أمّا خِفَّة العقل، فهي التي تُلقي بالمرء في مهاوي الأذى، وتجرّه إلى قُبح الفعل وضيق النظر في العواقب. فاحفظ خُلُقك؛ فإنَّه أثمن ما يملكه الإنسان، ولا يصونه بعد الله إلا عقلٌ راجح وبصيرةٌ حيَّة.
إنَّ أخلاقَ الإنسان ليست سوى الصورة التي يُفصح بها عقلُه عن نفسه؛ فكلّما اتَّسع عقلُ المرء، سمت أخلاقه وارتفعت. ذلك أنَّ العقلَ الواعي يردع صاحبَه عن مواطن الزلل، ويُنذره قبل الوقوع في مواطن النقص، فينأى بنفسه عمّا يشينه.
أخشى أن أعيش حياة عادية أكثر مما أخشى الفناء. ويُقال إن قيمة الإنسان بما يقدمه، وأنا أرجو فقط ألا تكون قيمتي صفراً. فالميلاد يحدث مرة، لكن ليس كل من وُلد، وُلدت الحياة في داخله.
هناك أمور نعبرها يوميًا بلا اكتراث، تمرّ فينا بصمتٍ ثقيل، رغم أنها لو قيلت لملأت المساحات كلامًا. لكن بعض المعاني تفقد بريقها حين تُقال، لذلك لا أبحث عمّا يُتمّ نقصي، بل أُصالح ضجيجي الداخلي وأتركه يمضي بسلام.
هم يغادرون إلى أفقٍ آخر، أما أنتِ فتبقين حبيسة اللحظة الأخيرة، عالقة بين وداع لم يكتمل وصوت لن يعود.
إنه موت من نوعٍ مختلف؛ موتٌ بطيء يتنفس فيكِ كل يوم، حتى تغدو الحياة ثقيلة كأنها عقوبة
هل جربتِ أن تفقدي روحًا كانت جزءًا منكِ؟
الأمر لا يشبه الغياب العابر، بل هو اقتلاع من الجذور، كأن شيئًا في داخلكِ انكسر ولم يُخلق ليلتئم.
الموت يمرّ بهم سريعًا، يذهبون حيث لا ندري، بينما يترككِ في منتصف الطريق، تتعثرين بين ذكرى وحنين، بين رائحة وصوت، بين صورة وصدًى.
فالقلبُ لا يتحطّم حين يموت، بل يتحطّم وهو حيّ،
حين يُسلب منه الرجاء، أو يُكسر فيه الأمل.
أما بعد سكونه، فليس فيه انكسار،
بل هو استراحةُ فارسٍ ألقى رمحه،
وانطوى على ذاته،
وسلّم سرَّه لرحمةٍ أوسع من كلِّ جراح الأرض.
وأدركتُ يومها… أن البعد عنك لا يُقاس بالكيلومترات، بل يُقاس بعدد المرات التي نراك فيها ولا نراك، نُمسك بك ولا نلمسك، نعيشك في الغياب أكثر مما عشناك في الحضور.
أدركت أن الغربة ليست مكانًا… بل أن أفتّش عنك في المدن، وأراك، ولا أستطيع أن أقترب.
حين انتقلتُ إلى مدينةٍ أخرى، لم يكن البعد عن الوطن أولَ ما لسع قلبي، بل كان أول شعورٍ راودني في غربتي هو عدم الاعتياد على رؤياك.
كأنّ عيني وُلدت لتراك، وحين غبتَ عنها، بقيت تُحدّق في كل شيء ولا ترى ..
أحسست بك في الورود، في طريقتها في التفتّح، في حيائها حين تميل، في عبيرها الذي لا يشبه إلا عبورك من أمامي.
وكأن المدينة رغم بعدها، لم تفرغ منك، بل ازدحمت بك أكثر. كأنك أرسلت من روحك ظلًا يسبقك في كل مكان، فصرتَ الحاضر الذي لا يُرى، والغائب الذي لا يُنسى.