3⃣ نظرية موجات إليوت
رياضيات الموجات، أم رياضيات الأمنيات؟
اسم رالف نيلسون إليوت
Ralph Nelson Elliott
المدرسة التي يُسبّب أتباعها أكبر قدر من الإزعاج🤦♂️
يثير عند المتداول العربي مزيجاً من الإجلال والحيرة. الموجات الخمس الصاعدة، والثلاث الهابطة، والأنماط المتداخلة. الموجة الدافعة والموجة التصحيحية. الموجة الكبرى التي تحوي موجات أصغر، وهذه تحوي موجات أصغر منها، إلى ما لا نهاية. كأن السوق متاهة هندسية مرسومة بدقة سابقة الوجود.
🌊 المروّجون يقولون إن إليوت اكتشف "قانون الطبيعة" نفسه. وأن بنية الأسواق فراكتالية، تطيع نفس النظام الذي يحكم القواقع والمجرّات. وأن من يتقن الموجات يستطيع التنبّؤ بقمم وقيعان السوق قبل وقوعها.
لكن الحقيقة، حين تتجاوز التسويق، أكثر تواضعاً وأقل إثارة. ومن أبرز نقّاد النظرية محلّل فني محترم اسمه ديفيد آرونسون، وصف نظرية ��ليوت بأنها "ليست نظرية شرعية، بل قصّة". قصة ممتعة، لكنها قصّة.
🧓 من هو إليوت؟
رالف نيلسون إليوت كان محاسباً أمريكياً مولوداً ��ام 1871 في كانساس. عاش حياة مهنية عادية في إعادة هيكلة شركات السكك الحديدية في المكسيك وأمريكا الوسطى، حتى عُيّن عام 1924 رئيساً للحسابات في حكومة نيكاراغوا حين كانت تحت الاحتلال الأمريكي.
🦠 في تلك الفترة، أصاب إليوت طفيليّ معوي حاد التقطه من البيئة الاستوائية، تطوّر لديه إلى فقر دم وبيل، وأرغمه على التقاعد عام 1929 وهو في الثامنة والخمسين، طريح الفراش لسنوات.
هنا تبدأ القصة الفعلية. خلال سنوات المرض الطويلة، احتاج إليوت إلى ما يشغل عقله، فبدأ يدرس بيانات سوق الأسهم. حلّل مؤشر داو جونز الصناعي ومؤشر السكك الحديدية، على أُطر زمنية تمتدّ من السنوية حتى نصف الساعة، عبر خمسة وسبعين عاماً من البيانات. وفي عام 1938 نشر كتابه الأول
The Wave Principle
ثم تطوّرت أفكاره خلال سنوات أخيرة من ��ياته إلى عمله النهائي عام 1946:
Nature's Law: The Secret of the Universe
ومات بعد عامين، عام 1948، تاركاً نظرية كانت ستُنسى لولا رجل واحد أعاد بعثها بعد ثلاثين عاماً.
🔮 روبرت بريتشر: من بعث الأسطورة من رمادها
عمل روبرت بريتشر
Robert Prechter
في أواخر السبعينات محلّلاً فنياً في ميريل لينش، وهناك تعرّف على أعمال إليوت. لم تكن كتب إليوت متوفرة حتى في مكتبة الكونغرس، فاضطرّ بريتشر للبحث في مكتبة نيويورك العامة عن نسخ ميكروفيلمية.
ثم فعل ما لم يفعله أحد من قبل: حوّل نظرية إليوت من فضول تاريخي إلى صناعة نشر متكاملة. أسّس عام 1979 نشرته الشهيرة
The Elliott Wave Theorist
التي ما زالت تصدر شهرياً حتى اليوم. وحين تنبّأ في 1980 بانعكاس طويل الأجل في الذهب، وفي 1982 بـ"سوق ثور كبير في الأسهم"، وتحقّقت توقعاته، صعد نجمه. فاز ببطولة التداول الأمريكية عام 1984 بعائد قياسي بلغ 444 بالمئة. سمّته شبكة الأخبار المالية "غورو العقد" للثمانينات. وفي أعقاب الإثنين الأسود في أكتوبر 1987، قفز عدد المشتركين في نشرته إلى عشرين ألفاً.
كانت هذه ذروة الأسطورة. ومنها بدأ السقوط.
📉 السجلّ الكارثي
السؤال البسيط الذي يجب أن يطرحه أي عاقل قبل أن يتبنّى نظرية: هل صاحبها يجني المال منها فعلاً؟
سجلّ بريتشر، الذي تتبّعه تقرير
Hulbert Financial Digest
على مدى عقود، يكشف صورة قاتمة. على مدى عشرين عاماً تنتهي في سبتمبر 2005، حقّقت محفظة المتداول التابعة لنشرة بريتشر خسارة سنوية بلغت 18.1 بالمئة سنوياً.
💸 ثمانية عشر بالمئة. كل عام. لمدة عشرين عاماً... تخيل!
في الفترة بين 2002 و2012، ظلّ بريتشر سلبياً تجاه السوق تقريباً طوال الوقت. كانت توصياته تخسر بمعدّل 18.1 بالمئة سنوياً، بينما كان السوق نفسه يصعد بأكثر من 12 بالمئة.
