لا تأتي الحياة دائمًا كما نتمنى، ولا على مقاس أحلامنا؛ فهي ليست منصفةً في كل وقت، ولا تكون نهاياتها سعيدةً دائمًا. لكن يبقى الاستمرار خيارنا، مهما كانت النتائج.
أنت لا تتغير عبثًا، بل تدخل مرحلةً عميقةً من التنظيف النفسي.
فإذا بدأت تنفر من أماكن، أو أشخاص، أو عاداتٍ كنت تستمتع بها سابقًا، فاعلم أنك تمضي في طريق التغيير. ولكل تغييرٍ ضريبة لا بد من دفعها.
عندما تذهب إلى مكانٍ بعيدٍ عن موطنك، تقع عيناك على كل ما يُشبهه، وتبحث في الوجوه والأماكن عن شيءٍ منه. وكذلك المحب؛ فالمحبوب وطنٌ، يبحث عن آثاره وأشباهه في كل شيء.
أجدُك في النخيلِ الباسقات، وفي البساتينِ الوارفات، وفي الأفلاجِ الجاريات، وفي جدرانِ بيوتِ الطين، وفي العيونِ الفيّاضة، وفي النسيمِ العابر.
أجدُك في خيالي الذي حصَّنتُه، وسمَّيتُ عليه، وألقيتُ حوله التعويذات؛ لكنك استوطنتَه رغم ذلك.
أجدُك في تراتيلي وتمتماتي، وفي معتقداتي، وفي الفصولِ كلِّها، وفي الطُّرقات، وفي الغسق، وفي الشفق.
أجدُك في ك��ِّ شيء… حتى في محاولاتي المستميتة لألّا أجدك.
الكلُّ مظلوم، والكلُّ مخدوع، والكلُّ مجروح.
لا أدري أين الظالم إذن!
أاسترخصتم أنفسكم فلم تضعوا حدودًا تمنع الآخرين من ظلمكم؟ أم أنكم أغبياء؟ أم خبثاء تبحثون عن الشفقة؟
ألم يعلم المظلوم أن دعوته ليس بينها وبين الله حجاب؟ أم أنكم ما زلتم تُحبّون الظالم وتمنحونه العذر بعد العذر؟
فإن كان الجميع مظلومين… فمن الظالم؟ وهل أكون أنا الظالم؟
هل ترضى باحتلالك، وتكون سعيدًا بالمحتل وهو يغتصب أرضك وسماءك وشمسك وهواءك، وظلك وشروقك وغسقك، وكل أشيائك؟
أن يكون هو ماضيك وحاضرك، وهل سيكون هو عاقبتك أيضًا��
وهل نحن محتلون حقًا؟
بدأتِ الحياةُ تتلوّن؛ في الطريق، وفي طعم الطعام، وفي الاتصال، وحتى في الشخص الذي يمرّ عليك فيُلقي السلام، وحتى عامل البقالة عندما يراك بعد غياب.
الحياة تتلوّن كطفلةٍ تلوّن كلَّ شيء؛ علبةَ المناديل، والجدران، والأثاث، وتنثر الألوان في كل شيء.
نعم ، اكتملت اليوم ستون ليلةً بتمامها.
المكان الذي تدخله فتدعو عند دخوله، وتدعو عند خروجه، وتدعو على من شيّده وأقامه.
كان الخروج منه ثقيلًا مثل الدخول.
خرجتُ ومعي تمزّقٌ في الأربطة، وتسلّخٌ في الجلد.
لكنها مضت… نعم مضت.