والأكثرُ وجعًا أنّ الحنيّة التي بحثتُ عنها لم تكن بعيدةً خلف البحار أو المسافات، بل كانت من المفترض أن تسكنَ أقرب القلوبٍ إليّ. أولئك الذين ظننتُهم المأوى إذا ضاقَ العالم، فإذا بهم يشحّون بالدفءِ كما يشحّ الصحراءُ بالمطر. فوجدتُ نفسي واقفًا في هبَ الريح، بلا ظل يحميني، ولا كتفٍ أسندُ عليها هذا العمر المثقل بالتعب.
كانوا يرونَ في شخصًا قادرًا على الاحتمال، بينما كنتُ في الحقيقة أتعثّرُ تحت ثقلِ ما أحمله. وكنتُ كلما احتجتُ كلمةَ رقيقة، وجدتُ المزيدَ من الكلمات التي تنتظرُ منّي أن أكونَ قويًا. وكلّما احتجتُ صدرًا يتّسعُ لحزني، وجدتُ المزيدَ من الأحزان التي يُرادُ لي أن أحتويها.
ومع الوقت، لم يعد اليأسُ عاصفةً تعصفُ بي، بل صار سكونًا باردًا يستقرُّ في الأعماق. سكونُ من أدرك أنّ العالم لا يُجيدُ ردَّ الجميل، وأنّ القلوبَ التي تُعطي كثيرًا لا تنالُ دائمًا ما يشبهُ عطائها.
أمضيتُ أعوامًا أتساءل: أين أجدُ حنيّةً تشبه حنيّتي؟ وأيُّ قلبٍ سيُحسنُ الإصغاء إلى ارتجافِ قلبي كما أصغيتُ طويلاً لارتجافاتِ الآخرين؟
كنتُ أظنُّ أنّ الحنانَ شيءُ يعودُ إلى صاحبه يومًا، وأنّ الأيدي التي تربَتُ على أوجاع الناس لا بد أن تجدَ يدَا تربّتُ عليها حين يشتدّ بها التعب. لكنّني اكتشفتُ متأخرًا أنّ مض الأرواح تمنحَ دورَ المواساة، وتحرَمُ من المواساة ذاتِها.
كنتُ أجمعُ شتاتَ الآخرين كأنني أخشى عليهم من السقوط، بينما كنتُ أتبعثرُ بصمتٍ لا يراه أحد. أحتوي انكساراتهم، وأُخفي انكساراتي، وأمنحهم من دفءِ روحي حتى صرتُ أشبهَ بشتاءٍ طويلٍ أرهقه الانتظار.
لهذا لم أعد أبحثُ كثيرًا. لا لأنّني وجدتُ ما أفتقده، بل لأنّني تعبتُ من الانتظار.
وصارت روحي، على نحوٍ غامض، تجلسُ إلى جوار نفسها كل مساء، تجمعَ ما تناثرَ منها، وتُضمدُ ما عجزَ الآخرون عن رؤيته.
وحين أنظرُ اليوم إلى الطريق الذي عبرتُه، لا أشعرُ بالغضب من أحد، بل بخيبةٍ هادئةٍ شبهُ غروبًا رماديًا طويلاً. فقد تعلمتُ أنّ بعض الأبواب لا تُفتح، وبعض الأمنيات لا تأتي، وأنّ المرءَ قد يقضي عمره يبحثُ عن حنيّةٍ تشبهُ حنيّتَه، ثم يكتشفُ في النهاية أنّ أكثر الأماكن رحمةً به كانت تلك الزاوية الصامتة التي بناها داخل نفسه، بعيدًا عن ضجيجِ الخذلان، وبعيدًا عن عالمٍ جعل القسوة أسهل من الحنان.
ولا أرجو سوى أن أتعافى بشكلٍ كامل
من كل ما مرّني من سوء،
أن تُمحى الأيام السيئة من ذاكرتي تمامًا،
و أن أُعوض بأيامٍ لا أجد بها حزنًا ولا ضيق
أن أُجبر فيها كثيرًا كأنني لم أنكسر أب��ًا
يؤلمني أن قلبي لا يتحمّل، وأن روحي ماعادت تتلهف إلى شيء، وأن ابتسامتي لم تعد تحب الظهور حتى مجاملةً، تؤلمني الكثير من الأشياء من بينها فكرة أن أبدو ثابتًا من الخارج بينما تُقام مجزرةً داخلي كل ليلة
اكثر شيء يحزّن بالحياة لما يوصل الإنسان لمرحلة عالية او سيئة جدًا من الحذر من كثر الخذلان والصدمات لدرجة مايصدّق اي كلمة حلوة تنقال له واول شيء يجي بباله انها مجرّد كمين للفت انتباهه بس وحتى لو كان الشخص اللي معه صادق مستحيل يصدّقه لأن اللي مر فيه شوّه كثير اشياء بداخله
لا تتوقع من أحد أن يكون على مقاس عقلك ومشاعرك وأفكارك فلكل أحد منا نافذته الخاصة التي يرى من خلالها العالم والحياة ولكل أحد منا تجاربه التي صنعت قناعاته ولكل منا مكانه الخاص الذي يقبع فيه فحاول أن تكون مزهراً أينما حللت وأترك في النفوس عبقاً لا تبدده الأيام فالأحتواء ليس أن تطيل البقاء بل أن تجيد الحضور