يا قادةَ الشام…
ندرك أن البلاد خارجة من حربٍ أثقلت الحجر والبشر، وأن الدولة تتحرك أحيانًا بمنطق “أكل المضطر”، تبحث عن المال والخبرة والإعمار.
ولا يُلام المضطر إذا أخذ ما يدفع به الهلاك عن شعبه وأرضه.
لكن الرسالة هنا:
خذوا ما يعينكم… ولا تسمحوا لأحدٍ أن يأخذكم معه.
استفيدوا من المال والخبرة، لكن إيّاكم أن يتحول الدعم إلى توجيه وخاصة من دويلة الإمارات ، لا يصبح ترميمها للمسجد الأموي وصاية، أو الحاجة إلى ارتهان سياسي وثقافي.
الجامع الأموي ليس بناءً عاديًا، ولا ساحةً لتخليد أسماء الحكام، بل ذاكرة أمة، ورمز فتح، ومحراب علمٍ وجهاد.
ومن الخطأ أن يتحول هذا الرمز العظيم إلى بوابة نفوذٍ سياسي، أو منصة اختراقٍ ناعم تُعاد عبرها صياغة هوية الشام.
ليست كلُّ يدٍ تبني… تريد للعمران حياة.
فكم من مشروع ترميمٍ كان في باطنه إعادة تشكيلٍ للوعي، وتبديلًا للهوية، وتطويقًا للروح.
والاختراق الناعم لا يبدأ بالدبابات، بل يبدأ غالبًا من الرموز:
مسجد… جامعة… منحة إعمار�� ثم تتبدل اللغة شيئًا فشيئًا، ويُعاد تعريف “الاعتدال”، ويُقصى الصادقون باسم التحديث والانفتاح.
العاقل ليس من يرفض كل شيء، بل من يعرف كيف يأخذ دون أن يُؤخذ، وكيف يستفيد دون أن يصبح جزءًا من مشروع غيره.
فكم من أمةٍ دخلت باب الحاجة… فخرجت منه فاقدةً لقرارها ولسانها وروحها.
يا أهل الشام…
من صبر على البراميل والحصار، لا يفرّط اليوم بروحه تحت لافتة “الإعمار”.
ومن حفظ المسجد بدمه، ينبغي أن يحفظ معناه وهويته وذاكرته.
فإن أخطر ما تخسره الأمم ليس الحجر… بل المعنى.
استشهادُ القادة في القسام ليس مجرد خسارةٍ ميدانية… بل شهادةٌ على أن الفكرة ما زالت حيّة.
فالحركاتُ التي تموتُ باغتيال قائدها، كانت تختصر نفسها في الأشخاص، أما التي تواصل السير بعد النزيف، فهي حركاتٌ بنت مدرسةً لا فردًا، ومنهجًا لا صورة.
أخطرُ ما يصيب الحركات أن يتحول القائد فيها إلى “استثناء”، لا يمكن تعويضه.
وحين يُقتل… يدخل الجميع في اليتم والارتباك والانهيار.
أما البناء الحقيقي، فهو أن ��كون خلف كل قائدٍ عشراتٌ يحملون الفكرة نفسها، والروح نفسها، والاستعداد نفسه.
وهذا أحد أسرار بقاء القسام رغم حرب الاستنزاف الطويلة.
حماس لم تُبنَ في يومٍ و��حد، ولا بصوتٍ إعلامي، بل بعقودٍ من التربية، والإعداد، وصناعة الرجال.
فالقائد هناك لا يولد لحظة ظهوره في الإعلام، بل يُصنع بصمتٍ طويل:
في المسجد…
والحلقة…
والسجن…
والميدان…
وسنوات البلاء.
ولهذا كلما سقط قائد… خرج من الصف من يحمل الراية دون ضجيج.
الدرس للحركات اليوم:
لا تنشغلوا ببناء المنصات أكثر من بناء الرجال.
فبعض الحركات تمتلك إعلامًا ضخمًا… لكنها تنهار بفقد شخصٍ واحد.
وبعضها محاصرٌ جائع… لكنه يخرج بعد كل ضربةٍ أصلب عودًا وأكثر تماسكًا.
لأن الفارق ليس في الإمكانات… بل في عمق التربية وصناعة القيادات.
القائد الحقيقي ليس الذي يملأ المشهد بن��سه، بل الذي يترك خلفه رجالًا يستطيعون إكمال الطريق إذا غاب.
ولهذا كانت مدرسة القسام عصيّةً على الكسر؛
لأنها لم تُخرّج “نجومًا”… بل خرّجت ورثةَ مشروع.
في زمن الاستعراض، أعادت حماس التذكير بحقيقةٍ قديمة:
أن الأمم لا يحفظها الذكاء وحده، ولا الحماسة وحدها، بل “التراكم التربوي” الطويل الذي يصنع جيلًا يعرف لماذا يقاتل، وكيف يصبر، وكيف ينهض بعد الفقد.
وهذا هو الفارق بين تنظيمٍ يعيش على الأشخاص… وحركةٍ تعيش بالفكرة.
العمل الأردني من سعة اللفظ إلى ثقل المعنى
ليست الحركات الكبيرة تلك التي تُحسن رفع الشعارات، بل التي تُحسن قراءة اللحظة… ثم تُحسن العبور منها.
وما جرى في الأردن—من انتقال “جبهة العمل الإسلامي” إلى “حزب الأمة”—ليس حادثةً إدارية، بل مرونةٌ سبقت الإكراه، وسرعةٌ قطعت طريق التردد،
وحسٌّ سياسي أدرك أن الأبواب تُفتح أحيانًا من جهةٍ أخرى.
لقد فهم القوم أن الفكرة الكبيرة قد تضيق بها كلمة،
فإذا وسّعتها… انطلقت.
وأن الصدام مع الواقع—حيث لا يُجدي—ليس شجاعة، بل استنزاف.
فجاء الاسم الجديد:
سعةً في اللفظ،
وحركةً في الخطاب،
وتموضعًا ذكيًا يفتح آفاقًا أوسع.
لكن الطريق لا يُقاس بخطوة، ولا يُختصر في لافتة.
إن أخطر ما يُصيب الحركات في لحظات التحوّل،
أن تفرح بالعنوان… وتنسى المضمون.
فالاسم “الأمة” واسع .. لكن الاتساع اللفظي لا يُغني إن بقيت الرؤية ضيقة، ولا ينفع إن لم يتحوّل إلى مشروعٍ يُمسك بتفاصيل الواقع.
وقد قرر العلماء في كثير من مواضع أن الاعتبار في العقود والأحكام بمعانيها لا بألفاظها،
الأردن: وطنٌ لا يُختصر… ودائرة لا تُفصل
ليس الاتساع هروبًا من المحلي،
بل إحكامٌ له.
فالأردن ليس مجرد حدود، بل نسيجٌ حيّ:
نبضٌ أردني،
وامتدادٌ فلسطيني،
وعمقٌ شامي.
ومن لم يفهم هذه الدوائر، ظلّ يتحرك على سطح القضية… لا في عمقها، فالمطلوب ليس شعار “الأمة” فقط.. بل مشروع وطني أردني:
يعالج جدل الهويات، ويُرمّم الثقة، ويعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، ويُبقي فلسطين في القلب لا في الهامش، ويقرأ الشام باعتبارها عمقًا لا مجرد جوار.
المراجعة: فريضة الطريق لا ترف المحطات
الحركات التي لا تراجع نفسها، يُراجعها الواقع… بقسوة. والمراجعة ليست ضعفًا، بل شجاعة.
فأين مراجعة الخطاب؟
وأين مراجعة الأدوات؟
وأين مراجعة ترتيب الأولويات؟
إن تغيير الاسم بلا مراجعة، كمن يُبدّل اللافتة… ويترك الأساس متصدّعًا.
إن أخطر ما بعد التحوّل، أن تتغير الأسماء… وتبقى الذهنيات.
فهل البنية التنظيمية قادرة على اس��يعاب التحول؟
هل مراكز القرار مرنة أم جامدة؟
هل جرى تجديد الدماء أم تدويرها؟
إن كثيرًا من الحركات تُحسن إعلان التغيير، لكنها تفشل في إدارته داخليًا.
وفي زمن الازدحام، النجاة ليست بكثرة الحركة،
بل بحسن الاختيار:
• ترميم الداخل قبل التوسع
• بناء الثقة قبل القفز السياسي
• إنتاج نموذج قبل تعميم خطاب
لقد كانت الخطوة — تغيير الاسم — مبادرةً ذكية،
لكن هل تتحول إلى منهج دائم؟
• مبادرة في الحلول لا النقد
• مبادرة في احتضان الطاقات
• مبادرة في صناعة النقاش العام
فالمجتمع لا يتبع من يشرح له الواقع فقط،
بل من يفتح له أفقًا للخروج منه.
والأفكار لا تعيش في المؤتمرات والفعاليات الجماهيرية، بل في الرجال.
ولهذا كل تغييرٍ لا يُنتج جيلًا… مؤقت.
فهل يُبنى جيلٌ جديد يحمل الفكرة؟
أم يُعاد تدوير القديم بوجهٍ جديد؟
لقد تأسس حزب جبهة العمل منذ عام 1992م، أي أن التجربة تجاوزت ثلاثين عامًا.
ثلاثة عقود…
كفيلة أن تُنضج مدرسة،
أو تكشف خللًا.
وهنا الأسئلة التي لا يجوز تأجيلها:
• كم قيادي��ا حقيقيًا أُنتج خلال هذه المسيرة؟
• كم نموذجًا وطنيًا جامعًا خرج من رحمها؟
• هل تحوّلت التجربة إلى مدرسة تُخرّج… أم إطار يُدير نفسه؟
• ما حجم تجديد الدماء في القيادة؟
• أين موقع الشباب في القرار؟
• هل كان الحضور السياسي تأثيرًا… أم تمثيلًا فقط؟
بين القلم والسيف… حيث يُحسن العابرون ال��وازنة
إن أي مشروعٍ يريد أن يعيش، لا بد أن يعرف أن الطريق لا يُمشى بقدمٍ واحدة، وأن من ظنّ أن الكلمة تكفي بلا سند، أو أن السلطان يقوم بلا قبول… فقد أخطأ ميزان السنن.
فهناك قوتان:
قوةٌ تُبنى في النفوس،
وقوةٌ تُدار بها الوقائع.
الأولى: تُلين القلوب، وتُشكّل الوعي، وتغرس الفكرة حتى تصير جزءًا من الناس.
والثانية: تُمسك بزمام القرار، وتحمي المسار، وتمنع الانهيار.
وقد جمع القرآن بينهما في أصلٍ جامع:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: 60]
فهذا أصلٌ في بناء القدرة ��لصلبة: الإعداد، والردع، وامتلاك أسباب المنعة، لا باعتبارها نزوة قتال، بل شرطًا لحماية الجماعة وردّ العدوان.
