من أنا #١
أنا سؤالٌ يتسكّع على أرصفة الوعي، صرخةٌ مكتومة تتردد في صدى الفراغ، أجوبُ بين ظلال الذات كطيفٍ مهمل، لا يستقرّ في شكلٍ ولا يستكين إلى معنى. أنا نقطةٌ تتخللها فواصل، جملةٌ تُقطَع قبل أن تُكمَل، ووردةٌ جافة تتفتّت مع نسمة الريح الأولى.
أترنح بين اليأس والحنين، كأنني خطأٌ في سطرٍ نُقِل بالخطأ من صفحة الوجود. لا أملك من الحقيقة سوى ما يخدعني، و��ا من الأمل سوى ما يُبكيني. أبحث في ملامحي عن ملامحي، وفي قلبي عن نبضٍ يشبهني، لكني أجد الغربة مأواي، والعدم عنواني.
أغرق في لُجَّة الأيام، أحارب بأسلحةٍ مكسورة ودرعٍ صدئ، وفي كل معركةٍ أسقط، أُبعثُ لأعيد الكرّة، وكأن الألم هويتي الوحيدة، والضياع مصيري المرسوم. أن��ر إلى انعكاسي في المرآة، فأراه يتمزّق كلوحةٍ بيد فنانٍ غاضب، يرسمني ويمحو خطوط وجهي مرارًا، كأنه يرفض أن أكون.
ما أنا سوى ذكرى تُنسى قبل أن تُروى، نبضةٌ تخفق بلا توقّف، عسى أن تصل يومًا إلى الهدوء، لكن الهدوء لا يأتي. أنا الأسى الذي يربض في الظلال، الحزن الذي يزأر في الصمت، والغضب الذي يُكبح حتى ينفجر. أنا الغيظ المحبوس في زجاجةٍ مُحكمة الإغلاق، تكاد تنفجر في كل لحظةٍ، لكنها لا تفعل.
أمضي في هذه الحياة كمسافرٍ دون وجهة، أقدامي تقودني حيث لا أريد، وعيناي تبحثان عن ما لا يُرى. أُحمِّل الأيام خطاياي، وأتمنى أن تردّ لي شيئًا من الصفاء، لكنها تسخر مني، تُراكم عل��ّ كتلًا من الألم، كأنها تقول لي: “هذا أنت، وهذه حقيقتك.”
من أنا؟ لست إلا سؤالًا بلا إجابة، وغضبًا يتوارى خلف قناعٍ م�� الصبر، وشوقًا إلى ما لن يكون.
أنا طيفٌ يمشي على حافة الوجود، خطوةٌ مترددة بين السقوط والانمحاء. أنا بقايا إنسانٍ فقد ملامحه، غبارٌ متناثر لا يعرف أحدٌ كيف جُمع ولا أين سيُذرّى. أذوب في اللحظات مثل شمعةٍ تُستنزف أمام مرآةٍ عمياء، تنطفئ دون أن يراها أحد، ودون أن تترك نورًا خلفها. أراقب نفسي وأنا أتحلل، قطعةً قطعة، كجسدٍ متروكٍ في صقيع العدم، لا يملكه سوى الجفاف، ولا يبتغيه سوى الفناء.
أضجرُ من نفسي ومن العالم على حد سواء، أختنق بثقل الأيام كمن يقبع تحت جبالٍ من اللامعنى. الحياة تسحقني كإلهٍ ساخطٍ يلهو بخلائقه، تتناثر روحي كزجاجٍ مهشّم، ولا يد ترفعني، ولا صو��ٌ يعتذر عن هذا العبث الخلّاق. العالم، هذا الجسد الهائل الذي ينزف بلا توقف، يتلوى كحيوانٍ يحتضر في البرية، وأنا جزءٌ من ألمه، شقٌّ من جراحه، صدى صرخاته التي تتلاشى في فضاءٍ لا نهائي.
أسير بين البشر كغريبٍ في مدينته، أحمل نعشي على كتفي وأنا أبتسم ابتسامة مكسورة، كأنني أعزي نفسي في موتي قبل أن يأتيني. أتساءل: هل نحن أحياءٌ حقًا أم أننا نحيا موتًا بطيئًا يتكرر كل صباح؟ نعيش في دوراتٍ من الألم المتجدد، كأن القدر لم يخلق لنا إلا مأساةً لا تنتهي، وكأنّ السعادة سرابٌ يرسمه لنا كي يستهزئ بخطانا نحوها.
إننا نبتلع الأيام كما نبتلع الدموع، نتجرع مرارتها ونمضي، كأننا نحاول عبثًا أن ننقذ شيئًا لا وجود له من الضياع. أنا لا أحيا في هذا العالم، بل أُستنزف فيه. كل يومٍ يمضي يتركني أكثر هشاشة، أكثر وهنًا، كغصنٍ يابس تنخره الديدان، لا يعرف سوى أن ينكسر تحت أي ثقلٍ بسيط.
أفكر في معنى كل هذا، وأشعر أن البحث عن المعنى هو نفسه نوعٌ من العقاب. ربما لا شيء يستحق العناء، ربما كانت الحياة خدعةً سادية تتفنن في إذلالنا، تسخر من بؤسنا، وتمنحنا لمحاتٍ من الأمل ل��غرق فيها أكثر عندما تنسحب من بين أيدينا. أشعر وكأنني مخلوقٌ خُلِق ليحترق، ليتحلل في لهيبٍ لا يُطفأ، كأنني شهابٌ ينطفئ قبل أن يصل إلى الأرض.