في يونيو 2010 توقّع بريتشر أن مؤشر داو جونز سيهبط إلى أقل من ألف نقطة بحلول 2016، وأن الأسواق تشهد "هبوطاً من درجة دورة كبرى، الأكبر منذ 1720-1784". لم يحدث شيء من هذا. وصل داو جونز عام 2024 إلى أكثر من 41 ألف نقطة.
📰 في 1993 نشرت
The Wall Street Journal
مقالاً على صفحتها الأولى عنوانه: "روبرت بريتشر يرى داو جونز عند 3600، لكن بعد ست سنوات من الموعد". أي أن توقّعه عام 1987 صحّ، لكن التوقيت كان متأخراً ست سنوات. والتوقيت في التداول هو كل شيء.
🪐 الانتقاد الفلسفي: قصّة لا نظرية
أقسى نقد لنظرية إليوت لم يأتِ من محلّل خصم، بل من زميل مهنة. ديفيد آرونسون
David Aronson
محلّل فنّي معتمد، وصاحب كتاب
Evidence-Based Technical Analysis
كتب جملة سيُذكر بها طويلاً:
"مبدأ موجات إليوت، كما يُمارَس شعبياً، ليس نظرية شرعية، بل قصّة. وهي قصّة مقنعة، يرويها بأسلوب بليغ روبرت بريتشر. وما يجعلها مقنعة بشكل لافت هو قدرة النظرية الظاهرية على ملاءمة أي مقطع من تاريخ السوق، حتى أصغر تذبذباته. أزعم أن هذه القدرة تنبع من قواعدها الفضفاضة، ومن إمكانية افتراض عدد كبير من الموجات المتداخلة بأحجام مختلفة. هذا يمنح محلّل إليوت نفس المرونة التي كانت تمنحها لعلماء الفلك ما قبل كوبرنيكوس قدرة على تفسير حركات الكواكب، رغم أن نظريّتهم القائلة بمركزية الأرض كانت خاطئة من أساسها."
التشبيه عميق. علماء الفلك ما قبل كوبرنيكوس لم يكونوا أغبياء. كانوا قادرين على تفسير كل ظاهرة فلكية رصدوها، بأن يُضيفوا "أفلاكاً تدويرية"
epicycles
كلما واجهتهم ظاهرة لا تتفق مع نظريتهم. النظرية كانت "تعمل"، بمعن�� أنها تفسّر كل شيء، لكنها كانت خاطئة بالكامل.
موجات إليوت تفعل الشيء ذاته. لو لم يطابق سلوك السوق التوقّع، يقول المحلّل إن الموجة من "درجة أصغر"، أو أنها "موجة ممتدّة"، أو أن "الترقيم البديل هو الصحيح". وفي النهاية، لا توجد حركة سعر يمكن أن تُكذّب النظرية. وهنا تقع المشكلة.
🧪 معيار بوبر
الفيلسوف كارل بوبر وضع معياراً واضحاً يميّز بين العلم والادّعاء. يسمّى معيار
Falsifiability
أي قابلية النظرية للتكذيب. النظرية العلمية يجب أن تخبرك مسبقاً بشروط فشلها. لو لم تستطع أن تقول لي "إذا حدث كذا، فنظريتي خاطئة"، فأنت لا تقدّم نظرية. بل تقدّم سرديّة.
نظرية إليوت تفشل في هذا الاختبار بشكل قاطع. اسأل أي محلّل موجات: ما هو السيناريو الذي إذا حدث، تعترف فيه بأن النظرية خطأ؟ ستحصل في كل مرة على إجابات من نوع: "النظرية صحيحة دائماً، فقط نحن أحياناً نخطئ في عدّ الموجات".
أي نظرية لا يمكن أن تكون خطأ، ليست صحيحة. هي ببساطة خارج دائرة العلم.
📊 اختبار باتشلور ورمضار على نسب فيبوناتشي في الموجات
نظرية إليوت لا تقوم على شكل الموجات وحدها، بل على نسب رياضية محدّدة بينها مستمدّة من فيبوناتشي. ادّعى إليوت ومن جاؤوا بعده أن الموجة الثالثة تساوي 1.618 من الأولى، وأن التصحيح يأخذ 38.2 أو 61.8 بالمئة، وهكذا.
دراسة باتشلور ورمضار التي ذكرتُها في تغريدة فيبوناتشي اختبرت هذه الادّعاءات تحديداً على بيانات داو جونز عبر 88 عاماً. النتيجة: لا فرق إحصائي بين تواتر نسب فيبوناتشي بين موجات السعر، وبين ما تتوقّعه الصدفة.
ردّ بريتشر على الدراسة كان مهذّباً ومراوغاً. قال إن الباحثين "اختبروا اتجاهات مرشّحة، لا موجات إليوت بالمعنى الدقيق". لكن هذا الردّ نفسه يكشف المشكلة الجوهرية. إذا لم يكن من الممكن تحديد الموجات بشكل موضوعي يقبل الاختبار، فالنظرية ليست قابلة للتكذيب. وإذا لم تكن قابلة للتكذيب، فهي ليست نظرية����♂️.
