي أن يتوقف عند سؤال: "كم درجة الألم؟"
الألم في #فقر_الدم_المنجلي حقيقي، ولا أحب أبداً أن يقال للمريض إن ألمه "نفسي"، وكأننا نشكك فيه؛ لكن الحقيقة أيضاً أن الجسد والنفس يتحدثان بلغة واحدة، وأن الحزن، والقلق، والخوف، واضطراب النوم والضغط النفسي قد تُضَخِّم تجربة الألم، وتضعف القدرة على احتماله، وقد تجعل المريض يعيش دائرة متكررة: "خوف".. ثم "ألم".. ثم "خوف من الألم القادم". ففي الغرفة المجاورة طالب في الثانوية أتى بنوبة ألم ولا سبب واضح سوى أنه متوتر بسبب اختبار القدرات!
وهنا ظهرت مشكلة أخرى: ألا وهي "المسكِّن"؛ حيث لديها تاريخ من التحسس لبعض المسكنات، ولذلك أصبحت تعتمد على الأوكسيكودون عند حدوث نوبات #الأنيميا_المنجلية، والأوكسيكودون دواء قد نحتاج إليه في حالات مختارة، لكنه ليس طريقاً آمناً إذا أصبح الجواب المتكرر لكل ألم، فمع كثرة الاستخدام قد يحدث التحمل والاعتماد، ويصبح الخروج من هذه الدائرة أصعب من الدخول إليها، وهذا ما أسميه "متاهة الأوكسيكودون"، لذلك ��ا يكفي أن نقول لها: توقفي عن الأوكسيكودون؛ بل علينا أولاً أن نراجع حقيقة #التحسس_الدوائي، ونوسع خيارات علاج الألم، ونراجع علاجها الأساسي للمنجلي، ونضع خطة واضحة للنوبات، وفي الوقت نفسه نمنح صحتها النفسية المساحة التي تستحقها.
هذه القصة ذكرتني بأن ملفات المرضى لا تخبرنا عن كل شيء، وإن أخبرتنا عن الهيموغلوبين والأكسجين والأدوية، لكنها لا تخبرنا عمّن فقده المريض، ولا عما يخشاه، ولا عما يبكي عليه حين يعود إلى بيته.
وأحياناً لا يبدأ العلاج بسؤال: "أين يؤلمك؟"، بل بسؤال آخر؛ أعمق وأكبر: "ماذا يؤلمك؟ وماذا حدث لك منذ آخر مرة رأيتك فيها؟"
ولله در المتنبي حين قال ��يما يصنع الهم في أجسام الأصحاء:
والهَمُّ يَخْتَرِمُ الجَسيمَ نَحَافَةً
وَيُشِيبُ نَاصِيَةَ الصَّبِيِّ وَيُهْرِمُ
#SickleCellAwareness
#شهر_التوعية_بفقر_الدم_المنجلي
#SickleCellAwarenessMonth
#SCD
#معلومة_اليوم 10
"أعطِ الدواء فرصته"
مررت عليه هذا اليوم أثناء جولتي المعتادة في المستشفى. مريض بـ #فقر_الدم_المنجلي، دخل بسبب #نوبة_ألم، ومكث عدة أيام حت�� تحسنت حالته، وكان من المفترض أن يعود إلى بيته اليوم.
وكعادتي مع مرضى #المنجلي، سألته سؤالاً يكاد يكون ثابتاً عندي:
-هل تستخدم #الهيدروكسي_يوريا؟
قال:
-استخدمته من قبل، لكنه لم ينفعني.
هذه الجملة دائماً تستوقفني، فحين يقول لي المريض: "لم ينفعني"، لا أحب أن أتجاوزها. أسأل: لماذا؟ كم كانت الجرعة وهل تم تعديلها؟ وكم استمر عليه؟ هل ظهرت أعراض جانبية؟ وهل راجع طبيبه قبل أن يوقفه؟. لأنه من المهم معرفة سبب عدم استفادة المريض للعلاج.
قال إنه كان يشعر بتشنجات وآلام في العضلات، ولذلك ترك العلاج.
قلت له:
-وكم استخدمته؟
قال:
-حوالي شهر.
