طَبيبُُ أُقلّب الصفحات كمن يُقلّب جروحه، أحفظ الألم كأنه لغة أمي… أركض خلف معنى الحياة في عيون من تُطفئهم النهاية، وأتعلّم كيف أضع ضمادًا على أرواح غيري، بينما روحي تنزف ولا أحد يراها.
ثمّة لحظة ينخلع فيها المرء من ذاته القديمة، حين يتيقّن أنّ ما ظنّه خلاصًا لم يكن سوى قيد آخر. يكتشف أنّ ساحة الصراع لم تكن في الخارج قط، بل في طبقات النفس التي شيّدتها الجراح. عندها يفهم أنّ السلام ليس غنيمة تُنتزع، بل ثمرة يُربّيها في صمت، بعد أن يدفن أسلحته في تربة الندم.
استيقظت، لا صوت في المكان إلا تنفّسي المتقطع. الستائر نصف مغلقة، والشمس تتسلل كأنها تخجل من دخول هذا اليوم. لا قهوة، لا وجه مألوف، لا رسالة تنتظرني. فقط الفراغ، يملأ الفضاء كما يملأ صدري.
في كلِّ شُرُوق يولد الإنسان من فكرة ويبعثُ من توبة، أودِّع الأمس كثوبٍ بال وأستق��ل الغد كعَهدٍ مع الضوء، لا أحتسبُ ما مضى إلا زِمامًا لما هو آتٍ فالنضج ليس عدّ الليالي بل حِكمة العبور فيها.
اللهم بصيرةً تليقُ بالمسير.
قبل أن تكتبي حضورك على جبيني
كانت الحياة قاسية بلا ملامح
كأنها عقوبة مؤجلة كأنها طريق لا يؤدي
كنتُ أتعثّر بي وأسقط فيّي وأقوم بي
أما الآن
فأجلس إليك، لا لأنك هنا
بل لأن قلبي صدق أنك آتية
وأن الدفء الذي يربت على كتفي
هو ��لكِ يمرّ بي قبل أن تولدي.
يا ابنتي التي لم تأتِ
أغنّي لك التهويدة التي خبأتها للعتمة
أرتّق بها صمتي وأحنّي بها وجعي
كنتُ رجلاً يشبه الفراغ
أحمل وجوهاً لا تشبهني وأعبر أياماً لا تُشبهك
كنتُ أعيش لا لأني أردت، بل لأن لا أحد سألني إن كنت أريد …
الحربُ الأخيرةُ اشتعلت
تنهارُ تحتها خرائطُ الأرض، وتتآكلُ أسماءُ المدن كما يأكلُ الصدأُ الحديد
السماءُ تمطرُ رمادًا، والريحُ تعوي بلُغةٍ لا يفهمها إلا من فقد كلَّ شيء
ومع ذلك، لا وجهَ لكِ في الجنازات، لا ظلّ في الركام، لا صوتَ في الصدى
كأنكِ كنتِ الوعدَ الذي تأخّره القيامة .