👥 الذاتية المطلقة
اعطِ خمسة محلّلي موجات نفس الشارت. ستحصل على خمسة أعدادات موجات مختلفة. وكل واحد منهم سيدافع عن قراءته بثقة. ولن تستطيع أن تحكم بينهم، لأن النظرية لا تقدّم قاعدة موضوعية لتفضيل قراءة على أخرى.
حتى أنصار النظرية يعترفون ضمنياً بهذا. كتاب فروست وبريتشر الكلاسيكي يقول حرفياً إن "تفسيرين أو أكثر للموجات ��كونان عادةً مقبولين في الوقت نفسه". يعني أن النظرية، باعترافها، لا تنتج توقّعاً واحداً، بل عدة سيناريوهات، ثم تتيح لك أن تختار "الأكثر احتمالاً" بحدسك. وهذا تماماً ما يفعله الفلكي قبل كوبرنيكوس.
🎯 اعتراض ذكي وإجابته
سيقول قائل: ولكن بريتشر تنبّأ بقمة 2000 وقاع 2009. هذا صحيح. لكن في الفترة نفسها، أعطى توصيات بيع متعدّدة في يوليو 2009 ونوفمبر 2009 ويناير 2010 وأبريل 2010، كلها كانت خاطئة وأدّت إلى خسائر كبيرة لمن اتّبعها.
التوقّع الصحيح المعزول لا يعني نظرية ناجحة. أي محلّل ينشر مئات التوقّعات سيُصيب بعضها بمحض الصدفة. الاختبار الحقيقي هو السجلّ الإجمالي على المدى ا��طويل. وسجلّ بريتشر، بكل تفاصيله المنشورة كان كارثياً.
كذلك يُذكر أن المتداول الأسطوري بول تيودور جونز استخدم موجات إليوت في بداياته في الثمانينات. لكن في سنوات لاحقة، تخلّى عنها كمصدر للنجاح، ولم يعد يذكرها كأداة محورية. لو كانت النظرية مفتاحاً حقيقياً للسوق، فلماذا تخلّى عنها أع��م متداول استخدمها؟
💎 ما الذي تقدّمه نظرية إليوت فعلاً؟
بعيداً عن التطبيق، فيها فكرة واحدة قيّمة. أن السوق يعكس سيكولوجية الجموع، وأن هذه السيكولوجية تتحرّك في موجات بين الخوف والطمع، وأن البشر يميلون إلى تكرار الأنماط السلوكية. هذه ملاحظة صحيحة.
المشكلة أن من هذه الملاحظة الصحيحة، قفز إليوت ومن جاؤوا بعده إلى ادّعاء أن السوق يطيع نمطاً رياضياً محدّداً قابلاً للتنبّؤ بدقة عددية. وهذه قفزة منطقية لا يدعمها أي دليل تجريبي.
ملاحظة "البشر يخافون ويطمعون" لا تنتج حتمياً "السوق يتحرّك في خمس موجات صعوداً وثلاث هبوطاً بنسب 0.618".
⚖️ الخلاصة
موجات إليوت ليست خدعة بالمعنى الفظ. هي محاولة جادّة من رجل ذكي ومريض، استخدم وقت تقاعده القسري لاستكشاف نمط في بيانات السوق. هذا يستحق التقدير.
لكن النظرية، كما تُمارس اليوم، تحوّلت إلى صناعة تربح من بيع الأمل والغموض. أكبر مروّجيها أنفسهم خسروا 18 بالمئة سنوياً لعقدين. ودراسة جامعية رصينة على ثمانية وثمانين عاماً من بيانات داو جونز لم تجد دليلاً إحصائياً واحداً على نسب إليوت. وأهم نقّادها، ديفيد آرونسون، حسم الأمر بأنها "قصّة، لا نظرية".
🎓 من يبيعك دورة في موجات إليوت اليوم بألف دولار، سجلّه التداولي شبه مؤكّد أنه لا يوجد. ولو وُجد، لما احتاج إلى بيع الدورة من الأصل.
السوق ليس فراكتالاً منتظماً. السوق فوضى احتمالية، فيها أنماط جزئية يمكن استغلالها بميزة إحصائية صغيرة، وإدارة مخاطر صارمة، وتقبّل أن نصف الصفقات ستفشل. هذا ليس مغرياً، لكنه الحقيقي👌.
من اشترى إليوت نظرية ينتظر منها التنبّؤ، اشترى وعداً لا يُسلّم. ومن أراد جواباً عن السؤال "ماذا سيحدث غداً؟"، سيجد عند بريتشر وأمثاله إجابة. لكنها الإجابة الخطأ، في معظم الأحيان.