هنا تبدأ القصة الحقيقية. فأجبته قا��لاً:
-إن الهيدروكسي يوريا ليس مسكناً نأخذه الآن، فننتظر ��وال الألم بعد ساعة. هو دواء يغير بيولوجيا المرض؛ يرفع الهيموغلوبين الجنيني HbF، ويقلل التمنجل والالتهاب والالتصاق الوعائي، وتنعكس فائدته مع الوقت على نوبات الألم ومتلازمة الصدر الحادة والحاجة إلى دخول المستشفى. لكن كل ذلك يحتاج إلى وقت، قد تمر أسابيع قبل أن تبدأ فعاليته، وقد يحتاج المريض إلى ثلاثة أشهر أو أكثر حتى تصبح فائدته السريرية واضحة. ولهذا فإن الحكم عليه بعد أسبوعين أو شهر ليس عادلاً.
أنا دائماً ما أشبه الأدوية بالبذور، بعض البذور تنبت خلال يوم أو يومين والبعض الأخر تأخذ أيام عديدة حتى تنبت، ومن يستعجل أن يستفيد من الهيدروكسي يوريا هو كمن زرع بذرة، ثم عاد بعد يوم أو يومين ليتفحص حال البذرة باحثاً عن الثمرة.
سألته:
-هل راجعت طبيبك عندما شعرت بهذه الأعراض؟
قال:
-لا.. أوقفته بنفسي.
ثم اكتشفت أنه حاول مرة ثانية، لكنه عندما عادت الأعراض نفسها، أوقفه بعد أسبوعين أو ثلاثة فقط.
وهنا تكمن مشكلة أراها كثيراً؛ فليس كل فشلٍ للهيدروكسي يوريا هو فشل للدواء؛ ففي بعض الأحيان نحن لم نستخدمه بالطريقة التي تمنحه فرصة النجاح؛ فالهيدروكسي يوريا ليس وصفة نكتبها ثم نودّع المريض، وإنما نحن نبدأ العلاج، ثم نتابع، ثم نسأل عن الأعراض، ونراجع كريات الدم CBC والخلايا المتعادلة neutrophils، ونراقب الاستجابة وتحمل المريض للعلاج. وإذا كانت النتائج تسمح، نقوم بمعايرة الجرعة تدريجياً للوصول إلى الجرعة المناسبة للمريض، وإذا ظهرت أعراض جانبية أو نقص معتبر في كريات الدم؛ فقد نحتاج إلى إيقافه مؤقتاً أو خفض الجرعة ثم استئنافه وفق النتائج، فالجرعة المناسبة ليست رقماً واحداً يصلح للجميع.
والأهم؛ إذا شعر المريض بعرض جديد، فلا ينبغي أن يكون القرار الأول هو إلقاء العلبة في الدرج أو في سلة القمامة! فقد يكون العرض من الدواء، وقد يكون من #الأنيميا_المنجلية، أو من سبب آخر لا علاقة له بكليهما. وهنا يأتي دور مناقشة الطبيب والمتابعة.
قلت له في النهاية:
-هذه المرة لا أريد منك أن تجرب الهيدروكسي يوريا فقط.. أريدك أن تعطيه فرصته، وإذا حدث شيء يزعجك، لا توقفه وحدك؛ تعال إلينا حتى نبحث عن السبب، ونراجع الجرعة، ثم نقرر معاً.
في علاج المنجلي، كتابة الوصفة قد تستغرق دقيقة.. أما الوصول إلى العلاج الصحيح، بال��رعة الصحيحة، فيحتاج إلى وقت، بل يحتاج إلى شراكة وصبر بين المريض وطبيبه، فالدواء الذي لم نمنحه وقته، ولم نتابع جرعته، ثم حكمنا عليه بالفشل، ربما لم يفشل أصلاً.. بل ربما نحن الذين استعجلنا "الثمرة".
وفوق ذلك، نريد من مرضانا أن يتفاءلوا بالنتيجة الجيدة، فكما جاء في الأثر "تفاءلوا بالخير تجدوه". وما أجمل ما قاله ابن وهيب الحميري في الرجاء وحسن الظن بالله تعالى حين قال:
وإنّي لأرجو الله حتى كأنّني
أرى بجميل الظنّ ما اللَهُ صانعُ
#SickleCellAwareness
#شهر_التوعية_بفقر_الدم_المنجلي
#SickleCellAwarenessMonth
#SCD