روي وشيء من الذاكرة
بقلم: محمد المرجبي
جريدة عُمان. عدد الخميس 28 ديسمبر 2023م:
https://t.co/f0MhcO4hda
حوالي السابعة صباحا، في طريقي إلى مطرح، دخلت من دوار الحمرية مرورا بمفرق شارع هوندا (هذا هو اسمه الشعبي) إلى التقاطع الذي يلي مركز الشرطة سابقا، وصولا إلى مسجد عبدالرضا سلطان، لم أر خلاله سوى مواطن واحد ربما كان نائما عند حافلته! لم أصدم كثيرا لأنني أعرف هذا الواقع. ولكن عند مدرستي القديمة ارتفعت معنوياتي قليلا ببياض ملابس الطلبة والمعلمين قبل طابور الصباح.. استوقفني هذا الموضوع، وقد سمعت أن بعض المدارس أغلقت، وربما أخرى في طريقها للإلغاء بسبب الهجرة من هذه المناطق! المشكلة ليست في إلغاء مبنى مدرسة، فقد يحول إلى استخدام آخر. ولكن السؤال الأهم: إلى أين تتجه التركيبة السكانية لهذه المناطق؟؟ حاولت تأجيل التفكير في الموضوع لأستمتع بلحظات بدء إيقاع الحياة اليومية، فالجولة محفزة مثيرة لذاكرة قديمة جدا.. فأنا أعرف هذه المنطقة منذ أكثر من خمسين عاما، عندما كانت تشكل محطة خضراء في سفرنا للبلد، حيث كانت تتوقف سيارة العريبيا للتزود ببعض الماء من أحد آبارها العذبة، وربما ببعض ربطات من الرويد (الفجل) وكأنها باقات تزينها قطرات الندى. فقد كانت واحة خضراء فعلا.. في ذلك الوقت كانت التركيبة السكانية عكس اليوم تماما، يندر أن ترى أج��بيا، فالبيئة كباقي قرى عمان، عمانية صرفة بسكانها وعمالها وتجارها. وحتى الزوار هم أبناء هذه البيئة.
في السبعينيات من القرن الماضي، تغيرت روي بشكل مذهل، وظهرت حولها أحياء حديثة مثل مطرح الكبرى، التي تلامس دارسيت التي تشبهها كثيرا في البيئة الزراعية، امتدادا إلى دارسيت الساحل وعينت. وفي الناحية الأخرى الولجة، والوادي الكبير، حيث أول سوق أسبوعية (سوق الجمعة). وزاد الزحام داخل روي، وعلت أصوات الأغاني الهندية، وكبرت المباني وكثرت بشكل ملفت وكأنها تنبت من الأرض وتحل محل النخيل والسدر وغيرها، ويختفي معها مشهد المواشي والحمير المروضة وقوافل الجمال. وتوسعت الشوارع رغم ضيق الجغرافيا. فبعد إلغاء المطار القديم، وانتقال دار الإذاعة إلى القرم، حل محلهما الثقل الاقتصادي والمالي للبلاد بتحف معمارية ��بيرة مثل البنك المركزي العماني وسوق المال، والأوراق المالية، ووزارة التجارة والصناعة، وغرفة التجارة والصناعة، وعلى الطرف ميدان وبرج رمزي يزينه مجموعات الحمام�� في مشهد يشبه ميدان الطرف الأغر في لندن، وسلسلة من البنوك، وأضخم مقسم للاتصالات، والبريد، وبعض الفنادق، كما انتقلت من هنا لاحقا دار جريدة عمان التي ظلت سنوات طويلة، وهيبة معسكر بيت الفلج والمتحف العسكري الذي يعد أحد أهم المعالم حتى اليوم، وأول ملعب كرة معشب، كما ظهر مبنى أبيض شامخ بمقياس ذلك الوقت على الأقل، هو مبنى مجمع الوزارات، إضافة إلى بضع بنايات تشبه بعضها تعرف بالسفارات رفرفت فوقها أعلام بعض الدول. لم تعد هذه البنايات موجودة، ولكن ما زالت نسخة منها باقية مقابل مطار الشرطة تقريبا.. وهنا في قلب روي زخم الحراك السينمائي بظهور التحفة المعمارية الدائرية ��سينما النجوم (cinema star) التي تصل فيها تذكرة الدرجة الأولى إلى 750 بيسة، نحتاج لبعض الادخار لنحظى بحضور فيلم ننتقيه من الكتيب الشهري الأنيق الذي تصدره ��ذه الدار، وسينما ريكس التي تتوسط مخبز عمان الحديث ومدرسة النجاح الخاصة ومكتبة العائلة ومدرسة روي النموذجية للبنات، والمساكن الشعبية التي يفخر بها سكانها قبل أن تتغير مفاهيمنا تجاه الإسكان الاجتماعي، وسينما النصر، التي لا ينافسها على هذا الموقع سوى نادي روي الرياضي، الذي يشكل حضورا اجتماعيا واضحا، ويعد الند الأبرز لنادي فنجا، وسينما عمان بلازا، وما أدراك ما سينما بلازا، التي تحفّظ كثيرون على ظهورها مقابل باكورة جوامع السلطان قابوس، الذي أحيا صلاة الجمعة بعد أن هجرت أو كادت أن تهجر! والذي شهد توثيق سلسلة طويلة من دروس سماحة المفتي. وكانت أكثر من مجرد سينم��، فهنا غنى المطربون المحليون والذين تمت استضافتهم من الدول الشقيقة بين منتصف وأواخر السبعينيات في الأعياد الوطنية لعدم توفر صالات ومسارح. وهنا مطعم ويمبي الذي لا نفكر حتى في الدخول إليه لأنه حسب إمكانياتنا (مال الناس الهاي هاي)، يقابله محطة المواصلات التي أحدثت مشهدا وحراكا في النقل العام، وبدأنا نستوعب كيف يمكن أن تعتمد على الحافلة، وتعرف أوقاتها وأين ستقوم بتغييرها إذا كان مشوارك طويلا، وأخذ بعضنا بطاقة اشتراك شهرية يمكن أن تستخدم بها الحافلة مرات غير محددة. وليس بعيدا عنها مطعم دجاج تكساس.. ظهرت دور السينما هذه لتحل محل سينما روي وسينما عمان الجديدة المكشوفتين..
يتبع في التغريدة القادمة........
In one of the most iconic scenes from the film, Batman and the Joker come face to face. This scene is a masterclass in filmmaking. It set the bar impossibly high. /3