❓ سؤال للقارئ: لو عرضتُ على متداولَين محترفَين شارتاً واحداً، وحصلتُ منهما على خمسة تفسيرات مختلفة تماماً للموجات، أيّهما الصحيح؟ وكيف تعرف؟ وإن لم تستطع أن تعرف، فهل ما تستخدمه أصلاً نظرية؟
📚 المصادر
David Aronson, Evidence-Based Technical Analysis (Wiley, 2006)
Roy Batchelor & Richard Ramyar, Magic Numbers in the Dow (Cass Business School, 2005/2006)
Mark Hulbert, تتبّع سجلّ Elliott Wave Financial Forecast في Hulbert Financial Digest، عبر تقارير MarketWatch المتعدّدة (2005-2010)
CXO Advisory, Robert Prechter: 100-Year Bear?، تقييم تفصيلي لتوقّعاته (2002-2012)
The Wall Street Journal (أغسطس 1993)
A.J. Frost & Robert Prechter, Elliott Wave Principle: Key to Market Behavior (1978)
R.N. Elliott, Nature's Law: The Secret of the Universe (1946)
Brent Penfold, The Universal Principles of Successful Trading (Wiley, 2010)
2⃣ وليام جان
أعظم متداول في التاريخ، أم أعظم مسوِّق؟
في كل منتدى تداول عربي، وفي كل دورة تعليمية مدفوعة، وعلى كل قناة تليجرام تبيع "أسرار السوق"، يتكرر اسم واحد بنبرة شبه مقدّسة:
وليام جان.
الرجل الذي يقولون إنه استخرج من الأسواق أكثر من خمسين مليون دولار. الذي تنبّأ بالحربين العالم��تين. الذي وصلت نسبة نجاح صفقاته إلى تسعين بالمئة. والذي تحمل مربّعاته وزواياه شيفرة الكون كله.
هذا ما يقولونه. لكن حين تتجاوز طبقة التسويق وتنزل إلى الوثائق الفعلية، تكتشف أن الأسطورة بُنيت على وهم.
والأخطر: أن أقرب الناس إلى الرجل، ابنه ومروّجه الشخصي، هم أنفسهم من فكّكوا الحكاية.
👨👦 الشهادة الأولى: من ابنه
في كتابه الشهير
Trading for a Living
نشر الدكتور ألكسندر إلدر تفاصيل مقابلة أجراها مع جون جان، ابن وليام، الذي كان يعمل محلّلاً ماليّاً في أحد بنوك بوسطن. قال له الابن بصراحة لافتة إن والده الشهير لم يكن قادراً على إعالة أسرته من التداول، وإن دخله الفعلي كان يأتي من تأليف الكتب وبيع الدورات التعليمية.
ثم تأتي الضربة القاضية: حين توفي جان عام 1955، كانت قيمة تركته كلها، بما فيها بيته، تزيد قليلاً عن مئة ألف دولار.
💰 مئة ألف دولار. هذه تركة "أعظم متداول في التاريخ" بعد نصف قرن في الأسواق.
علما أن ابنه لم يكن يستخدم زوايا الأب في تحليله المالي ومصدر دخله الوحيد في الوقت الذي تتعلمه أنت على يد المسوقين!
📢 الشهادة الثانية: من مروّجه الشخصي
قد يقول ��ائل: ربما الابن كان على خلاف مع والده، وأراد فضحه بعد موته. وهذا الاعتراض في محله جزئياً، فقد وقعت بالفعل قطيعة بين الرجلين بعد محاولة فاشلة للعمل سوياً.
لكن الرواية لا تتوقف عند الابن. ولا تنتهي بقصة عائلية.
في كتابه
The Right Stock at the Right Time
روى المتداول الشهير لاري ويليامز أنه التقى شخصياً برجل اسمه:
F.B. Thatcher
وهذا الرجل لم يكن خصماً لجان، ولا منافساً، ولا حتى محايداً. كان مروّجه الشخصي ومسؤول الدعاية له لسنوات. كان يعيش هو نفسه على أسطورة جان.
ومع ذلك، أكّد ثاتشر للاري ويليامز، عبر مراسلات استمرت خمس سنوات قبل وفاته، أن جان كان مسوّقاً ماهراً، لا متداولاً ماهراً.
وفي اللقاء ذاته مع ابن جان، طرح ويليامز عليه السؤال الذي يطرح نفسه: إذا كان والدك بهذه العبقرية المزعومة، فلماذا تجلس أنت في بنك في بوسطن تتّصل بالعملاء واحداً واحداً لتقنعهم بفتح حسابات تداول؟
ولم يكن للابن جواب😅.
🔢 الشهادة الثالثة: من الأرقام نفسها
في كتابهما المرجعي
Technical Analysis
أشار شار��ز كيركباتريك وجولي دالكويست إلى أن جان ترك التعليم النظامي في السادسة عشرة من عمره، وأن حياته اللاحقة شملت زيجات متعددة، وإنفاقاً مظهرياً على طائرات ويخوت ومضاربات، وأن أتباعه يروّجون لقصص ثروات ضخمة لا تدعمها أي وثيقة رسمية. ثم يذكران تفصيلاً مهماً: أنه باع خدمته الاستشارية أكثر من مرة، وأنه مات بأصول قليلة.
✈️ وحين عجز أتباع جان عن إنكار رقم المئة ألف دولار، اخترعوا رواية بديلة طريفة: أن جان كان ينقل أمواله نقداً، عبر طائراته الخاصة، إلى أمريكا الجنوبية، ليودعها في حسابات سرّية هرباً من الضرائب الأمريكية.
تأمّل ما حدث هنا: مدافعو جان أنفسهم لم يجدوا من سبيل لإنقاذ أسطورته إلا بتصويره مهرّب أموال ومتهرّب ضريبي. وكل ذلك دون أن يقدّموا وثيقة واحدة تدعم الحكاية.