وفي المقابل:
﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِ��لِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ﴾ [النحل: 125]
وهذا أصلٌ في القوة الناعمة: البيان، والإقناع، وبناء الشرعية الأخلاقية والمعرفية، وكسب النفوس قبل كسب المواقع.
ثم لا يستقيم الأمر بلا نظرٍ في الغايات:
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖ﴾ [الحشر: 18]
فهذا أصلٌ في الرؤية: تخطيط، واستحضار للمآلات، وعدم الارتهان للحظة.
إن الحركات التي تُحسن بناء الوعي ولا تُحسن إدارة الدولة، تبقى صوتًا عاليًا… بلا أثرٍ حاسم.
والتي تمسك بالسلطة دون أن تُجذّر ال��كرة، تحكم زمنًا… ثم تسقط.
والميزان الحق:
أن تُبنى القاعدة في المجتمع، ثم يُتدرّج في النفوذ داخل بنية الدولة، لا بالصدام الذي يستهلك، بل بالكفاءة التي تُثبت، ولا بالضجيج، بل بالحضور الذي يُقنع.
وقد قرر ابن تيمية أن: “ولاية أ��ر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين والدنيا إلا بها”
إذن فإقامة الدين من إقامة الدولة، فلا تمكين بلا سلطان، ولا سلطان بلا مشروعية.
ومن جهة السياسة، فإن توماس هوبز لخّص المعادلة بقوله:
“العقود من غير سيف ليست إلا كلمات”
أي أن القيم إن لم تُحمَ بقوة، بقيت شعارات معلّقة.
وبيّن ماكس فيبر أن:
“الدولة هي الجماعة التي تحتكر الاستخدام المشروع للقوة المادية”
فمن أراد تغييرًا جادًا، لا بد أن يفهم أين تتموضع القوة، وكيف تُكتسب الشرعية داخلها.
وجاء أنطونيو غرامشي ليجمع المعادلة بدقة:
“تتجلى سيادة الجماعة الاجتماعية بطريقتين: الهيمنة القسرية، والقياد�� الفكرية والأخلاقية”
وهذا هو عين ما قرره الوحي قبلهم:
قوةٌ تُرهب،
وحكمةٌ تُقنع،
ورؤيةٌ تُبصر.
غير أن امتلاك الأدوات—مهما كان—لا يُغني إن غابت الرؤية.
فكم من حركةٍ امتلكت الوسائل… فضاعت، لأنها لم تعرف إلى أين تسير.إن الرؤية ليست شعارًا، بل تصورٌ واضح:ما الذي نريد تغييره؟
وكيف؟وفي أي زمن؟
قال تعالى:
﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: 108]
فالبصيرة هنا:رؤية،ووعي،وإدراكٌ بالمآلات .. ولهذا، فإن المشروع الذي يريد التغيير:
لا بد أن يحدد غايته، ويُرتّب مراحله، ويُدرك حدوده، ويقرأ مآلاته قبل أن يخطو.
فإذا اجتمعت:
فكرةٌ تُؤثّر،
وقوةٌ تُدير،
ورؤيةٌ تُبصر…
صار المشروع حيًا.
أما إذا اختلّ واحدٌ منها،
فإما أن يكون صوتًا بلا سلطان،
أو سلطانًا بلا قبول،
أو حركةً بلا وجهة.
وهنا—فقط—يُعرف من يُحسن السير… ممن يكثر الحركة.
إن الطريق لا يُقاس ببداياته، بل بخواتيمه.
فإما أن تتحول هذه اللحظة إلى بناء:
مراجعة عميقة، مشروع وطني صل��،صناعة جيلٍ يفهم متطلبات الواقع… وجيل يساند الطوفان،
وإما أن تبقى لحظة ذكية… في ذاكرة السياسة.
حضور الرئيس الشرع لافتتاح ملعب الفيحاء، وما صاحبه من عرض غنائي صاخب خادش، لا يليق بمقام القيادة ولا بتاريخها ولا بمناصريها، خاصة في زمن الحرب وأوجاع أهلنا في غزة ، سواء كان خطأ المنظمين أو حضر الرئيس أم لم يحضر، لكن المفرح من هذا هو حالة الرفض الواسعة في السوشيال ميديا من الإسلاميين وغيرهم ، فهذا إنكار محمود مادام وفق الأخلاق، ويجب دعمه ليعلم المنظمون أن الناس ترفض الإسفاف ولا تقبل به.
❗️كلمة لا بدّ منها لمنظمي افتتاح صالة الفيحاء.
حضور الرئيس الشرع والوزراء اليوم كان جميلًا، وكلمته موفّقة ودافئة وتركت أثرًا طيبًا.
لكن لا يُمكن تجاهل اختيارات الفقرات "الترفيهية".
(كاتب المقال على مستوى شخصي يعتقد حرمة الموسيقى والرقص جملة وتفصيلا، وما يلي ليس استحلالا أو تقبلا لكننا نخاطب فريق التنظيم بمعاييره).
عالميًا، حين يحضر رئيس دولة أو مستوى رسمي رفيع أي فعالية، تصبح هناك اعتبارات وبديهيات لا بد من احترامها، في ظل وجود بث إعلامي واسع، وعائلات تشاهد، وصورة عامة تُنقل إلى الناس.
حتى في الدول الغربية الأكثر انفتاحًا، تنتبه فرق التنظيم الاحترافية إلى نوع الموسيقى والكلمات والأجواء…
في الولايات المتحدة أو كوريا الجنوبية، لو شُغّلت أغنية مبتذلة أو ذات إيحاءات غير مناسبة أمام رئيس، لرأيت موجة انتقادات واسعة من الإعلام والسياسيين، ولعُدّ ذلك سقوطًا في الذوق وضعفًا في التنظيم.
ف��ا بالكم ببلد عربي مسلم، وما بالكم بقيادة محافظة كقيادة سوريا، وبشعب يغلب عليه التدين والحشمة.
والبلدان العربية تزخر بأمثلة تنظيم فعاليات رياضية عالمية لم ترد فيها أغاني بكلمات من قبيل ما سمعناه اليوم.
Let me work it?!!
يفترض أن تحمل هذه الخيارات احتراما للحضور والمشاهدين عمومًا حتى دون وجود تمثيل رسمي. أما مع حضور اليوم، فالإحراج كان أكبر، وهبوط مستوى الاختيارات وقلة التقدير للمقام لا ينبغي أن يمرّا دون رد فعل ومساءلة من وزارة الرياضة والشباب.
رسالة على د��ب الابتلاء… إلى الدكتور المفكر طارق السويدان، والشيخ الهُمام نبيل العوضي
الحمد لله الذي يبتلي ليصنع، ويأخذ ليعطي، ويغلق بابًا ليفتح أبوابًا، والصلاة والسلام على نبيٍّ ربّى أصحابه في مدرسة المحن قبل أن يسلّمهم مفاتيح التمكين.
أما بعد…
يا صاحبي الدرب…
إن الحدث الذي تعيشانه اليوم ليس قرارًا إداريًا في سجل دولة، بل محطة تربوية في منهاج الدعوة، تُكتب بماء الابتلاء، وتُقرأ بنور البصيرة.
إنها لحظة يختبر الله فيها صدق المعاني التي طالما دُعيتما إليها:
هل كانت الدعوة وطنًا… أم كان الوطن هو سقف الدعوة؟
في أدبيات الدعوة، أن الابتلاء ليس حادثةً عارضة، بل هو أداة إعداد؛
به يُصفّى الصف، وتُختبر الهمم، وتُعاد صياغة النفوس لتكون أقدر على حمل الأمانة.
ألم يُخرَج محمد بن عبد الله ﷺ من مكة؟
ألم يُحاصَر ويُؤذى ويُلاحَق؟
ومع ذلك، لم يكن الخروج انكسارًا، بل كان انتقالًا من طور الاستضعاف إلى طور البناء.
قال تعالى:
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾
وقال ابن القيم رحمه الله:
“أن ابتلاء المؤمن كالدّواء له، يستخرج منه الأدواء التي لو بقيت فيه أهلكته، أو نقصت ثوابه، وأنزلت درجته، فيستخرج الابتلاءُ والامتحانُ منه تلك الأدواء، ويستعدّ به لتمام الأجر وعلوّ المنزلة.”
إغاثة اللهفان (2/935).
سُحبت الجنسية… أم أُطلقت الرسالة؟
إن الذي يُنظر إليه في الظاهر أنه تضييق، هو في منطق الدعوة توسيع للمجال.
فالداعية إذا ضاق به القُطر، اتسعت له الأمة.
وهنا يتجلّى فقه الهجرة:
ليست انتقال جسد، بل تحرير رسالة من قيد المكان.
وفي ه��ا المعنى، يقول سيد قطب في في ظلال القرآن (ج2، تفسير سورة النساء، ص746):
“أما السياق القرآني فيمضي في معالجة النفوس البشرية؛ التي تواجه مشاق الهجرة ومتاعبها ومخاوفها، وتشفق من التعرض لها. وقد عالج��ا في الآيات السابقة بذلك المشهد المثير للاشمئزاز والخوف معًا. فهو يعالجها بعد ذلك ببث عوامل الطمأنينة - سواء وصل المهاجر إلى وجهته أو مات في طريقه - في حالة الهجرة في سبيل الله؛ وبضمان الله للمهاجر منذ أن يخرج من بيته مهاجرًا في سبيله، ووعده بالسعة والمتنفس في الأرض والمنطلق، فلا تضيق به الشعاب والفجاج:
﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾
﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾
وكان الله غفورًا رحيمًا..
إنها صفقة رابحة دون شك، يقبض فيها المهاجر الثمن كله منذ الخطوة الأولى - خطوة الخروج من البيت مهاجرًا إلى الله ورسوله - والموت هو الموت في موعده الذي لا يتأخر، والذي لا علاقة له بهجرة أو إقامة. ولو أقام المهاجر ولم يخرج من بيته لجاءه الموت في موعده، ول��سر الصفقة الرابحة؛ فلا أجر ولا مغفرة ولا رحمة، بل هنالك الملائكة تتوفاه ظالمًا لنفسه! وشتان بين صفقة وصفقة! وشتان بين مصير ومصير!”
ومن هنا… يبدأ الفتح من خارج الحدود
يا دكتور طارق… يا شيخ نبيل…
إن الدعوة اليوم لا تُحبس في جغرافيا، ولا تُختزل في جنسية.
فإن ضاق عليكم منبر، فالعالم كله منبر،
وإن أُغلقت نافذة، فشبكات الناس اليوم أبواب.
وما كان خروج الصحابة من مكة إلا بداية الانتشار، لا نهاية الطريق.
