كان ذلك الجُنون، وتلك التضحيات… وما زالت.
أراها الآن تلتقط أنفاسها من جديد؛ لتعود بشخصيَّة البطل الذي لا يُكسَر.
لكنَّها كلمة واحدة، وربَّما حرفٌ واحد؛ كفيلٌ بأن يُبعثر كل ذلك الصمود، ويُربك تلك الكيانات الشامخة.
ذات ليلة…
مال الحديث نحو ما لا يُقال،
قالت:
“الخيل فتنتي، وشغفي الذي لا يُروَّض.”
ثم رمَتني بنظرة وسؤال:
“وأنت… ماذا تحب؟”
نظرتُ إليها، وكان القمر خلفها…
لكن الضوء لم يكن له، كان لنا وحدنا،
يتردد بين قلبين لا يعرفان الحدود.
رحل الصمت،
لكن شيء بقي…
شيء لا يُقال، ولا يُرى، ولا يُنسى.
قلتُ لها:
“لا شيء يشبه هذا الاكتمال،
ولا شيء يُغويني كما يفعل القمر حين يكتمل.”
ليل بعيد،
خيل لا تُروَّض،
قمر فاض بالنور،
وقلبان يتعلمان الحب…
لا تُطيلوا الغياب…
ثم تعودوا بسؤالٍ باردٍ عنَّا،
كأنَّ الانتظار لا يكسر في القلب شيئًا.
فالوقت حين يمر دونكم،
لا يمر… بل يقتلع ما كنتم تظنُّونه ثابتًا،
يطفئنا بصمت،
ويترك الضحكة شاردةً لا تعرف وجهها،
والكلام… مشوَّهًا لا يشبهنا.
نحن لا نبقى،
نحن نتغيَّر قسرًا،
نُعيد ترتيب أرواحنا بعيدًا عنكم،
ونبني في داخلنا مسافاتٍ لا تُردم،
ولا يُعاد عبورها.
فلا تعودوا بسؤال: كيف الحال؟
وأنتم… أول الغياب،
وأوَّل من علَّمنا…
أنَّ الرجوع لا يُصلح ما أفسده التأخُّر.
عاشوا في قلبِ الرعب، وبين ألسنةِ الحريق،
نزفوا حتى اعتاد الألمُ أسماءهم، وصار الوجعُ جزءًا من ملامحهم.
ومع ذلك… عادوا.
لكنها ليست عودة من ينجو،
بل عودة من يُهدي ما تبقَّى منه.
عادوا كمن يُسلِّم روحَه على عتبةِ الحياة،
ليُبقي غيره حيًّا…
ويمضي هو،
كأنَّه لم يكن.
قالت لي يومًا عن نعومتها وقوتها في آنٍ معًا،
فلم أُعر قولها اهتمامًا، خشيةَ أن يبالغ قلبي في الشعور نحوها…
لكنَّها الآن أثبتت ذلك حقًّا،
وأيقنتُ أنَّها كانت صادقةً في وصفها.
غير أنَّ عتبي عليها ليس في قوَّتها،
بل في أنَّها لم تُخبرني بأنَّ أناملها خشنةٌ إلى هذا الحد…
تلك الأنامل التي امتدَّت إليَّ،
فمزَّقت جدار صدري،
وهشَّمت ما كنت أظنه حصنًا لا يُكسر.
فإذا بي أكتشف متأخرًا،
أنَّ بعض النعومة؛
قد تخفي في أطرافها…
قوّةً تُحسن الهدم أكثر مما تُحسن اللمس.
حين تلتقي عينيَّ بعينيكِ، تهدأ الفوضى، ويصمت التعب،
وكأنَّ روحي كانت تركض طويلًا… ثم عثرت أخيرًا على نفسها.
كنتُ ابنَ طرقٍ لا تنتهي،
وصاحبَ قلبٍ أضاعته المحاولات،
أُرمِّم يومي بالصبر،
وأُخفي كسري خلف ابتسامةٍ تحفظ ما تبقَّى مني.
لقد عبرتني ليالٍ ثقيلة،
حتى صار الحزن لغةً أفهمها دون شرح،
وصار التعب بيتًا أقيم فيه رغم ضيقه.
كنتُ أظن أن الطمأنينة وهم،
وأن الراحة رفاهية لا تُكتب لبعض القلوب،
حتى جاء حضورك…
هادئًا كدعاءٍ مستجاب بعد طول انتظار.
فإذا بعينيكِ وطن،
وإذا بقربكِ أمان،
وإذا بقلبي — الذي اعتاد الحذر — ينام أخيرًا دون خوف.
فلقد أدركتُ أن النجاة ليست طريقًا…
بل إنسانًا نصل إليه في الوقت الذي نحتاج به أن نصل، ونترك كل شيء خلفنا.
في أيامنا الماضية، كنا نجلس معًا على موائد الحياة، نتقاسم الزاد والضحك والسكوت، بلا خوف ولا حساب، وكأن العالم ملكٌ لنا وحدنا.
أما الآن… فحتى الطعام صار جُزءًا من خيالات السم، نأكله في صمت، نخاف من أن يلوثنا الآخر كما لو أن الثقة نفسها قد تسممت.
ما بين الأمس واليوم، صار الزمن قنينة فارغة، وما تبقَّى منا مجرد ظلال تتقاطع بلا لقاء، تتشارك الخوف بدل الزاد.