#مدينة_في_قلبي
فتحي بن لزرق
في العام ٢٠١٠، سافرت إلى صنعاء المدينة التي سأظل أحبها رغم أنني لست أحد أبنائها، وكانت زيارة خفيفة على الجسد لكنها أدمت قلبي كلما تذكرتها.
كنت يومها ضيفًا على منظمة دولية أخذت على عاتقها تدريب الصحفيين، وخلال فترات المساء كنت أزور صديقي ياسر يماني الذي كان يعيش وحيدًا مع صديقين له هما محمد ثابت، مهندس الإسكان ومدير الأراضي لاحقًا في عدن، وشخص آخر هو أبوب��ر أحمد علي، مستشار محافظ عدن حينها.
أتذكر يومها انني نزلت بفندق بمنطقة حدة يقع أمامه سوبر ماركت أسمه على ما اتذكر (الجندول).
خلال زيارتي كنا نحاول ملء ليالي المدينة الطويلة بخرجات بسيطة، جولات في الأسواق، صلاة جمعة في جامع قريب، ثم وجبة نتقاسمها في مطعم يعج بالحياة.
أتذكر أنني كنت أمشي في شوارع صنعاء كمن يكتشف عالمًا آخر، مدينة تشبه كتابًا مفتوحًا، كل صفحة فيه تحكي قصة مختلفة عن وجه اليمن الذي كنا نحلم به.
في بيت الثقافة كان يدهشني المشهد الثقافي والشعري في المدينة وأقول لنفسي ماذا لو تٌركت هذه المدينة تمضي في حال سبيلها..!؟
ولو انها مضت لمضى كل اليمن في حاله أيضاً.
الفلل الصغيرة التي كانت عبارة عن كافيهات تعج بالشعر والفن والجمال، المطاعم، المراكز التجارية، معاهد اللغات، المشاريع الصغيرة، المنظمات، ورش العمل، المؤتمرات، الأحزاب، المقايل، مؤسسات المجتمع المدني، المجلات، والصحف، الدوريات، والبيوت الثقافية، الصباحيات الشعرية…
كانت صنعاء يومها مدينة تتنفس حضارة وتنمو من الداخل حاملة في أروقتها تعدد يمني كبير يشكل فيسفاء الوطن على إمتداده ،تقترب من الذوبان في هوية جامعة لكل اليمنيين او تكاد!.
كنت أشعر بمدى الإختلاف بين صنعاء وعدن ومدن يمنية كثيرة.
في تلك اللحظات شعرت بأن سنوات ما بعد ١٩٩٠ بدأت تثمر.
وجدت شبابًا يتحدثون الإنجليزية بطلاقة، وعقولًا تتفتح كل صباح، وأحلامًا تتسلل من بين الأرصفة والجدران إلى السماء.
هل قلت السماء؟
نعم�� إلى السماء، وأبعد مما كنا نتخيل بما كان يُطرح من رؤى.
قلت لياسر وقتها، ولا أنسى تلك اللحظة:
لو أخذت صنعاء عشر سنوات إضافية من الاستقرار لن تعود كما كانت قديماً.
ستتغير كليًا.
ستصبح مدينة لا تشبه إلا المستقبل وسيصبح بينها وبين الماضي القديم الف حاجز وحاجز.
لكن ما هي إلا سنة واحدة فقط.
سنة واحدة…
وتحولت تلك المدينة التي كانت تكبر بسرعة الضوء إلى مدينة تُسحب إلى الخلف بقوة الظلام.
سنة واحدة فقط، وأعيدت صنعاء مئة عام إلى الوراء.
أنهالت معاول اليمنيين مجتمعة على ذات المدينة والأرصفة والأحلام ولم تكد تمر سنوات أخرى حتى جاء (غول) صعدة ليقضي على ماتبقى .
ومن عدن وقفت مشدوهاً اتأمل المدينة وهي تحترق ومعها (قلبي)..!
أقسم انني يوم جمعة الكرامة بكيت من كل قلبي لإنني ادركت ان القادم سيكون من الصعوبة بمكان وكان ذلك.
اليوم، وأنا أمشي في شوارع القاهرة وعدن ومدن أخرى داخل اليمن وخارجها، ألتقي بقايا تلك المدينة، شظايا بشر كانوا قبل الحرب يستعدون لتغيير اليمن كلها ، أصبحوا اليوم يحملون ملفات لجوء مرئية، وملفات وجع غير مرئية، تحكي قصة عشر سنوات من التيه والضياع كان لصنعاء وعقولها وزهورها نصيب الأسد.
في زيارتي الأخيرة الى القاهرة التقيت صديقي أحمد الواسعي الصحفي الذي قادتني ذات الزيارة في 2010 للتعرف عليه.
في شقة متر في متر يقطن أحمد وثلة من الزملاء وكل يوم من شرفة نافذة شقته المؤجرة يطل بنظره على أمل عودة لوطن قد لايعود.
تناثر اليمنيون مثل نجوم انطفأت قسرًا، مصابيح أصابها الصدأ وغاب عنها الصدى وتحولت صنعاء إلى ذاكرة ثقيلة نجرها معنا أينما ذهبنا، نقلب في دفتر الذكريات ، نشير بنصف أصبع مبتورة الى مامضى من الصور وفوق كل صورة تسقط (دمعة).
كل واحد منا يحمل في روحه جزءًا مكسوراً من هذه المدينة، لكنها رغم كل شيء ما زالت هناك، في مكان ما داخلنا، مدينة تنتظر لحظة أن تُفتح أبوابها من جديد.
آه يا صنعاء…
يا وجعنا الكبير الذي لا يندمل…
يا حسرتنا التي تخنقنا كلما تذكرنا كيف كنا وكيف أصبحنا…
يا مدينة كانت تربي الحلم ثم ذبحت على عتبة الفوضى.
اه..
فتحي بن لزرق
منشور بلا تاريخ للتاريخ