وكأن محمد إقبال يصطف معكما في هذه المحنة ليخبركما:
قلبُنا الخفّاقُ يأبى موطنًا
ريحُه العاصفُ تأبى مسكنًا
ليس من هندٍ ورومٍ قلبُنا
ما سوى الإسلامِ فيه أرضُنا
ثم كأنه يهمس للداعية في محنته:
لا تكن نهرًا من السحب يُمدّ
وكن البحر عُبابًا لا يُحدّ
اقصدن تسخير كل العالم
لترى سلطان أهل العالم
لا يقيدك مقام في الورى
وكن الحوت يسيح الأبحرا
كل من حرر من ذل الجهات
فلك يزهر من كل الجهات
يا صاحبي الدرب…
النهْر — وإن كثر ماؤه — محدودٌ بمجرى، ينتظر من يمدّه، ويجف إن انقطع عنه العطاء.
أما البحر، فهو ذاتيّ الامتداد، عميق، لا يُستوعب ولا يُحاط به.
وأنتما همّكما عالميًا، لا محليًا،
فالدعوة التي تنغلق على قطرٍ تموت،
والدعوة التي ترى نفسها أمة… تحيا وتؤثر.
فلا تجعلا المكان قيدًا على رسالتكما،
ولا المنصب حدًا لطموحكما،
بل كونا كالحوت: يتحرك في كل بحر، بلا حدود.
وهذا عين ما فعله الأنبياء والصحابة:
خرجوا من أوطانهم… فملكوا قلوب العالم.
فمن تحرر من أسر المكان،
ومن قيود الانتماء الضيق،
ومن “ذلّ الجهة” — أي الارتهان لبيئة أو سلطة أو ظرف — فإنه يُفتح له في كل اتجاه.
إن ا��ذي كتب على أنبيائه الخروج، وكتب على أوليائه البلاء،
إنما أراد لهم أن يكونوا أوسع من حدودهم، وأكبر من ظروفهم.
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ﴾
حين يغلب السجع الفهم: ظاهرة صعود الوعّاظ
ليست المشكلة في الوعظ حين يكون تذكيرًا يرقق القلوب ويهذب السلوك، فذلك باب من أبواب الخير عُرف في الأمة، وتوارثه الصالحون جيلاً بعد جيل، وأداه الأئمة والزهاد، من الجنيد البغدادي إلى الحسن البصري، حين كان الوعظ يُبنى على علم، ويصدر عن فقه، ويقود إلى ورع.
لكن الخلل يبدأ —لا من أصل الوعظ— بل من انحرافه عن موضعه، حين يهاجر من محرابه، ويتلبس لبوس “السياسة”، لا بأدواتها المحكمة، ولا بميزانها الدقيق، بل بعاطفتها الجياشة.
في الزمن الأول، كان الواعظ تابعًا للعلم، يسير خلفه، ويهتدي بهديه، ويقف عند حدوده.
واليوم —في كثير من النماذج— انقلبت المعادلة، فأصبح العلم تابعًا للمنصة، يُستدعى حيث يطلب الجمهور، ويُختزل حيث يضيق المقام.
لم يعد معيار ال��أثير رسوخ العلم، ولا دقة الفهم،
بل سرعة الانتشار، وحدة العبارة، وقابلية المقطع للمشاركة.
فتحول الواعظ إلى “مؤثر”،
والخطاب إلى “محتوى”،
والقضية إلى “قصة”.
وفي هذا التحول العميق، لم يعد السؤال الذي يحكم المشهد:
ما الصحيح؟
بل: ما الأكثر تداولًا؟
حين تدخل السياسة بلا أدواتها
السياسة —كما قرر شيخ الإسلام ابن تيمية— بابها النظر في المصالح والمفاسد، وميزانها الترجيح بين الممكنات، لا التعلق بالمثاليات، ولا الارتهان للانفعالات.
لكن الواعظ الإعلامي —حين يخوض غمار السياسة— لا يدخل بهذا الميزان، ولا يحمل هذه الأدوات، بل يدخل بميزان آخر:
ميزان “الحق الو��ضح” الذي لا تعقيد فيه،
و”الباطل المطلق” الذي لا تفصيل معه،
ميزان “نحن” و”هم”،
ميزان “الاصطفاف” لا “الفهم”.
فتتحول القضايا المركبة إلى ثنائيات حادة،
وتُختزل المآلات الطويلة إلى لحظة انفعال عابر.
وهنا يبدأ الانحراف، لا في النية، ولكن في المنهج.
الميزان قبل تنميق العبارة
ومن أخطر ما في هذه الظاهرة أن كثيرًا من هؤلاء الوعاظ يجيدون السجع أكثر مما يجيدون الفهم السياسي؛ يملكون جرس العبارة، ولا يملكون ميزان التحليل، ويحسنون صناعة التأثير، ولا يحسنون قراءة المصالح والمآلات.
فإذا تكلم أحدهم في الشأن العام، جاءك بكلام موزون اللفظ، مضطرب المعنى؛ تطرب له الأذن، لكن يضيق به ميزان التحقيق.
عباراته محكمة النسج، لكنها مفككة المعنى، قوية الإيقاع، ضعيفة الأساس.
يبني جمله على التقابل اللفظي، ويشد جمهوره بثنائيات حادة: نصرة وخذلان، صدق وخيانة، إيمان ونفاق، لكنه لا يقف ليسأل:
ما طبيعة المصلحة هنا؟
ما البدائل الممكنة؟
ما كلفة القرار؟
ما المآل إذا أخذ الشعار على ظاهره؟
وهنا تتجلى آفة “فقه الانفعال”:
أن يحل السجع محل ال��حليل،
وأن تقوم العاطفة مقام المعرفة،
وأن يُستبدل بفقه السياسة الشرعية —القائم على تحقيق المناط، والنظر في المآلات، وموازنة المصالح والمفاسد— خطاب مشحون يكتفي بإثارة الحماسة.
فيخرج الواعظ من مجلس التذكير، حيث موضعه الطبيعي، إلى ميدان التقدير السياسي، وهو لا يحمل عدته، ولا يعرف خرائطه.
فلا يدرك تعقيد الدولة،
ولا تشابك الإقليم،
ولا توازن القوى،
ولا معنى أن تكون القضية بين ضررين، لا بين خير محض وشر محض.
وإنما أقصى ما يملكه أن يشعل الجمهور بعبارة، ثم يتركهم في دخانها.
ومثال ذلك أن تقع نازلة سياسية معقدة، تتداخل فيها اعتبارات الحصار، والتحالف، والضرورة، والضغط الإقليمي، فيأتي الواعظ الإعلامي فيختزلها كلها في سؤال واحد:
“مع من تقف؟”
ثم يبني على هذا السؤال حزمة من الأحكام الجاهزة:
فإن لم يسمع لفظ الإدانة الذي يطلبه، قال: هذا خذلان.
وإن وجد تواصلاً سياسيًا مع طرف مختلف، قال: هذه موالاة.
وإن رأى موازنة بين مفسدتين، عدَّها تمييعًا.
وهكذا تُسحق طبقات الواقع كلها تحت مطرقة العبارة الرنانة.
لماذا تغلب العاطفة؟
ليس لأن الواعظ يريد التضليل،
بل لأن البيئة نفسها تعيد تشكيله.
فالمنصات تضخم ما يُثير،
والجمهور يشارك ما يُغضب أو يُدهش،
والخطاب الهادئ لا يعيش طويلًا في سوق الصخب.
فتنشأ دائرة مغلقة:
انفعال، ثم انتشار، ثم تعزيز، ثم مزيد من ال��نفعال.
حتى يصبح الهدوء ضعفًا،
والتثبت ترددًا،
والتريث خيانة.
ثم يتحول الموقف السياسي إلى تَدين
وهنا مكمن الخطر الحقيق حين لا يُكتفى بتحليل الموقف، بل يُلبس ثوب “الدين”،
فيقال:
هذا موقف شرعي،وذاك خذلان،وهذا نصرة،
وذاك موالاة.
فيرتفع الخلاف من مستوى السياسة إلى مستوى العقيدة.
وقد حذر ابن تيمية من هذا المسلك، حين قال:
“ولا يحل لأحد أن يتكلم في الدين بلا علم…”
وظاهرة الموقف العاطفي وصفه الإمام ابن الصلاح:
“لأن يبطئ ولا يخطئ، خير من أن يعجل فيضل ويضل”
هذا الذي نراه اليوم: فتوى تُصاغ في دقيقة،
وحكم يُبنى على مقطع، وموقف يُعلن قبل تحقق.
فلا فهم للسياق، و��ا نظر في المآل.
وقد نبه ابن القيم إلى أن العالم لا يزينه علمه وحده، بل يزينه حلمه، وأن العجلة والطيش من آفات القول.
بل إن شيخ الإسلام ابن تيمية نفسه قدّم درسًا عظيمًا في فقه المآلات، حين نهى عن إنكار شرب الخمر على التتار، لا إقرارًا له، بل نظرًا إلى ما هو أعظم منه، وهو سفك الدماء.
فهذا هو الفقه…
وهذا هو الميزان…
لا فقه الشعارات.
الفراغ الذي ملأ�� الوعظ
ولا يمكن فهم هذه الظاهرة دون النظر إلى الفراغ.
حين يغيب المفكر،
ويُضيّق على المحلل،
ويُقصى العالم المتخصص،
فإن المنبر لا يبقى فارغًا…
بل يملؤه من يحسن الكلام، لا من يحسن الفهم.
وليس هذا جديدًا في تاريخ الأمة، بل هو سنّة تتكرر كلما غاب العلماء الربانيون، أو أُقصوا، أو حُبسوا، أو خفت صوتهم.
ففي فتنة القول بخلق القرآن، حين أُوذي العلماء وسُجنوا —وفي مقدمتهم أحمد بن حنبل— برزت أصواتٌ لم تكن تملك رسوخهم، وارتفع منبر السلطة على حساب منبر العلم، حتى اختلط على الناس الحق بالباطل، وكاد القول المنحرف أن يصير هو السائد لولا ثبات القلة.
وكذلك في أزمنة الاضطراب السياسي في أواخر الدولة العباسية، حين ضعفت هيبة العلماء، واشتد بطش السلاطين، ومال كثير من أهل القول إلى مسايرة القوة، ظهرت طبقات من الوعاظ والخطباء الذين يرضون العامة بعبارات مؤثرة، ويزينون الواقع بدل أن يفسروه،
وفي عصور الانكسار، كما بعد سقوط بغداد، لم يكن أخطر ما أصاب الأمة هو الهزي��ة العسكرية فقط، بل الفراغ العلمي الذي أعقبها، حيث تراجع أهل التحقيق، وبرز من يكتفي بالتحريض أو التهوين، دون ميزان يضبط القول.
بل إن ابن تيمية نفسه نبه إلى هذه السنة حين بيّن أن غياب أهل العلم يورث تصدّر من لا يُحسن، وأن الفتنة إنما يعظم خطرها حين يتكلم في الدين من ليس من أهله.
