كان يستند بكفيه على سور المقهى الهادئ في ساعات المساء الأولى، ينظر إلى كوب القهوة الداكنة أمامه وإلى أضواء الشارع الممتدة. في داخله صمت عظيم، من النوع الذي لا يعني الفراغ، بل يعني أن الكلام أصبح أصغر من أن يشرح ما بالقلب. أربعون عامًا إلا القليل، مرّت بكامل ثقلها وخفتها، بحروب
كانت يداي ممدودتين للجميع، حتى أتعبني التعبُ الصامت لأولئك الذين يأخذون فقط.. الحين أعدتُ رسم حدودي؛ أصبحتُ أقل عطاءً للغريب، وأكثر سخاءً مع من يمنحني السلام
كنتُ أفتح قلبي للجميع بلا أقفال، أمنح الدفء لكل من يمرّ بي دون حساب، حتى أدركتُ أن الاستنزاف لا يصنع ح أبداً. اليوم، لا أعتذر عن تقليل عطائي، فالعطاء الحقيقي ليس شمعة تحترق لتضيء لمن لا يرى، بل هو سكنٌ يُمنح لمن يعرف كيف يحافظ عليه.
خمس سنوات من الركض والذكريات، انتهت بكلمة بردت في منتصف الشارع: "أنا مش مرتاح". أصعب أنواع الفراق ليس الذي نتوقعه، بل الذي يأتي بعد ذروة الحب، حين تكتشف أن الشخص الذي كان يرى فيك الدنيا.. أصبح يراك عبئاً يهرب منه.
@ohoudalklewy
لم تكن المشكلة في أن الحب انتهى، بل في أن أحدهم قرر التخلي فجأة، والآخر كان لا يزال يبحث عن حلم يجمعهما. أن تتوسل لإنقاذ ما تبقى، فيجيبك البرود بأن العاطفة لا تُفرض بالعافية.
"العمر لم يكن يوماً عائقاً أمام بدايات جميلة، بل إن كل عامٍ مضى كان إعداداً لهذا اللقاء. الحب الحقيقي يتجلى حين يتلاقى شخصان بعد أن عرف كل منهما قيمته وقيمة السلام النفسي؛ فيصبح الزواج سكناً أعمق، ورباطاً يبنيه الفهم والتفاهم قبل كل شيء."
َفَتَتْ فيَّ تلك اللهفة التي كانت تُقيم في تفاصيلهم
وسكنتُ على غير ما عهدتُ نفسي عليه كأنّ القلب تعلّم أخيرًا فنَّ التخفّف لم أعد أتشبّث كما كنت ولا أستنزف روحي في محاولاتٍ لا تُجدي فقد بذلتُ من الصبر ما يكفي ومن التبرير ما يُرهق المعنى ثم أدركتُ بهدوءٍ يشبه اليقين أن بعض الخواتيم لا يُجدي معها السؤال ولا يُرمَّمها العتاب بل تُودَع في صمتٍ لائق وتُترك كما هي دون ضجيج، دون رجوع ..
اصنعُ من ضحكاتِهم منازلَ وأوطانًا .. فهمُ البلادُ التي لا تُخيفك غُربتُها ..والدفءُ الذي لا يخبو وإن اشتدَّ بردُ الحياة .. أنتم المعنى الذي لم أكن أعرفه .. حتى وُلدتُ بكم من جديد .. أنتم النور الذي لا يحتاج إلى شمس ..والطمأنينة التي لا تُعلَّم… بل تُوهَب .. أنتم الوطنُ الذي لا يُغادرني… ولا أغادره أبدًا ..
أطول المعارك التي خضتها مع نفسي هي تلك التي استغرقتها لأستوعب أن معرفة الدرب لا يعني القدرة على مشيه فوراً؛ فالأفكار تعبر أذهاننا بلحظة، لكن النفوس تجلس طويلاً على أعتاب المحاولة حتى تألف خطوة المسار. نحن نعلم تماماً متى نصمت ومتى نتحدث، متى نحزم أمتعتنا ونرحل ومتى نتردد، وندرك
مأساة المرء ليست في تعبه، بل في أن يغدو غير مرئيٍّ وسط من يُحب. أن يبتسم وفي أعماقه شروخٌ لا تُرى، ويتحدث بكلماتٍ تُسمع حروفها وتغيب معانيها الخفية. ما تحتاجه العائلة ليس حياةً مثالية، بل احتواءً حقيقياً يُشعر العابرين تحت سقفها بأنهم أرواحٌ لها ثقلها ومكانتها.
ومن رحابة هذا الفهم، تتسع في القلب مساحات للغفران؛ فيغدو قادرًا على إبصار (الإنسان) قبل الموقف، وتلمُّس (العذر) قبل العتاب، وشعور (المرارة) الخفية خلف القسوة الظاهرة.
شخص جرحني بكلمةٍ لعلّه ينوء بقلبٍ مكسور، ومن غاب عنك لعلّه يصارع أثقالاً لا تظهر للعيان.
من ممرات الشعور والاماكن المكان الذي تستقرين به
الأماكن الذي لم نلتق بأهلها من قبل ولا لصباحاتها المشرقة ولياليها المؤنسة.اشعر بالألفة تجاهه
تاركه جزءا من قَدَمَيْكَ في ساحاتها وشوارعها ومقاهيها.
استقرت العلاقات في نصابها الصحيح داخل نفسي، فلم أعد أعبأ بالتأثير وكثرة الجمع، بل أبحث عن صدق الشُّعور ونقاء المودة. لا يحتاج المرء في نهايات المطاف إلا إلى مساحة يُقدَّر فيها وجوده، ويُلمَس فيها أثره..