📰 ماذا عن مقابلة 1909 الشهيرة؟
سيرفع أحدهم يده ويقول: لكن هناك مقابلة موثّقة، نُشرت عام 1909 في مجلة
Ticker and Investment Digest
أجراها ريتشارد ويكوف، وفيها أن جان نفّذ 286 صفقة في 25 يوماً، نجحت 264 منها، أي بنسبة 92 بالمئة.
الحادثة حدثت ونُشرت فعلاً، نعم. لكن ثلاث ملاحظات تنزع عنها هالة الإعجاز.
1⃣ أولاً، الناشر ريتشارد ويكوف كان صاحب مجلة تجارية تربح من إثارة الفضول حول "عباقرة وول ستريت". ساهم بنفسه في صناعة أسطورة جان، فهو مستفيد من الرواية، لا مراقب محايد لها👌.
2⃣ ثانياً، الشاهد الذي راقب الصفقات شخصياً كان رجلاً اسمه ويليام جيلي، يعمل مفتّشاً للجمارك في نيويورك. مفتّش جمارك. لا هيئة تدقيق محاسبي، ولا سجلات وسيط رسمية متاحة للعموم تُثبت الأرقام.
3⃣ ثالثاً، حتى لو سلّمنا بكل ما نُشر دون اعتراض، فعينة 25 يوماً لا تعني شيئاً إحصائياً. أي متداول قد يحقق نتائج خرافية في فترة قصيرة بفعل الصدفة وحدها، والمستقبل وحده هو الذي يفصل بين الموهبة والحظ على المدى الطويل.
ولو كانت طريقة جان قادرة فعلاً على تحقيق 92 بالمئة بشكل مستدام، لكانت تركته خمسين مليار دولار، لا مئة ألف❗️.
📐 النقد المنهجي: لماذا تبدو أدواته "ناجحة" أحياناً؟
تجاوزاً عن السيرة الشخصية، الأدوات التي تركها جان (الزوايا، ومربع التسعة، والمراوح الزمنية) تعاني من ثلاث آفات منهجية معروفة في علم الإحصاء وعلم النفس المعرفي.
🔍 انحياز ما بعد الحدث
Hindsight Bias
ترسم على الشارت عشرات الخطوط بزوايا متعددة، فلا بدّ أن السعر سيلامس واحدة منها في وقت ما. حين يحدث ذلك يصرخ المروّجون: "انظروا، السعر ارتدّ من زاوية جان"، ويتجاهلون عشرات الخطوط الأخرى التي اخترقها السعر دون أي احترام يُذكر😅.
🎯 انحياز البقاء
Survivorship Bias
الناس تتذكر التوقعات التي تحققت وتنسى التي فشلت. قناة التليجرام تنشر صفقة جان الرابحة، ولا تنشر التسع الخاسرة التي سبقتها بأسبوع.
🌫️ الغموض المتعمَّد
كتابات جان مليئة بالخلط بين الرياضيات والتنجيم والترميز الديني. روايته الشهيرة
The Tunnel Thru the Air
مكتوبة بشيفرة يقول أتباعه إن أسرار السوق مدفونة فيها. هذا الغموض يخدم وظيفة واحدة فقط: إذا فشلت طريقتك في التطبيق، فالمشكلة ليست في الطريقة، بل فيك أنت. لم تفهم الدورة الزمنية الصحيحة. أو أخطأت في حساب زاوية الميل. أو لم تقرأ الكتاب المناسب من بين عشرات كتبه.
أي طريقة لا يمكن إثبات خطئها، ليست طريقة علمية أصلاً، بل عقيدة. كارل بوبر قال ��ذا قبل قرن👌.
⚖️ الخلاصة
وليام جان لم يكن غشّاشاً بالضرورة، لكنه كان مسوّقاً ذكياً جداً، عاش في زمن وول ستريت الكلاسيكي حيث الأسطورة تُصنع بمقابلة واحدة في مجلة، وحيث لا قواعد بيانات لتدقيق سجلات التداول.
ترك للأجيال اللاحقة مساهمة حقيقية واحدة: تنبيهه إلى أن سيكولوجية المتداول، أي الخوف والطمع والأمل، هي ما يحرّك الأسواق فعلاً. هذه فكرة قيّمة وصحيحة لليوم.
أما الأرقام السحرية والمربعات والزوايا، فقد عجزت عن أن تُغني صاحبها نفسه من الفقر النسبي عند وفاته. ومن لم تُغنه طريقته، فكيف ستُغني من اشترى دورته بألفي دولار؟
⚰️ موت جان عن مئة ألف دولار ليس تفصي��اً عابراً يمكن القفز فوقه. هو الحكم النهائي على طريقته، صدر عن السوق نفسه، الذي لا يجامل أحداً.
⚖️ هل تم تدقيق التركة فعلاً؟
هنا نقطة دقيقة تستحق التوضيح. رقم المئة ألف دولار لم يُنشَر مع صورة من وثيقة محكمة الإرث، بل اعتمد على شهادة جون جان لألكسندر إلدر. في المقابل، نشر بعض المدافعين عن جان (أمثال Clif Droke وJames Hyerczyk) ادّعاءً مضاداً بأن التركة كانت ت��يد عن خمسة ملايين دولار، استناداً إلى "ملفات ضريبية" لم يقدّموا منها أي صورة موثّقة بدورهم.