وهذا المعنى أكده أيضًا ابن حجر العسقلاني في شرحه لذهاب العلم، حين قرر أن ذهاب العلماء ليس ذهاب أشخاص، بل ذهاب ميزان، فإذا غاب الميزان، تولى الناس رؤوسًا جهالًا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا.
فإذا تقرر هذا، فهمنا أن ما نراه اليوم ليس مجرد ظاهرة إعلامية عابرة، بل هو نتيجة مباشرة لفراغ عميق:
فراغ في العلم،
وفراغ في المنهج،
وفراغ في الصوت المتزن غير المنفعل.
وفي هذا الفراغ، لا يتقدم الأعلم…
بل يتقدم الأقدر على التأثير.
وهنا يتحول الوعظ من تذكير،
إلى قيادة رأي،
ومن ترقيق قلب،
إلى توجيه جمهور.
فقه الانفعال .. ردٌّ على د. نايف
بسم الله الرحمن الرحيم .. تمهيد يضع النقاش في موضعه الصحيح
أول ما يُبتلى به الجدل في زمن الاستقطاب أن يتحوّل من بحثٍ عن الحق إلى إثباتِ غلبةٍ، ومن تحريرٍ للمناط إلى تتبّعٍ للهويّات.
وقد ابتدأتَ – يا دكتور نايف – اعتراضك بنقلِ “وشاية المتابعين” عن وهمّيتي ووضعت اسمي بين علامتيّ تنصيص ، ثم بنيتَ على هذا الظنّ ظنًّا، ثم جعلت ذلك مدخلًا للطعن في المقال قبل دحض حججه .. وهذا المسار لا يخلو من مخالفةٍ لأصلٍ قرآنيّ محكم يأمر باجتناب كثيرٍ من الظن ويحرّم التجسس والغيبة.
والمنهج الذي يُصلح هذا الباب أن تُترك “الشخصنة” ابتداءً، وأن يُجعل معيار الرد هو البرهان لا الهوية؛ لأن الشرع – كما يقرر أهل العلم – يربط الحكم بالدليل لا بالمتكلم، وبالحق لا بانتصار النفس، وهذه ليست “مثالية” بل هي أدبٌ شرعيٌّ يحفظ الجماعة من الفتن، ويمنع انزلاق السياسة إلى الخصومات العقدية.
ثم إنك – وأنت تُلحّ على “تحقيق المناط” – تجعل أولى ما يلزم صاحب الدعوى: إقامة الدليل على ما يدّعيه ... إذ القاعدة النبوية في القضاء والأحكام: “البينة على المدعي”.
وهنا يبرز سؤال لا يمكن تجاوزه: إذا كان بعض المتابعين قادرين على التأثير في زاوية نظرك إلى شخصية الكاتب، حتى جعلت مسألة “من يكتب؟” مدخلًا للنقاش، وقدّمتها على سؤال “ماذا كُتب؟”، فكيف يُطمأن بعد ذلك إلى صلابة ميزانك في قضايا أعقد، تتعلق بتقدير المآلات، والولاءات، والسياسات الكبرى؟ مثل ( قضيتنا حماس وإيران )
ف��ن كان المتابعون – بما يرمون به في وسائل التواصل – قادرين على نقل اهتمامك من الفكرة إلى صاحبها، ومن الحجة إلى هويّة حاملها، فهل يُخشى – والحال كذلك – أن تكون في القضايا المركبة أسير ما يقال لك، أو ما يتكرر أمامك، أو ما تصنعه ضوضاء المنصات؟
أفأنت – يا دكتور – ممن “توديه الكلمة وتجيبه الكلمة”؟
وهل يكفي أن ينتشر قول، أو تتراكم تعليقات، أو تتتابع تقارير إعلامية، حتى تتحول عندك إلى أرضية تحليل، ثم إلى مادة حكم، ثم إلى قاعدة إدانة؟
إن المسألة هنا ليست مسألة حساب شخصي، بل مسألة منهج نظر. لأن من يبدأ من تأثير الانطباع العام في قضية صغيرة، قد ينسحب ذلك عليه – من ح��ث لا يشعر – في القضية الكبيرة.
ومن لم يملك مسافة نقدية بينه وبين ما يقال له في تويتر والمنصات، كيف يُؤمَن عليه أن يزن ملفًا شديد التعقيد، يتداخل فيه الأمن بالعقيدة، والمصلحة بالضرورة، والموقف السياسي بالمآل التاريخي؟
إن من يُحاكم القضايا الكبرى بمنطق الانطباعات المتداولة، لا بمنهج التحقيق والتثبت، يوشك أن ينتقل – دون أن يشعر – من فقه الواقع ��لى التأثر بالواقع، ومن قراءة المشهد إلى الذوبان في ضجيجه.
تحقيق المناط ليس شعارًا بل عبء إثبات
جعلتَ محور ردّك تتهمني “يطلق الأسماء الشرعية بلا تحقيق مناط”، ثم بنيتَ ذلك على دعوى كبيرة تقول إن علاقة حماس بإيران ليست تعاونًا اضطراريًا بل “خضوع سياسي ومالي وعسكري” و“انصهار في مشروع توسعي”.
هذه ليست ألفاظًا تفسيرية؛ هذه ألفاظٌ حاكمة تُرتّب أحكامًا شرعية وأخلاقية خطيرة، ومن ثم فحِملُها عليك – لا على خصمك – أن تُثبت المناط ثبوتًا ظاهرًا لا بالانطباع ولا بالاستنتاج الحرّ.
والواقع التاريخي الذي يدلّ عليه مسار العلاقة بين الطرفين لا يساعدك على هذه الجزمية؛ لأن هذه العلاقة لم تجرِ على وتيرة واحدة، بل شهدت تباعدًا ظاهرًا، ثم قطيعة، ثم عودة، ثم شدًّا وجذبًا، ثم تنسيقًا في ملفات، واختلافًا في أخرى ، وقد وقع الانقسام الحادّ بسبب الموقف من الثورة السورية، وغادرت قيادات الحركة دمشق في مرحلة معروفة، وتحدثت تقارير كثيرة يومها عن تراجع الدعم ال��يراني أو انقطاعه، ثم عاد التقارب بعد ذلك بسنوات في سياقات أخرى.
وهذا التذبذب في الدعم والشدّ والجذب لا ينسجم بسهولة مع صورة “الخضوع المطلق” التي تقررها؛ لأن التبعية الصلبة لا تُنتج عادةً قطيعةً مكلفة بهذا الحجم، ثم ترميمًا لاحقًا بحسب المتغيرات ، وهذا لا ينفي وجود تأثير، ولا ينفي أن “الدعم” قد يكون مشروطًا أو موجّهًا في بعض الأحيان .. لكنه يفرض لغةً أدق: علاقة مصالح، وصراع نفوذ، وتداخل ملفات، لا حكمًا نهائيًا بالذوبان والانصهار دون بينة مفصلة.
بل إن “تحقيق المناط” الذي تستدعيه يوجب التفريق بين مستويات الخطاب داخل الحركة الواحدة: فخطاب الجناح العسكري ��� مثل بيانات كتائب عز الدين القسام التي وصفت الضربات الإقليمية بأنها “امتداد” لمعركة غزة – لا يساوي تلقائيًا قرارًا سياسيًا بالتنازل عن السيادة لصالح دولة راعية.
ومع ذلك فإننا لا نهرب من هذه النصوص: نستوعبها، ونزنها، لكن لا نقفز منها إلى اتهام “الخضوع للمرشد” بلا سلسلة أدلة تُظهر: من يأمر؟ كيف يُلزم؟ ما الذي فُرض وامتُثل؟ وما الذي رُفض؟ هذا هو التحقيق الذي تطلبه ولا تُقيمه.
ومن اللافت – في سياق دعواك أن الحركة لم تستنكر ما يمس “دول الجوار” – أن بيانات ومواقف صادرة عنها أو من محيطها السياسي لم تجرِ على الصورة المطلقة التي قررتها؛ بل جاء في بعض التصريحات ما يتضمن الدعوة إلى تجنب استهداف الدول المجاورة. قد تقول: هذا لا يكفي، أو جاء متأخرًا، أو لا يرفع إشكالات أخرى؛ وهذا نقاش ممكن. لكنّه يهدم القطعيات التي صغتها بصيغة “لم يستنكروا” على إطلاقها.
ويُزاد على ذلك – يا دكتور نايف – ما هو أبلغ في نقض دعواك من جهة التعقيد الواقعي نفسه: ما ذُك�� مؤخرًا على لسان قائد “العصبة الحمراء” في الحكومة السورية، العميد الخطيب، من أن الذي درّبه، وأن بعض قياداته الذين استشهدوا، كانوا في معسكر تدريبي تابع لحماس في القلمون.
فهنا يبرز السؤال الذي يهزّ البناء كله: كيف تكون الحركة – وفق تصويرك – جزءًا ذائبًا في المشروع الإيراني، ثم تكون في الوقت نفسه حاضرةً في تدريب طرفٍ يُقدَّم في الساحة السورية على أنه في قلب الصراع مع ذلك المشروع أو على الضد من امتداداته؟
كيف يستقيم هذا مع دعوى “الانصهار” و“التبعية” و“الخضوع الكامل”؟
أليس هذا المثال وحده كافيًا ليقول لك إن الخرائط الفعلية أعقد من الشعارات، وإن العلاقات في هذا الباب ليست خطًا مستقيمًا، وإن التوصيفات الحادة قد تريح صاحبها خطابًا، لكنها لا تفسر الواقع تفسيرًا صحيحًا؟
هذه هي الموازنات المركبة التي لا يسع فهمها من يتأثر بكلام متابعين تويتر، أو يتعامل مع المشهد عبر ما يُضخّ في المنصات، أو يظن أن كل خط متقاطع لا بد أن يكون تابعًا، وأن كل صلة ل�� بد أن تكون ولاءً، وأن كل دعم لا بد أن يكون ذوبانًا.
فالعالم الواقعي – يا دكتور – لا يُقرأ بهذا التبسيط وبهذه العاطفة ! .
فقه السياسة الشرعية بين الحكم على الفعل والحكم على الواقع
نحن لا نختلف على القاعدة الكبرى التي قررتها في آخر ردك: السياسة ليست خارج سلطان الشرع.
بل هذا أصلٌ صرّح به العلماء؛ ومنه قول ابن القيم في تقرير أن السياسة نوعان: عادلة هي جزء من الشريعة، وباطلة تعارضها.
لكن ال��رق الجوهري الذي أهملته هو التفريق بين أمرين:
الأول: الحكم على “الفعل” (تعاون، تحالف، تصريح، تمويل…): هل هو جائز؟ ممنوع؟ مشروط؟
الثاني: الحكم على “الفاعل” أو “المخالف” (تخوين، تفسيق، رميٌ بالنفاق…): وهو بابٌ آخر يحتاج شروطًا وموانع، ويُسدّ فيه باب التسرع.
