الشاعر الكبير محمود سامي البارودي شارك في الثورة ضد الاحتلال الانجليزي لبلده مصر، فقبضوا عليه وحكموا عليه بالنفي بعيداً إلى جزيرة سرنديب في المحيط الهندي (سريلانكا حالياً)، فعاش هناك ١٧ سنة، وكتب قصيدته الخالدة التي تعبر عن وحدته وشوقه إلى وطنه.
وبهذا نكون قد أتممنا مقصورة ابن دريد (٢٥٠ بيتاً) ولله الحمد والمنة.
وما كان لهذا العمل أن يتم لولا فضل الله تعالى، ثم جهود هذين الصديقين العزيزين والسيدين النبيلين الكريمين:
@khalid_buwaled مهندس الصوت الفنان مدير الاستديو
و @hussainalsadeh1 عبقري اللغة العربية وسيبويه البحرين
لا ينحصر الخلل في هذا النوع من المنشورات في سذاجة طرحه فحسب، بل يكمن الخلل الأكبر في المنهجية التي ينطلق منها صاحب هذه الكتابات.
فهو ينطلق من مبدأ أنه: لو كان لدينا تعارض بين نصين فلابد أن أحدهما باطل ومكذوب.
وهذا يناقض أساسيات البحث العلمي المنطقي في أي علم، بالذات علوم التاريخ وتوثيق النصوص.
إثبات صحة النص راجع لآليات منطقية عملية تجريبية أوجدها الباحثون والعلماء عبر مئات السنين، ووجود التعارض الظاهري بين بعض هذه النصوص أمر واضح من القرون الأولى، لذلك وضع له العلماء مبحثاً خاصاً باسم "عِلم مُختلَف الحديث"، فِكرتُه أنه لو ثبت عندي نصّ بالطرق والآليات العملية التجريبية المنطقية السليمة التي بنيناها وأثبتت جدواها فلا يمكنني بعد ذلك رفض النص لمجرد وجود تعارض بينه وبين نص آخر، بل يجب أن أناقش النصَّين وأصِل للتوافق بينهما ضمن الإطار الإسلامي.
لذلك إذا ناقشتَ أي شخص غير مسلم بهذه الطريقة فلن يقبل منك! لأنك تتهرب من الإشكالات الموجودة في نصوصك عبر التخلص من كل ما لا يتوافق مع قناعاتك الشخصية أو الصورة التي تريد تقديم الإسلام بها، وهذا ليس بمنهج علمي ولا منطقي!
إن أردتَ رفض منهج التوثيق الحالي للنصوص الشرعية في الإسلام (المسمى بعلم مصطلح الحديث) فلابد أن تأتي بمنهج بديل أكثر موثوقية لنحتكم إليه، ففكرة "أي حديث يتعارض مع آية من القرآن فهو مكذوب" ليست فكرة مقبولة في إطار البحث ال��لمي بل هي أقرب للدروشة، كما نلاحظ في سذاجة كتابة هذا الشخص.
أضف إلى ذلك أن ادعاء كون هذه الأحاديث مفبركة مكذوبة -مع أنها موجودة في كتب الصحاح لأكثر من ١٠٠٠ سنة ضمن دراسات ومناقشات وشروح لا نهاية لها- ينطوي على استحقار لهذا المشروع الهائل الذي قام عليه العلماء والباحثون المسلمون لقرون طويلة وكأنهم جميعاً بسطاء لم ينتبهوا للتعارض الظاهري الواضح بين نص وآخر حتى جئت بعد ١٤٠٠ سنة لتكشف للناس أن هذه الأحاديث مكذوبة لمجرد وجود تعارض ظاهر بينها وبين نصوص أخرى!
بينما الواقع أنه لم يأت بجديد، وإشكالياته مطروحة ومشروحة ومجاب عنها بتفصيل في كتب هذا العلم عبر قرون، ومازالت تناقش في أروقة البحث العلمي الشرعي.
ما لا يعرفه هؤلاء أن علم حفظ وتوثيق النصوص الشرعية لدى المسلمين (المسمى بعلم الحديث) لم يكن مشروع فقهاء ومحدثين ف��سب، بل كان -لقرون عديدة- مشروع أمة شارك في حفظه والعناية به ونقله جيلاً بعد جيل جميعُ أطياف المجتمع المسلم، بما فيهم الخلفاء والملوك والوزراء والساسة والتجار وأصحاب الحرف والمهن من الرجال والنساء، ومساهماتهم فيه مازالت محفوظة مدونة بتفاصيلها، خصوصاً في القرون الخمسة الأولى من الإسلام.