أي أن الفريقين يعتمدان على شهادات منقولة، لا على وثائق منشورة. لكن الميزان يميل بوضوح ضد رواية الخمسة ملايين، لسبب قانوني بسيط: لو كانت التركة بهذا الحجم، ولو كانت قد آلت بالكامل إلى زوجة جان الثالثة (التي كانت أصغر منه بثلاثين عاماً ومحلّ خلاف مع أبنائه)، لرفع جون جان دعوى قضائية لتقسيم الإرث. مثل هذه القضية كانت ستترك أثراً قانونياً عاماً يسهل تتبّعه.
🔇 لا توجد قضية كهذه. الصمت القانوني الكامل حول تركة جان هو في حدّ ذاته دليل قوي على أنها كانت تركة متواضعة، أقرب إلى رواية الابن منها إلى رواية المدافعين.
هذه التركيبة، في القانون الأمريكي، تنتج دائماً قضية..... دائماً.
تأمّل ما يحدث حين يموت ثري حقيقي:
🛩️ هوارد هيوز مات عام 1976 تاركاً تركة قُدّرت بملياري دولار. ظهر أكثر من 600 شخص يدّعون قرابته، وقُدّمت إلى المحاكم 40 وصية مزوّرة. استمرّ النزاع القضائي أربعة وثلاثين عاماً، حتى عام 2010. وصلت بعض ��عاواه إلى المحكمة العليا الأمريكية. وقامت ولايتا تكساس وكاليفورنيا برفع دعاوى بمبالغ ضرائب وصلت إلى مئتي مليون دولار.
🎤 برينس مات عام 2016 بدون وصية، تاركاً 156 مليون دولار. ظهر فوراً ستة وأربعون شخصاً يدّعون قرابته، واستمرّ النزاع ست سنوات في المحاكم.
🎙️ جيمس براون، "أب الروح"، مات عام 2006 وتاركاً وصية واضحة. ومع ذلك تحوّلت تركته إلى ميدان معركة بين أفراد عائلته وأطفال غير شرعيين مزعومين، استمرّت عقداً كاملاً.
💋 آنا نيكول سميث خاضت معركة قضائية على تركة زوجها الراحل ج. هوارد مارشال (1.6 مليار دولار)، وصلت إلى المحكمة العليا الأمريكية مرّتين، واستمرت حتى بعد وفاتها هي نفسها.
النمط واضح. أي تركة أمريكية ضخمة، تُنتج فوراً سحابة من القضايا المُوثّقة قانونياً.
🤔 فأين قضية تركة جان؟
لا توجد. أبداً. لا قضية ابتدائية، ولا استئنافية، ولا حتى عريضة احتجاج رسمية.
ابن جان جون، ذاته الذي تحدّث للصحفيين والكتّاب بمرارة عن والده، لم يرفع دعوى واحدة. لم يدّعِ تزوير وصية، ولم يطلب جرداً ل��أصول، ولم يطعن في توزيع التركة وكان يعمل في اسواق المال عملا متواضعاً بعيداً عن علوم والده المزعومة.
السبب الوحيد المعقول لهذا الصمت القانوني، في تركيبة عائلية شديدة التوتر كهذه، هو أن التركة لم تكن تستحق المعركة من الأصل. خمسة ملايين دولار في 1955 (أي ما يعادل خمسين مليوناً اليوم) كانت ستجلب جون جان إلى المحكمة في اليوم التالي للجنازة. أما مئة ألف دولار... لن تدفع نسبته ثمن مكتب المحاماة!.
🔍 في القانون والاقتصاد، يُسمّى هذا "الدليل بالغياب"
❓ سؤال للمحلل الزمني: هل جرّبت زوايا جان أو مربع التسعة بنفسك؟ وهل وجدتها تعمل في الوقت الفعلي، حين ترسمها قبل الحركة، أم فقط بعدها على شارت قديم؟
📚 المصادر
Alexander Elder, Trading for a Living (1993)
Larry Williams, The Right Stock at the Right Time (Wiley, 2003)
Charles Kirkpatrick & Julie Dahlquist, Technical Analysis: The Complete Resource for Financial Market Technicians
Constance Brown, The Thirty-Two Jewel (2018)
Richard Wyckoff, "William D. Gann: An Operator Whose Science and Ability Place Him in the Front Rank", Ticker and Investment Digest, ديسمبر 1909
Brent Penfold, The Universal Principles of Successful Trading (Wiley, 2010)
https://t.co/Defu5ajJtp
هذه المقالة أخذت مني يوم كامل من البحث والتدقيق لأنه المروجين له كثر ومتعبين جدا في الجدال لهذا كان لا بد من السعي للبحث عن الحقيقة بعيداً عن البروبجاندا
رجاء ... لا تنقل دون مصدر وتسرق مجهودي وقم بالمشاركة والتفاعل 🙏
أسطورة فيبوناتشي في الأسواق — هل الأرقام مقدّسة فعلاً، أم مجرد خرافة جميلة⁉️
في كل قاعة تدريب على التحليل الفني، وفي كل دورة تداول مدفوعة، وعلى كل قناة تحليل عربية، تتكرر العبارة نفسها بنبرة أقرب إلى التقديس:
"السعر يحترم مستويات فيبوناتشي"
نسب 38.2 بالمئة و50 بالمئة و61.8 بالمئة "النسبة الذهبية"
تتابع الأرنب الذي اكتشفه ليوناردو دا بيزا في كتابه عام 1202.