ولهذا كان توجيه أهل العلم شديدًا في منع إطلاق الأحكام على الأعيان بلا تحقق: فالنقول عن ابن تيمية المشهورة تؤكد أن من ثبت إسلامه بيقين لا يُزال عنه بالشك، وأن التكفير أو التفسيق على المعيّن لا يكون إلا بعد قيام الحجة وانتفاء الموانع.
فإذا كان هذا في باب التكفير – وهو أقصى الأحكام – فكيف يُستحلّ في باب السياسة أن تُقسّم الخصوم إلى “مؤمنين ومنافقين” كلما وقع خلاف في قراءة المصلحة أو تقدير المآلات؟
إن وجود المنافقين حقيقة قرآنية، لكن تنزيل هذا الوصف على الأعيان بابٌ عظيم الخطر لا يُدار بالعناوين الوعظية ولا بالغضب السياسي.
والقرآن نفسه يجعل معيار الفصل في الخصومات هو العدل ولو مع الخصوم، لا الانجراف مع الشنآن.
في مسألة الولاء والبراء… موضع الخ��ل في اعتراضك
يا دكتور نايف، هنا لبّ المسألة التي توسعتَ فيها لفظًا، وأجملتَها تحقيقًا: مسألة الولاء والبراء.
فأنت – في حقيقة اعتراضك – لم تكتفِ بالحكم على أفعالٍ سياسية معينة، بل انتقلتَ مباشرةً إلى نقلها من دائرة المصلحة والتعامل والضرورة إلى دائرة الولاء المحرّم، ثم بنيت على هذا النقل أحكامًا أوسع: من “الاصطفاف” إلى “الخذلان” إلى “الانصهار” إلى “الوقوع في المشروع الإيراني”. وهنا موضع الخلل المنهجي.
إن الولاء والبراء أصلٌ شرعي ثابت، لا ينكره مسلم، ولكنه بابٌ من أدق الأبواب؛ لأنه يجمع بين أصل عقدي وتنزيل فقهي ، والمشكلة لا تبدأ حين يُذكر هذا الأصل، بل حين يُنزع من سياقه، ويُسلَّط على الوقائع المركبة تسليطًا آليًا، حتى تصير كل علاقة مع طرف منحرف أو مختلف أو معادٍ في بعض الوجوه مساويةً للموالاة، وكل تنسيق أو تقاطع أو قبول دعم مساويًا للذوبان.
وهذا لا يقول به التحقيق، ولا يسنده فقه أهل العلم.
فالولاء المحرم له معنى مضبوط: أن يكون فيه نصرة للعدو على المسلمين، أو محبة لدينه، أو تسليم للقرار، أو انخلاع من هوية الأمة، أو اندماج فعلي في مشروعه المعادي. أما مجرد ��لتعامل، أو الاستفادة، أو التوازن، أو قبول دعم في ظرف ضرورة أو حاجة أو محاصرة، فليس هذا وحده كافيًا لنقله إلى باب الموالاة المحرمة، ما لم تُثبت لوازمه المحرمة ثبوتًا بيّنًا.
ومن هنا يظهر الفرق الذي غاب في اعتراضك بين ثلاثة أبواب:
أولًا: الموالاة المحرمة
وهي ما كان فيها نصرةٌ محرمة، أو تبعيةٌ مفسدة، أو اندراج في مشروع يضاد مصلحة المسلمين على وجه الاندماج والتسليم.
ثانيًا: المعاملة والمصلحة
وهي باب آخر، قد يدخل فيه التنسيق، أو قبول دعم، أو استثمار تناقضات الخصوم، أو التخفف من ضرر أعظم، وهذا الباب لا يُفتح بلا ضابط، لكنه أيضًا لا يُغلق بشعارٍ واحد.
ثالثًا: الاستعانة عند الحاجة أو الضرورة
وهي من أدق المسائل، وقد تكلم فيها الفقهاء، ولم يجعلوها مساوية للموالاة بإطلاق، بل فرّقوا بين استعانة تضبطها المصلحة والحاجة، وبين تبعية تفسد أصل الاستقلال والإرادة.
فإذا كنتَ تزعم – يا دكتور – أن ما وقع قد تجاوز البابين الثاني والثالث إلى الباب الأول، فعليك أن تُثبت ذلك. لا أن ترفعه عنوانًا كبيرًا ثم تطلب من القارئ أن يسلّم لك.
أين الدليل على التسليم؟
أين الدليل على الإلزام؟
أين الدليل على فقدان القرار؟
أين الدليل على أن ال��مر لم يعد تنسيقًا أو مصلحة أو حاجة، بل صار ذوبانًا في إرادة الغير؟
أين الشواهد المفصلة التي تنقلنا من التحليل إلى الإثبات؟
إن تكرار الألفاظ الكبيرة – “خضوع، انصهار، تبعية، اصطفاف” – لا يغني عن إقامة البينة، ولا يحل محل تحقيق المناط ، بل لعل ما يقع هنا هو عكس ما تتهم به غيرك: فأنت الذي نقلت الواقعة من دائرة التوصيف السياسي إلى الحكم العقدي بلا تفصيل كافٍ.
ثم إنك وقعت في خلل آخر أخطر، وهو أنك جعلت “الولاء والبراء” بابًا لتصنيف الخصوم، لا ميزانًا لضبط الوقائع ، فتحوّل هذا الأصل العقدي – في خطابك – من أداة فقهية دقيقة إلى مطرقة خطابية، يُضرب بها كل ما لا يو��فق موقفك، ويُلقى تحتها كل من خالفك في تقدير المصلحة أو المآل.
وهذا من أخطر ما يفسد هذا الباب؛ لأن الولاء والبراء إذا انفصل عن فقه التنزيل، وعن شروط الإثبات، وعن مراعاة المقامات، صار أداة تعبئة سياسية لا أصلًا عقديًا منضبطًا.
والأدهى أنك مارست هذا التوسيع في واقعٍ هو من أعقد الوقائع: واقع شعب محاصر، وسلطة محاصرة، وخيارات محدودة، وضغوط متعددة، وتداخل بين البقاء العسكري والسياسي والإنساني. فبدل أن ي��ون هذا مدعاةً لمزيد من الاحتياط في الحكم، ومزيد من الدقة في التوصيف، ومزيد من التحرز من التعميم، صار – في خطابك – مبررًا لمزيد من الحدة، وكأن تعقيد الواقع يسوّغ تبسيط الأحكام!
فإذا كان المحاصر لا يجد إلا منافذ محدودة، وكان يوازن بين بقائه ونسفه ، وبين تسلحه وتجريده، وبين الحصار الخارجي والضغط الداخلي، فليس من الفقه أن يقال له: كل قبول دعم من هذا الطريق هو موالاة ! ، لأن هذا القول ليس تحريرًا للمسألة، بل إلغاءٌ لفقهها.
والواجب هنا أن يقال:
هل وُجدت مصلحة؟
هل وُجدت ضرورة أو حاجة عامة؟
هل أمكن تقليل المفسدة؟
هل ثبتت نصرة محرمة على المسلمين؟
هل ثبت تسليم الق��ار السيادي؟
هل ثبت الرضا بجرائم الطرف الآخر على وجه التبني والاندماج؟
فإن ثبت هذا كله، صحّ أن يُقال: دخلنا في باب الموالاة المحرمة.
أما قبل ذلك، فالكلام يظل في دائرة السياسة، والمصالح، والمفاسد، والموازنات، لا في دائرة الأحكام العقدية الجازمة.
ومن هنا يتبين أن اعتراضك لم ينجح في إثبات ما أراد إثباته؛ لأنك لم تفصل بين الموالاة والتعامل والاستعانة، ولم تُقم البرهان على انتقال العلاقة من أحدها إلى الآخر، وإنما اكتفيت بتكبير العنوان، ثم ��لبت من القارئ أن يسلّم لك بما في داخله ، وهذا – في ميزان العلم والعدل – لا يكفي.
المصلحة والضرورة بين الضوابط الشرعية والواقع الغزّي
أنت تُقرّ بقاعدة “تصرف الإمام منوط بالمصلحة”، ثم تُسقطها عمليًا حين تصل إلى تطبيقها على قطاع غزة؛ فتجعل كل تصرفٍ سياسي/عسكري للحكومة هناك – بحكم الحصار – مشبوهًا إلا إذا وافق ذوقك السياسي ، وعاطفتك الصادقة إن شاء الله تجاه بلداننا الخليجية حماها الله .
والقاعدة في المصلحة ليست إذنًا مفتوحًا ولا بابًا مغلقًا؛ بل لها ضوابط مقررة: منها أن تكون مصلحة معتبرة شرعًا لا مصادمة للنصوص، وأن تكون من جنس ما قصده الشرع بحفظ الضروريا�� ونحوها.
والشريعة في أصلها مبناها على العدل والرحمة والمصلحة، كما قرره ابن القيم في تقريره المشهور عن كون الشريعة عدلًا ورحمةً وحكمةً، وأن ما خرج عن ذلك فليس من الشريعة وإن أُدخل فيها بالتأويل.
ثم يأتي فقه الموازنة الذي تستشهد به ولا تُنزله: وهو ما قرره العز بن عبد السلام في “قواعد الأحكام” من موازنة المصالح والمفاسد عند التعذر، وأن درء المفسدة الراج��ة مقدم، وأن تحصيل المصلحة الراجحة قد يُلتزم معه مفسدة مرجوحة بشروط. وكذا ما يُنقل عن ابن تيمية في تقرير قاعدة “خير الخيرين وشر الشرين” عند مزاحمة الخيارات.
وعند تنزيل هذا على واقع غزة لا يصح القفز على السياق البنيوي: فالحصار المفروض منذ 2007 وما صاحبه من قيود حركة وتدهور اقتصادي وإنساني موثق، جعل الإقليم يعيش حالة استثنائية طويلة تُحاصر فيها خيارات السلطة والمجتمع معًا.
ومتى كان الواقع كذلك، فإن سؤال “هل هذا اضطرار أم ترف سياسي؟” لا يُجاب عنه بكلمة واحدة، بل بتحقيق:
ما البدائل المتاحة فعلًا؟
وما تكلفة الامتناع؟
وما حدود المفسدة المتوقعة من قبول الدعم؟
وهل يمكن تقليلها أو ضبطها؟
هذا هو فقه الضرورة والحاجة، لا إطلاق “الضرورة مشكوك فيها” دون تفكيك البدائل ومقادير الضرر.