والسؤال الآن: ماذا لو وجدَ هذا الشخص تعارضاً ظاهرياً -بالضبط كالأمثلة التي ذكرها في الأحاديث هنا- بين آية وأخرى في القرآن الكريم.. هل سيبادر بتكذيب إحدى الآيتين كذلك؟
لأن هذه هي الخطوة الوحيدة المنطقية في طريق تطور هذا النوع من الطرح، وهي الحُجة التي سيحتج عليه بها كل من سيناقشه من غير المسلمين.
يزور البحرين هذه الأيام الشيخ الفاضل عبدالرحيم القاوش المغربي، وهو من المشايخ الفضلاء الذين درست عندهم، واستفدت منه كثيراً جزاه الله خيرا
وهو الذي وضعت لكم قراءته في الصلاة سابقاً، صوته في القراءة مذهل حفظه الله وبارك فيه
رحم الله العلَّامة المحدِّث ربيع بن هادي المدخلي، وغفر له، وأسكنه فسيح جناته.
كان رحمه الله عالماً كبيراً متخصصاً في علوم شتى كالحديث، والعقيدة، والدفاع عن السنة، وله مصنفات عديدة نفيسة، مما قرأت له منها: "بين الإمامين مسلم والدارقطني" في علل الحديث، و"تقسيم الحديث"، و"منهج أهل السنة والجماعة في نقد الرجال والكتب والطوائف"، و"مكانة أهل الحديث"... واستفدت منها كثيراً، وله تحقيقات عديدة كتحقيقه لكتاب: "المدخل إلى الصحيح" للحاكم، و"قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة" لابن تيمية، و"الن��ت على ابن الصلاح" للحافظ ابن حجر، وله مصنفات أخرى كثيرة في الرد على الفرق والطوائف والأحزاب المخالفة للسنة، والدفاع عن العقيدة والتوحيد.
وقد التقيت به مرات عديدة في منزله بمكة والمدينة، فرأيته بسيطاً كريماً باذلاً نفسه وماله لعامة طلاب العلم والزوار في ليل أو نهار، كثير الدعاء لمن حوله، حريصاً على صلاة الجماعة في المسجد والحرم على كبر سنه، شديداً في التمسك بالسنة والحذر من البدع وأهلها.
وأكثر ما رأيته تميز به رحمه الله: الحرص على النصيحة للجميع، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، دون تفريق بين قريب أو بعيد، لا يجامل في الحق أحداً كبيراً كان أو صغيراً، إذا رأى أمامه خطأً نبه عليه مباشرةً، وإذا رأى الحق مع طرف دافع عنه وإن كان ذلك على حساب أقرب أقربائه! ورأيت ذلك في مواقف عديدة منه.
وكان رحمه الله فيما شاهدته منهمكاً في العلم الشرعي أكثر وقته، له مكتبة ضخمة تجد خطه وتقييداته على صفحات كتبه، زرته مرة وقد تجاوز الثمانين قد أنهكه المرض فرأيت في يده كتاباً في الحديث يقرؤه، والعجيب أنه على كبر سنه كان حادَّ البصر يقرأ ��لكتاب دون نظّارات وهو في هذا السن!
وإنني أجزم أن أكثر ما يَنشره عنه كارهوه هو تلفيق واتهام بالباطل، وكثير منهم لم يلتق به أصلاً، ولا قرأ له كتاباً، وإنما سمع كلام أعدائه وقلدهم دون تمحيص، وكثير م��ا يُنتقد عليه قد وافقه فيه غيره من أهل العلم كابن باز وابن عثيمين وغيرهم، لكن لم يجرؤ أولئك على الطعن فيهم، فاكتفوا بنسبة القول إليه والتشنيع عليه دون الآخرين.
ومع ذلك فهو عالِم من العلماء يصيب ويخطئ، ولم يدَّعِ العصمة قط، ويكفيه حثه الدائم على التمسك بالسنة، وزهده في المناصب والأموال، وتركه التزلُّف والمجاملات، وبساطة حاله كما يشهد له كل من التقى به.
فأسأل الله تعالى أن يرحمه ويغفر له ويتجاوز عنا وعنه.