قواقع البحر، أوراق الشجر�� حلزون المجرّة، وعلى الشارت، حركة سعر البيتكوين والذهب واليورو دولار.
كله متّسق. كله مترابط. كله يثبت أن السوق يطيع قانوناً كونياً. ❗️
هذا ما يقولونه. لكن حين تنزل من طبقة الحماس إلى طبقة الأرقام، تكتشف أن الحكاية مختلفة تماماً. وأن أكبر دراسة أكاديمية بعلم الإحصاء أُجريت على فيبوناتشي في وول ستريت قالت بالنص: لا يوجد أي فرق إحصائي يُذكر بين نسب فيبوناتشي والصدفة المحضة.
💡أصل الأسطورة
ليوناردو من بيزا، الملقّب بفيبوناتشي، كان عالم رياضيات إيطالياً عاش في القرن الثالث عشر. أدخل إلى أوروبا الأرقام العربية الهندية، وفي كتابه
Liber Abaci
عام 1202 ضرب مثالاً افت��اضياً عن تكاثر الأرانب أنتج المتتالية الشهيرة: 1، 1، 2، 3، 5، 8، 13، 21، 34، 55... وكل رقم يساوي مجموع الرقمين قبله.
والنسبة الذهبية، 1.618، تنشأ من قسمة أي رقم في المتتالية على الرقم الذي يسبقه، كلما تقدّمنا فيها. وهذه النسبة موجودة فعلاً في الطبيعة، في حلزون الصدفة، وعدد بتلات الورود، وحبّات عبّاد الشمس. وفي الحقيقة لا أحد ينكر هذا.
لكن ال��ؤال هو: هل السوق يطيع فيبوناتشي حقاً بأي طريقة قابلة للقياس؟
💡الدراسة التي حسمت الأمر
في عام 2005، نشر البروفيسور روي باتشلور والباحث ريتشارد رمضار، من كلية كاس للأعمال في جامعة لندن، دراسة عنوانها
Magic Numbers in the Dow
فحصت الدراسة سلوك مؤشر داو جونز الصناعي على مدى نحو تسعين عاماً، من 1914 حتى 2002. وكانت تطرح سؤالاً واحداً مباشراً: هل تظهر نسب فيبوناتشي في نقاط انعكاس السعر بتواتر يختلف عمّا تتوقعه الصدفة؟
🚨كان الجواب صادماً.
قال الباحثان بصراحة لافتة إن "فكرة أن الأسعار ترتدّ إلى نسبة فيبوناتشي أو إلى أي كسر مدوّر من الموجة السابقة لا تستند إلى أي مبرّر علمي". ثم أضافا الجملة التي تهزّ أساس صناعة كاملة: لا يوجد فرق إحصائي ذو دلالة بين تواتر نسب السعر والزمن في دورات داو جونز، وبين التواترات التي نتوقّع أن تحدث بمحض الصدفة في أي سلسلة زمنية مماثلة.
بعبارة أوضح: لو ولّدت أرقاماً عشوائية على شارت وهمي، ستجد فيها نسب فيبوناتشي تتكرر بنفس النسبة تماماً!.
اعتراض البروفيسور باتشلور المنهجي
الجزء الأهم في الدراسة ليس النتيجة الإحصائية، بل التشخيص المنهجي الذي قدّمه باتشلور لصناعة التحليل الفني كلها. كتب جملة قاسية وواقعية:
"جذر المشكلة هو فشل المحلّلين الفنيين في تحديد قواعد تداولهم وعرض نتائجها بطريقة مقبولة علمياً. كثيراً ما تكون القواعد غامضة ومعقّدة بحيث يستحيل تكرار التجربة."
هذا تشخيص علمي بارد لكامل المنظومة. لو لم تستطع أن تخبرني بقاعدة محدّدة قابلة للاختبار، ولم تستطع أن تنشر نتائج تداولك بشكل يسمح لباحث آخر بإعادة التجربة، فأنت لا تمارس علماً. تمارس قصصاً.
اختبارات أخرى أكدت النتيجة
دراسة باتشلور ورمضار لم تكن وحدها. اختبارات لاحقة وصلت إلى نتائج مشابهة بطرق مختلفة.
اختبار مستقل نُشر على أسواق العملات في مجموعة العشرة الكبرى، استخدم منهجاً إحصائياً يُسمّى دالّة التوزيع التراكمي. النتيجة: سلوك السعر عند مستويات فيبوناتشي لا يختلف بشكل ذي دلالة عن سلوكه عند أي مستويات قريبة أخرى.❗️
التوزيعات لوغاريتمية طبيعية، ولا توجد قمم أو قيعان حول نسب فيبوناتشي بالذات.