أما قولك إن المصلحة “ملغاة” لأن طريقها “الخضوع لنظام فاسد”، فهذا تعميم يحتاج تحريرًا: فليست كل مصلحةٍ تحصل عبر طرف فاسد مصلحةً ملغاة؛ بل الملغاة ما ناقضت نصًا أو قصدًا شرعيًا قطعيا، أو استلزمت محظورًا لا تُبيحه الضرورة ولا تُضبط حدوده.
وعليه: إن أردتَ الحكم بأن علاقة بعينها “موالاة محرمة” لا “تعاونًا مصلحيًا”، فعليك أن تُثبت لوازمها المحرمة لزوماً لا ينفك: كنصرة العدوان على المسلمين، أو تسليم القرار السيادي، أو اشتراط محرمٍ بعينه لا يُدفع إلا به. وإلا بقي الكلام في دائرة الظنون.
شرعية الحكم في غزة بين الوقائع الانتخابية والواقع المنقسم
تجاوزتَ سريعًا مسألة كون الحركة “حكومة منتخبة” وقلت: فيها نقاش طويل لا يتسع له المقال. لكن هذا التجاوز هو قلب الإشكال في أصل المقال الذي تردّ عليه؛ لأن جزءًا من الاعتراض كان على “ازدواج المعيار”: حين يُسمح للدول بما لا يُسمح لسلطةٍ ت��كم إقليمًا وتدير حياة ملايين.
فالوقائع الانتخابية ليست رأيًا: لقد دخلت الحركة إلى السلطة عبر انتخابات معروفة، ثم وقع الانقسام الداخلي الفلسطيني وسيطرت على غزة في سياق نزاع مركب، فأصبحت تدير إقليمًا محاصرًا، وتقوم بوظائف السلطة والحكومة والإدارة.
وهذا لا يعني أن كل ما تفعله معصوم أو مشروع بالضرورة، لكنه يعني أن النظر إليها لا يصح أن يكون نظرًا إلى “جماعة مجردة” خارج حسابات السلطة والحكم والمسؤولية والاضطرار، بل إلى كيانٍ يمارس حكمًا فعليًا في ظروف استثنائية.
ومن هنا كان لزامًا على من يريد النقاش الجاد ألا يقفز فوق هذه الخلفية؛ بل يناقش على ضوئها:
ما معنى “الشرعية” هنا؟
وما حدودها؟
وكيف تُحاكم تصرفات سلطةٍ في حصار ممتد؟
وأين تقف المصلحة والضرورة؟
أما القفز فوق هذه الأسئلة ثم إصدار حكم “تبعية وخضوع” فهو اختصارٌ مخلّ لا “تحقيق منـاط”.
ميزان واحد لا بموازين متبدلة
يا دكتور… إن كان مطلبك “تحقيق المناط” فابدأ به في دعواك قبل خصمك:
أثبت ما ادّعيتَه من “الخضوع” ببيّنة مفصلة، وميّز بين خطاب تعبوي وحقيقة سيادة، وبين تحالف مصلحي وتنازلٍ عن القرار.
وإن كان مطلبك “تحكيم الشرع��� فاجعل من الشرع أوله العدل وآخره العدل:
لا يجرمنّك شنآن خصومك على ألا تعدل، ولا يجرمنّك غضب السياسة على إسقاط الناس في خانة النفاق والتخذيل بلا برهان.
ولا تجعل رأي المتابعين، ولا ضغط المنصات، ولا تكرار الخطاب الإعلامي، مدخلًا إلى تكوين أحكامك في المسائل الكبار؛ لأن من لم يملك نفسه أمام ضجيج الوسائط، عسر عليه أن يملك ميزانه أمام تعقيد الوقائع.
ولئن كانت السياسة تُدار بالمصالح، فالمصلحة ليست كلمةً تُرفع على فريق وتُسحب من فريق؛ بل ميزانٌ واحد:
ما ثبتت مصلحته شرعًا ورجحت مآلاته قُبل بضوابطه،
وما ثبتت مفسدته ورجحت أضراره رُدّ بضوابطه.
فليس كل علاقة موالاة،
ولا كل تعاون خيانة،
ولا كل اجتهاد اصطفافًا،
ولا كل اختلاف في تقدير المآل سقوطًا في معسكرٍ معادٍ.
هكذا يكون فقه الواقع… لا فقه الانفعال.
فقه الانفعال .. ردٌّ على د. نايف
بسم الله الرحمن الرحيم .. تمهيد يضع النقاش في موضعه الصحيح
أول ما يُبتلى به الجدل في زمن الاستقطاب أن يتحوّل من بحثٍ عن الحق إلى إثباتِ غلبةٍ، ومن تحريرٍ للمناط إلى تتبّعٍ للهويّات.
وقد ابتدأتَ – يا دكتور نايف – اعتراضك بنقلِ “وشاية المتابعين” عن وهمّيتي ووضعت اسمي بين علامتيّ تنصيص ، ثم بنيتَ على هذا الظنّ ظنًّا، ثم جعلت ذلك مدخلًا للطعن في المقال قبل دحض حججه .. وهذا المسار لا يخلو من مخالفةٍ لأصلٍ قرآنيّ محكم يأمر باجتناب كثيرٍ من الظن ويحرّم التجسس والغيبة.
والمنهج الذي يُصلح هذا الباب أن تُترك “الشخصنة” ابتداءً، وأن يُجعل معيار الرد ��و البرهان لا الهوية؛ لأن الشرع – كما يقرر أهل العلم – يربط الحكم بالدليل لا بالمتكلم، وبالحق لا بانتصار النفس، وهذه ليست “مثالية” بل هي أدبٌ شرعيٌّ يحفظ الجماعة من الفتن، ويمنع انزلاق السياسة إلى الخصومات العقدية.
ثم إنك – وأنت تُلحّ على “تحقيق المناط” – تجعل أولى ما يلزم صاحب الدعوى: إقامة الدليل على ما يدّعيه ... إذ القاعدة النبوية في القضاء والأحكام: “البينة على المدعي”.
وهنا يبرز سؤال لا يمكن تجاوزه: إذا كان بعض المتابعين قادرين على التأثير في زاوية نظرك إلى شخصية الكاتب، حتى جعلت مسألة “من يكتب؟” مدخلًا للنقاش، وقدّمتها على سؤال “ماذا كُتب؟”، فكيف يُطمأن بعد ذلك إلى صلابة ميزانك في قضايا أعقد، تتعلق بتقدير المآلات، والولاءات، والسياسات الكبرى؟ مثل ( قضيتنا حماس وإيران )
فإن كان المتابعون – بما يرمون به في وسائل التواصل – قادرين على نقل اهتمامك من الفكرة إلى صاحبها، ومن الحجة إلى هويّة حاملها، فهل يُخشى – والحال كذلك – أن تكون في القضايا المركبة أسير ما يقال لك، أو ما يتكرر أمامك، أو ما تصنعه ضوضاء المنصات؟
أفأنت – يا دكتور – ممن “توديه الكلمة وتجيبه الكلمة”؟
وهل يكفي أن ينتشر قول، أو تتراكم تعليقات، أو تتتابع تقارير إعلامية، حتى تتحول عندك إلى أرضية تحليل، ثم إلى مادة حكم، ثم إلى قاعدة إدانة؟
إن المسألة هنا ليست مسألة حساب شخصي، بل مسألة منهج نظر. لأن من يبدأ من تأثير الانطباع العام في قضية صغيرة، قد ينسحب ذلك عليه – من حيث لا يشعر – في القضية الكبيرة.
ومن لم يملك مسافة نقدية بينه وبين ما يقال له في تويتر والمنصات، كيف يُؤمَن عليه أن يزن ملفًا شديد التعقيد، يتداخل فيه الأمن بالعقيدة، والمصلحة بالضرورة، والموقف السياسي بالمآل التاريخي؟
إن من يُحاكم القضايا الكبرى بمنطق الانطباعات المتداولة، لا بمنهج التحقيق والتثبت، يوشك أن ينتقل – دون أن يشعر – من فقه الواقع إلى التأثر بالواقع، ومن قراءة المشهد إلى الذوبان في ضجيجه.
تحقيق المناط ليس شعارًا بل عبء إثبات
جعلتَ محور ردّك تتهمني “يطلق الأسماء الشرعية بلا تحقيق مناط”، ثم بنيتَ ذلك على دعوى كبيرة تقول إن علاقة حماس بإيران ليست تعاونًا اضطراريًا بل “خضوع سياسي ومالي وعسكري” و“انصهار في مشروع توسعي”.
هذه ليست ألفاظًا تفسيرية؛ هذه ألفاظٌ حاكمة تُرتّب أحكامًا شرعية وأخلاقية خطيرة، ومن ثم فحِملُها عليك – لا على خصمك – أن تُثبت المناط ثبوتًا ظاهرًا لا بالانطباع ولا بالاستنتاج الحرّ.
والواقع التاريخي الذي يدلّ عليه مسار العلاقة بين الطرفين لا يساعدك على هذه الجزمية؛ لأن هذه العلاقة لم تجرِ على وتيرة واحدة، بل شهدت تباعدًا ظاهرًا، ثم قطيعة، ��م عودة، ثم شدًّا وجذبًا، ثم تنسيقًا في ملفات، واختلافًا في أخرى ، وقد وقع الانقسام الحادّ بسبب الموقف من الثورة السورية، وغادرت قيادات الحركة دمشق في مرحلة معروفة، وتحدثت تقارير كثيرة يومها عن تراجع الدعم الإيراني أو انقطاعه، ثم عاد التقارب بعد ذلك بسنوات في سياقات أخرى.
وهذا التذبذب في الدعم والشدّ والجذب لا ينسجم بسهولة مع صورة “الخضوع المطلق” التي تقررها؛ لأن التبعية الصلبة لا تُنتج عادةً قطيعةً مكلفة بهذا الحجم، ثم ترميمًا لاحقًا بحسب المتغيرات ، وهذا لا ينفي وجود تأثير، ولا ينفي أن “الدعم” قد يكون مشروطًا أو موجّهًا في بعض الأحيان .. لكنه يفرض لغةً أدق: علاقة مصالح، وصراع نفوذ، وتداخل ملفات، لا حكمًا نهائيًا بالذوبان والانصهار دون بينة مفصلة.
بل إن “تحقيق المناط” الذي تستدعيه يوجب التفريق بين مستويات الخطاب داخل الحركة الواحدة: فخطاب الجناح العسكري – مثل بيانات كتائب عز الدين القسام التي وصفت الضربات الإقليمية بأنها “امتداد” لمعركة غزة – لا يساوي تلقائيًا قرارًا سياسيًا بالتنازل عن السيادة لصالح دولة راعية.
ومع ذلك فإننا لا نهرب من هذه النصوص: نستوعبها، ونزنها، لكن لا نقفز منها إلى اتهام “الخضوع للمرشد” بلا سلسلة أدلة تُظهر: من يأمر؟ كيف يُلزم؟ ما الذي فُرض وامتُثل؟ وما الذي رُفض؟ هذا هو التح��يق الذي تطلبه ولا تُقيمه.