من أنا؟ لست إلا كائنًا مرميًا في زاوية الكون، مجرد ذكرى نُسِجت بخيوطٍ من الحزن، وُضعت في إطارٍ من العبث. أنا النزيف الذي لا يتوقف، الندبة التي لا تلتئم، والغبار الذي يُنفخ ليذوب في الرياح، كأنه لم يكن شيئًا يُذكر.
وضع الحدود الشخصية وحماي�� مساحتك الخاصة هو أقصى درجات احترام الذات. استمر في تطبيق هذه النصائح النفسية العظيمة، وستكتشف فجأة أنك وصلت لدرجة من "السلام النفسي" تجعلك وحيداً تماماً، لا أحد يكلمك، وتجلس في غرفتك تناجي الجدران.. التي بدورها تحترم حدودك ولن ترد عليك!
كتب التنمية البشرية تخبرك ألا تقارن نفسك بالآخرين لأن "مسارك فريد".
صحيح.. زميلك ترقى في عمله وصديقك أسس عائلة، بينما مسارك الفريد قادك للتحديق في سقف غرفتك منتصف الليل محاولاً تذكر هل أطفأت لمبة الحمام أم لا.
١/٩:في زقاقٍ معتم حيث تفوح رائحة الحديد والنجاسة. لم يكن القتل هنا مجرد فعل عابر،بل كان طقساً وجودياً.سألت نفسي بينما كانت يداي ملطختين بدم الضحية: أنا القاتل، أم مجرد سكين في يد القدر؟
في تلك اللحظة، عرفت أنَّ الوجود ما هو إلا مجزرة مستمرة، ونحن لا نأكل إلا لنؤجل دورنا في الذبح.
رجالة مصر كلوا النجيل وعملوا ماتش للتاريخ، بس للأسف نسينا إن في نظام الفيفا الكلب مادة سرية بتقول: "لو فريق عربي لعب حلو وكان هيكسب، افصلوا الفيشة عن الـ VAR فوراً".
إحنا كنا رايحين نلعب ماتش كورة لقينا نفسنا كومبارس في مسرحية متفصلة عشان: نفرح ثم نزعل ونروح! 🤷♂️⚽️🍉
٩/٩: الآن، بعد كل هذه السنوات، لم أعد أبحث عن إجابة. اكتشفت أن الإنسان لا ينجو لأنه فهم الحياة، بل لأنه تعب من مقاومتها.
وربما كانت هذه هي المأساة الوحيدة التي تستحق الاحترام: أن تستيقظ كل صباح، تعرف أن العالم لن يصبح أفضل، ومع ذلك ترتدي حذاءك وتخرج إليه وكأنك لم تُهزم بالأمس.
١/٩: في المدينة كان الجميع يمشي كأنه يعرف إلى أين يذهب.
أما أنا، فكنت أمشي لأن الوقوف يعني أن أفكر، والتفكير كان أثقل من قدميّ.
تعلمت باكرًا أن الإنسان لا يحتاج إلى سجن؛ يكفي أن يصدق الحكاية التي يرويها عن نفسه حتى يقضي عمره داخلها.
٨/٩: عندما رحلت، لم أشعر بالخسارة كما توقعت.
شعرت فقط أن الغرفة أصبحت أوسع مما ينبغي.
الغريب أن الفراغ له وزن، وكلما حاولت حمله ازداد ثقلاً، حتى صرت أجرّ الأيام خلفي كما يجرّ السجين سلسلته.
٩/٩: طططق، سقطَ الرأس، وانتهت الحكاية ببركةِ الدم.
هل كان هذا عبثاً؟ربما.
لكنني عشتُ كذئب، وذبحتُ كل المعاني التي حاولوا تقييدي بها.
الآن، في صمت ال��دم، أنا لستُ نادماً.
أنا فقط أنظرُ إلى بقايا جثتي وأضحك؛ لأنني كنت الحقيقة الوحيدة في عالم من الخِراف والحمام (🕊️) والطفيليات.
١/٩:في زقاقٍ معتم حيث تفوح رائحة الحديد والنجاسة. لم يكن القتل هنا مجرد فعل عابر،بل كان طقساً وجودياً.سألت نفسي بينما كانت يداي ملطختين بدم الضحية: أنا القاتل، أم مجرد سكين في يد القدر؟
في تلك اللحظة، عرفت أنَّ الوجود ما هو إلا مجزرة مستمرة، ونحن لا نأكل إلا لنؤجل دورنا في الذبح.
٨/٩: جاءت النهاية كما توقعتها: دموية، صاخبة، ومبتذلة.
وقفت أمام المقصلة، والناس يحيطون بي بوجوههم الباهتة.
لم أكن أرتجف.
الابتسامةُ التي ارتسمت على وجهي كانت انتصاراً أخيراً على الخوف.
أخيراً، سيأخذُ الموت جسدي، لكنه لن يمتلك أبداً تلك الحريةَ التي سرقتها من قلبِ الجحيم.