ومن اللافت – في سياق دعواك أن الحركة لم تستنكر ما يمس “دول الجوار” – أن بيانات ومواقف صادرة عنها أو من محيطها السياسي لم تجرِ على الصورة المطلقة التي قررتها؛ بل جاء في بعض التصريحات ما يتضمن الدعوة إلى تجنب استهداف الدول المجاورة. قد تقول: هذا لا يكفي، أو جاء متأخرًا، أو لا يرفع إشكالات أخرى؛ وهذا نقاش ممكن. لكنّه يهدم القطعيات التي صغتها بصيغة “لم يستنكروا” على إطلاقها.
ويُزاد على ذلك – يا دكتور نايف – ما هو أبلغ في نقض دعواك من جهة التعقيد الواقعي نفسه: ما ذُكر مؤخرًا على لسان قائد “العصبة الحمراء” في الحكومة السورية، العميد ��لخطيب، من أن الذي درّبه، وأن بعض قياداته الذين استشهدوا، كانوا في معسكر تدريبي تابع لحماس في القلمون.
فهنا يبرز السؤال الذي يهزّ البناء كله: كيف تكون الحركة – وفق تصويرك – جزءًا ذائبًا في المشروع الإيراني، ثم تكون في الوقت نفسه حاضرةً في تدريب طرفٍ يُقدَّم في الساحة السورية على أنه في قلب الصراع مع ذلك المشروع أو على الضد من امتداداته؟
كيف يستقيم هذا مع دعوى “الانصهار” و“التبعية” و“الخضوع الكامل”؟
أليس هذا المثال وحده كافيًا ليقول لك إن الخرائط الفعلية أعقد من الشعارات، وإن العلاقات في هذا الباب ليست خطًا مستقيمًا، وإن التوصيفات الحادة قد تريح صاحبها خطابًا، لكنها لا تفسر الواقع تفسيرًا صحيحًا؟
هذه هي الموازنات المركبة التي لا يسع فهمها من يتأثر بكلام متابعين تويتر، أو يتعامل مع المشهد عبر ما يُضخّ في المنصات، أو يظن أن كل خط متقاطع لا بد أن يكون تابعًا، وأن كل صلة لا بد أن تكون ولاءً، وأن كل دعم لا بد أن يكون ذوبانًا.
فالعالم الواقعي – يا دكتور – لا يُقرأ بهذا التبسيط وبهذه العاطفة ! .
فقه السياسة الشرعية بين الحكم على الفعل والحكم على الواقع
نحن لا نختلف على القاعدة الكبرى التي قررتها في آخر ردك: السياسة ليست خارج سلطان الشرع.
بل هذا أصلٌ صرّح به العلماء؛ ومنه قول ابن القيم في تقرير أن السياسة نوعان: عادلة هي جزء من الشريعة، وباطلة تعارضها.
لكن الفرق الجوهري الذي أهملته هو التفريق بين أمرين:
الأول: الحكم على “الفعل” (تعاون، تحالف، تصريح، تمويل…): هل هو جائز؟ ممنوع؟ مشروط؟
الثاني: الحكم على “الفاعل” أو “المخالف” (تخوين، تفسيق، رميٌ بالنفاق…): وهو بابٌ آخر يحتاج شروطًا وموانع، ويُسدّ فيه باب التسرع.
ولهذا كان توجيه أهل العلم شديدًا في منع إطلاق الأحكام على الأعيان بلا تحقق: فالنقول عن ابن تيمية المشهورة تؤكد أن من ثبت إسلامه بيقين لا يُزال عنه بالشك، وأن التكفير أو التفسيق على المعيّن لا يكون إلا بعد قيام الحجة وانتفاء الموانع.
فإذا كان هذا في باب التكفير – وهو أقصى الأحكام – فكيف يُستحلّ في باب السياسة أن تُقسّم الخصوم إلى “مؤمنين ومنافقين” كلما وقع خلاف في قراءة المصلحة أو تقدير المآلات؟
إن وجود المنافقين حقيقة قرآنية، لكن تنزيل هذا الوصف على الأعيان بابٌ عظيم الخطر لا يُدار بالعناوين الوعظية ولا بالغضب السياسي.
والقرآن نفسه يجعل معيار الفصل في الخصومات هو العدل ولو مع الخصوم، لا الانجراف مع الشنآن.
في مسألة الولاء والبراء… موضع الخلل في اعتراضك
يا دكتور نايف، هنا لبّ المسألة التي توسعتَ فيها لفظًا، وأجملتَها تحقيقًا: مسألة الولاء والبراء.
فأنت – في حقيقة اعتراضك – لم تكتفِ بالحكم على أفعالٍ سياسية معينة، بل انتقلتَ مباشرةً إلى نقلها من دائرة المصلحة والتعامل والضرورة إلى دائرة الولاء المحرّم، ثم بنيت على هذا النقل أحكامًا أوسع: من “الاصطفاف” إلى “الخذلان” إلى “الانصهار” إلى “الوقوع في المشروع الإيراني”. وهنا موضع الخلل المنهجي.
إن الولاء والبراء أصلٌ شرعي ثابت، لا ينكره مسلم، ولكنه بابٌ من أدق الأبواب؛ لأنه يجمع بين أصل عقدي وتنزيل فقهي ، والمشكلة لا تبدأ حين يُذكر هذا الأصل، بل حين يُنزع من سياقه، ويُسلَّط على الوقائع المركبة تسليطًا آليًا، حتى تصير كل علاقة مع طرف منحرف أو مختلف أو معادٍ في بعض الوجوه مساويةً للموالاة، وكل تنس��ق أو تقاطع أو قبول دعم مساويًا للذوبان.
وهذا لا يقول به التحقيق، ولا يسنده فقه أهل العلم.
فالولاء المحرم له معنى مضبوط: أن يكون فيه نصرة للعدو على المسلمين، أو محبة لدينه، أو تسليم للقرار، أو انخلاع من هوية الأمة، أو اندماج فعلي في مشروعه المعادي. أما مجرد التعامل، أو الاستفادة، أو التوازن، أو قبول دعم في ظرف ضرورة أو حاجة أو محاصرة، فليس هذا وحده كافيًا لنقله إلى باب الموالاة المحرمة، ما لم تُثبت لوازمه المحرمة ثبوتًا بيّنًا.
ومن هنا يظهر الفرق الذي غاب في اعتراضك بين ثلاثة أبواب:
أولًا: الموالاة المحرمة
وهي ما كان فيها نصرةٌ محرمة، أو تبعيةٌ مفسدة، أو ��ندراج في مشروع يضاد مصلحة المسلمين على وجه الاندماج والتسليم.
ثانيًا: المعاملة والمصلحة
وهي باب آخر، قد يدخل فيه التنسيق، أو قبول دعم، أو استثمار تناقضات الخصوم، أو التخفف من ضرر أعظم، وهذا الباب لا يُفتح بلا ضابط، لكنه أيضًا لا يُغلق بشعارٍ واحد.
ثالثًا: الاستعانة عند الحاجة أو الضرورة
وهي من أدق المسائل، وقد تكلم فيها الفقهاء، ولم يجعلوها مساوية للموالاة بإطلاق، بل فرّقوا بين استعانة تضبطها المصلحة والحاجة، وبين تبعية تفسد أصل الاستقلال والإرادة.
فإذا كنتَ تزعم – يا دكتور – أن ما وقع قد تجاوز البابين الثاني والثالث إلى الباب الأول، فعليك أن تُثبت ذلك. لا أن ترفعه عنوانًا كبيرًا ثم تطلب من القارئ أن يسلّم لك.
أين الدليل على التسليم؟
أين الدليل على الإلزام؟
أين الدليل على فقدان القرار؟
أين الدليل على أن الأمر لم يعد تنسيقًا أو مصلحة أو حاجة، بل صار ذوبانًا في إرادة الغير؟
أين الشواهد المفصلة التي تنقلنا من التحليل إلى الإثبات؟
إن تكرار الألفاظ الكبيرة – “خضوع، انصهار، تبعية، اصطفاف” – لا يغني عن إقامة البينة، ولا يحل محل تحقيق المناط ، بل لعل ما يقع هنا هو عكس ما تتهم به غيرك: فأنت الذي نقلت الواقعة من دائرة التوصيف السياسي إلى الحكم العقدي بلا تفصيل كافٍ.
ثم إنك وقعت في خلل آخر أخطر، وهو أنك جعلت ��الولاء والبراء” بابًا لتصنيف الخصوم، لا ميزانًا لضبط الوقائع ، فتحوّل هذا الأصل العقدي – في خطابك – من أداة فقهية دقيقة إلى مطرقة خطابية، يُضرب بها كل ما لا يوافق موقفك، ويُلقى تحتها كل من خالفك في تقدير المصلحة أو المآل.
وهذا من أخطر ما يفسد هذا الباب؛ لأن الولاء والبراء إذا انفصل عن فقه التنزيل، وعن شروط الإثبات، وعن مراعاة المقامات، صار أداة تعبئة سياسية لا أصلًا عقديًا منضبطًا.
والأدهى أنك مارست هذا التوسيع في واقعٍ هو من أعقد الوقائع: واقع شعب محاصر، وسلطة محاصرة، وخيارات محدودة، وضغوط متعددة، وتداخل بين البقاء العسكري والسياسي والإنساني. فبدل أن ��كون هذا مدعاةً لمزيد من الاحتياط في الحكم، ومزيد من الدقة في التوصيف، ومزيد من التحرز من التعميم، صار – في خطابك – مبررًا لمزيد من الحدة، وكأن تعقيد الواقع يسوّغ تبسيط الأحكام!
فإذا كان المحاصر لا يجد إلا منافذ محدودة، وكان يوازن بين بقائه ونسفه ، وبين تسلحه وتجريده، وبين الحصار الخارجي والضغط الداخلي، فليس من الفقه أن يقال له: كل قبول دعم من هذا الطريق هو موالاة ! ، لأن هذا القول ليس تحريرًا للمسألة، بل إلغاءٌ لفقهها.
والواجب هنا أن يقال:
هل وُجدت مصلحة؟
هل وُجدت ضرورة أو حاجة عامة؟
هل أمكن تقليل المفسدة؟
هل ثبتت نصرة محرمة على المسلمين؟
هل ثبت تسليم ال��رار السيادي؟
هل ثبت الرضا بجرائم الطرف الآخر على وجه التبني والاندماج؟
فإن ثبت هذا كله، صحّ أن يُقال: دخلنا في باب الموالاة المحرمة.
أما قبل ذلك، فالكلام يظل في دائرة السياسة، والمصالح، والمفاسد، والموازنات، لا في دائرة الأحكام العقدية الجازمة.
ومن هنا يتبين أن اعتراضك لم ينجح في إثبات ما أراد إثباته؛ لأنك لم تفصل بين الموالاة والتعامل والاستعانة، ولم تُقم البرهان على انتقال العلاقة من أحدها إلى الآخر، وإنما اكتفيت بتكبير العنوان، ثم طلبت من القارئ أن يسلّم لك بما في داخله ، وهذا – في ميزان العلم والعدل – لا يكفي.
المصلحة والضرورة بين الضوابط الشرعية والواقع الغزّي
أنت تُقرّ بقاعدة “تصرف الإمام منوط بالمصلحة”، ثم تُسقطها عمليًا حين تصل إلى تطبيقها على قطاع غزة؛ فتجعل كل تصرفٍ سياسي/عسكري للحكومة هناك – بحكم الحصار – مشبوهًا إلا إذا وافق ذوقك السياسي ، وعاطفتك الصادقة إن شاء الله تجاه بلداننا الخليجية حماها الله .
والقاعدة في المصلحة ليست إذنًا مفتوحًا ولا بابًا مغلقًا؛ بل لها ضوابط مقررة: منها أن تكون مصلحة معتبرة شرعًا لا مصادمة للنصوص، وأن تكون من جنس ما قصده الشرع بحفظ الضروريات ونحوها.
والشريعة في أصلها مبناها على العدل والرحمة والمصلحة، كما قرره ابن القيم في تقريره المشهور عن كون الشريعة عد��ًا ورحمةً وحكمةً، وأن ما خرج عن ذلك فليس من الشريعة وإن أُدخل فيها بالتأويل.
ثم يأتي فقه الموازنة الذي تستشهد به ولا تُنزله: وهو ما قرره العز بن عبد السلام في “قواعد الأحكام” من موازنة المصالح والمفاسد عند التعذر، وأن درء المفسدة الراجحة مقدم، وأن تحصيل المصلحة الراجحة قد يُلتزم معه مفسدة مرجوحة بشروط. وكذا ما يُنقل عن ابن تيمية في تقرير قاعدة “خير الخيرين وشر الشرين” عند مزاحمة الخيارات.
وعند تنزيل هذا على واقع غزة لا يصح القفز على السياق البنيوي: فالحصار المفروض منذ 2007 وما صاحبه من قيود حركة وتدهور اقتصادي وإنساني موثق، جعل الإقليم يعيش حالة استثنائية طويلة تُحاصر فيها خيارات السلطة والمجتمع معًا.
ومتى كان الواقع كذلك، فإن سؤال “هل هذا اضطرار أم ترف سياسي؟” لا يُجاب عنه بكلمة واحدة، بل بتحقيق:
ما البدائل المتاحة فعلًا؟
وما تكلفة الامتناع؟
وما حدود المفسدة المتوقعة من قبول الدعم؟
وهل يمكن تقليلها أو ضبطها؟
هذا هو فقه الضرورة والحاجة، لا إطلاق “الضرورة مشكوك فيها” دون تفكيك البدائل ومقادير الضرر.
أما قولك إن المصلحة “ملغاة” لأن طريقها “الخضوع لنظام فاسد”، فهذا تعميم يحتاج تحريرًا: فليست كل مصلحةٍ تحصل عبر طرف فاسد مصلحةً ملغاة؛ بل الملغاة ما ناقضت نصًا أو قصدًا شرعيًا قطعيا، أو استلزمت محظورًا لا تُبيحه الضرورة ولا تُضبط حدوده.
وعليه: إن أردتَ الحكم بأن علاقة بعينها “موالاة محرمة” لا “تعاونًا مصلحيًا”، فعليك أن تُثبت لوازمها المحرمة لزوماً لا ينفك: كنصرة العدوان على المسلمين، أو تسليم القرار السيادي، أو اشتراط محرمٍ بعينه لا يُدفع إلا به. وإلا بقي الكلام في دائرة الظنون.
شرعية الحكم في غزة بين الوقائع الانتخابية والواقع المنقسم
تجاوزتَ سريعًا مسألة كون الحركة “حكومة منتخبة” وقلت: فيها نقاش طويل لا يتسع له المقال. لكن هذا التجاوز هو قلب الإشكال في أصل المقال الذي تردّ عليه؛ لأن جزءًا من الاعتراض كان على “ازدواج المعيار”: حين يُسمح للدول ب��ا لا يُسمح لسلطةٍ تحكم إقليمًا وتدير حياة ملايين.
فالوقائع الانتخابية ليست رأيًا: لقد دخلت الحركة إلى السلطة عبر انتخابات معروفة، ثم وقع الانقسام الداخلي الفلسطيني وسيطرت على غزة في سياق نزاع مركب، فأصبحت تدير إقليمًا محاصرًا، وتقوم بوظائف السلطة والحكومة والإدارة.
وهذا لا يعني أن كل ما تفعله معصوم أو مشروع بالضرورة، لكنه يعني أن النظر إليها لا يصح أن يكون نظرًا إلى “جماعة مجردة” خارج حسابات السلطة والحكم والمسؤولية والاضطرار، بل إلى كيانٍ يمارس حكمًا فعليًا في ظروف استثنائية.
ومن هنا كان لزامًا على من يريد النقاش الجاد ألا يقفز فوق هذه الخلفية؛ بل يناقش على ضوئها:
ما مع��ى “الشرعية” هنا؟
وما حدودها؟
وكيف تُحاكم تصرفات سلطةٍ في حصار ممتد؟
وأين تقف المصلحة والضرورة؟
أما القفز فوق هذه الأسئلة ثم إصدار حكم “تبعية وخضوع” فهو اختصارٌ مخلّ لا “تحقيق منـاط”.
ميزان واحد لا بموازين متبدلة
يا دكتور… إن كان مطلبك “تحقيق المناط” فابدأ به في دعواك قبل خصمك:
أثبت ما ادّعيتَه من “الخضوع” ببيّنة مفصلة، وميّز بين خطاب تعبوي وحقيقة سيادة، وبين تحالف مصلحي وتنازلٍ عن القرار.
وإن كان مطلبك “تحكيم الشرع” فاجعل من الشرع أوله العدل وآخره العدل:
لا يجرمنّك شنآن خصومك على ألا تعدل، ولا يجرمنّك غضب السياسة على إسقاط الناس في خانة النفاق والتخذيل بلا برهان.
ولا تجعل رأي المتابعين، ولا ضغط المنصات، ولا تكرار الخطاب الإعلامي، مدخلًا إلى تكوين أحكامك في المسائل الكبار؛ لأن من لم يملك نفسه أمام ضجيج الوسائط، عسر عليه أن يملك ميزانه أمام تعقيد الوقائع.
ولئن كانت السياسة تُدار بالمصالح، فالمصلحة ليست كلمةً تُرفع على فريق وتُسحب من فريق؛ بل ميزانٌ واحد:
ما ثبتت مصلحته شرعًا ورجحت مآلاته قُبل بضوابطه،
وما ثبتت مفسدته ورجحت أضراره رُدّ بضوابطه.
فليس كل علاقة موالاة،
ولا كل تعاون خيانة،
ولا كل اجتهاد اصطفافًا،
ولا كل اختلاف في تقدير المآل سقوطًا في معسكرٍ معادٍ.
هكذا يكون فقه الواقع… لا فقه الانفعال.
@AlRashedAhd الله الله يا أحمد.
عندما قرأتُ ردك الأول، تساءلتُ: هل يمكن أن أقرأ نصاً بهذه السلاسة والتما��ك؟
لكنني قرأتُ ردك هذا الذي فاق الأول تماسكاً، وقوةً، وسلاسة..
أنصحُ الشيخ بأن يدعك وشأنك، فلا قِبَل له بك أبداً."
@Dralajmey أخي الكريم، لست حسابًا وهميًا ولا صوتًا مستعارًا، بل إنسانٌ باسمه وعقله ومسؤوليته.
وما كتبتُه أتحمّله ظاهرًا لا خفية فيه.
فإن أردت النقاش فمرحبا بك على الفكرة والحجة، لا على الظنون والتشكيك.
بيان مجلة المجتمع، الذي يعبّر عن الجناح التربوي الدعوي في التيار الإسلامي المحسوب على مدرسة الإخوان، لم يعد يتحرك في فضاء مفتوح كما كان، بل في بيئة تضيق فيها المساحات، وتُدفع فيها القوى دفعًا إلى تبنّي لغة حادّة، قائمة على المفاصلة، وكأنها محاولة مستعجلة لإثبات التموضع وتجنّب الاتهام.
غير أن هذه اللغة، رغم حدّتها الظاهرة، لا تعبّر عن قوّة بقدر ما تكشف عن مأزق عميق: مأزق الموازنة بين الحفاظ على الهوية، والانخراط في شروط واقع سياسي جديد يفرض إيقاعه وأدواته.
فالخطاب هنا لا ينتج عن ثقة، بل عن ضغط؛ ولا يُبنى على سعة أفق، بل على ضيق خيارات.
وفي المحصلة، لا خلاف على أن الأوطان أولى وأحقّ بالرعاية، لكن الأوطان القوية لا تُدار بالخوف من تعدد المواقف، ولا تحتاج إلى فرض قراءة واحدة للأحداث
أما حين يتحول كل اختلاف إلى خيانة، فذلك ليس تعبيرًا عن صلابة داخلية، بل هو أقصر الطرق لإضعاف الجبهة الداخلية قبل مواجهة أي خطر خارجي.
حين يتحدث قائد أول عملية للعصائب الحمراء والقائد الحالي للفرقة 44 في الجيش السوري العميد محمد الخطيب عن دور قيادات من حماس في بناء الكفاءات العسكرية، فنحن أمام حقيقة ميدانية لا تُقاس ببيانات إعلامية سياسية.
الميدان له منطقه، وله أسراره التي لا تُنشر.
المؤسف أن البعض يحاكم الوقائع بعاطفة أو بيان، فيُخوّن ويُصنّف وكأنه يملك الصورة كاملة.
السياسة صبرٌ وبصيرة، لا انفعال واستعجال.
ولهذا من يختزل المشهد في بيان أبو عبيدة
فهو يقرأ السطح ويجهل العمق.
يا جماعة
فلنقرأ بهدوء
و لنتعاون فيما اتفقنا عليه
و يعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه
هذا مثلاً نقاش مهم بين رأيين
فلنقرأهما و نشارك بالرأي دون تجريح أو تشكيك أو سب أو شتم
#هذا_ديننا
أحمد الرشيد:
"لقد تعوّدنا –في زمن الفتن– أن تختلط المفاهيم: فتُجعل السياسة عقيدة، والمصلحة خيانة، والاضطرار موالاة... وهذا الذي وقع فيه الدكتور الفاضل نايف العجمي... وإن الأمة لا تُهزم حين يَقل سلاحها، بل حين يختل ميزانها."