اختبار آخر، نشره موقع متخصص في التحليل الكمّي، طبّق فيبوناتشي على بيانات تمتدّ لأكثر من ألف سنة من الأسواق المحاكاة. النتيجة: نسبة فشل تبلغ 63 بالمئة. أي أن قلب العملة المعدنية أفضل من فيبوناتشي.
ثم جاءت دراسة أكاديمية حديثة (2021)، نُشرت في مجلة
Expert Systems with Applications
طبّقت خوارزمية ذكية على ثلاثة أسواق أسهم رئيسية. النتيجة كانت مثيرة: ارتباط طفيف بين عرض المنطقة المرسومة حول مستوى فيبوناتشي وبين احتمال الارتداد. لكن الباحثين أكّدوا بوضوح أن "هذا لا يعني بالضرورة استراتيجية مربحة"، بل قد يفسّر فقط لماذا يحبّ المتداولون استخدام فيبوناتشي. لأنه يبدو أنه يعمل، لا لأنه يعم�� فعلاً.
💡النبوءة المحققة لذاتها
هنا يأتي الاعتراض الذكي: إذا كان فيبوناتشي مجرّد خرافة، لماذا يبدو أحياناً وكأنه يعمل؟
عالم الرياضيات كين ريبت من جامعة كاليفورنيا في بيركلي قدّم الجواب الأكثر إقناعاً. حين يستخدم آلاف المتداولين نفس الأداة، ويضعون أوامرهم عند نفس المستويات، فإن الأداة تخلق واقعها بنفسها. السعر يرتدّ من 61.8 بالمئة، لا لأن هذه النسبة سحرية، بل لأن مئة ألف متداول وضعوا أوامر شراء عندها. ( نفس كلامي عن زوايا جان ليكم زمان فاكرين ؟ )
هذه ليست قوة الأداة. هذه قوة الإجماع على وهم.
والفرق بين الاثنين ليس فلسفياً. حين تتبدّل الأهواء، أو تظهر أداة جديدة، أو يدخل تدفّق سيولة كبير من خوارزميات لا تعرف فيبوناتشي، يختفي الأثر فوراً. لأنه لم يكن كامناً في السوق، بل في رؤوس المتداولين. ( فاكرين لما قلت لكم لو عملنا مؤشر وهمي ودفعنا فلوس لتريدنج فيو تنشره هيبدأ السوق يحترم الارقام مع الوقت ؟ )
ثلاث آفات منهجية
تعاني أداة فيبوناتشي، كما تطبّق على الشارتات، من ثلاث مشكلات بنيوية لا يمكن تجاوزها.
1⃣أولاً، ذاتية اختيار النقاط
من الذي يحدد القمة والقاع اللذين تُرسم بينهما خطوط فيبوناتشي؟ أنت. وقرارك يعتمد على إطار زمني، ومزاج لحظي، ورغبة في رؤية نمط بعينه. عشرة محلّلين سيرسمون عشرة فيبوناتشي مختلفة على نفس الشارت.
2⃣ثانياً، كثافة الخطوط
نسب فيبوناتشي الشائعة هي 23.6 و38.2 و50 و61.8 و78.6 بالمئة. أضِف إليها مستويات الامتداد 127.2 و161.8 و261.8. صار عندك ثمانية مستويات على شارت واحد. أي حركة سعر لا بدّ أن تلامس واحدة منها بفعل الكثافة وحدها. ولو لم تلامس، يقول لك المروّج "السعر يتّجه نحو المستوى التالي". وبما انه النسب متقاربة جدا فهذا هو المنطق حتى لو وضعت نسب عشوائية!!
3⃣ثالثاً، انحياز التأكيد
الذاكرة البشرية انتقائية. تحتفظ بالصفقات التي ارتدّت عند فيبوناتشي وتنسى تماماً الصفقات التي اخترقته دون أي احترام. دراسة على بيانات
NZD/USD
طبّقت اختبار المعنوية الإحصائية على نسب مخصّصة وغير قياسية. كانت قيمة
p-value
تبلغ 0.50 تقريباً، أي مساوية تماماً لما تنتجه الأرقام العشوائية. لا توجد ذرة دلالة إحصائية.
ماذا قال براينت بنفولد عن الموضوع؟
في كتابه
The Universal Principles of Successful Trading
يخصّص بنفولد مساحة لنقد ما يسمّيه "الأرقام السحرية" في التداول. موقفه ليس مجرد رفض نظري. هو يجادل بأن المتداول الجاد لا يبحث عن نسبة كونية، بل عن ميزة إحصائية صغيرة قابلة للقياس وللاختبار وللتكرار.👌
الفرق بين الموقفين عميق. أحدهما يبحث عن "الجواب"، والآخر يبحث عن "الاحتمالية". أحدهما يرسم خطّاً ويتمنّى أن يحترمه السوق، والآخر يبني نظاماً ويعرف مسبقاً أن نصف صفقاته ستفشل، ويصمم إدارة مخاطره بناءً على ذلك🎯.
طريق الأرقام السحرية يقود إلى الإحباط، لأنه يَعِد بدقة لا تتحقق. طريق الإحصاء أقلّ بريقاً، لكنه الطريق الوحيد الذي يدفع فواتير حقيقية في نهاية الشهر.
الخلاصة
فيبوناتشي رياضي عبقري، ومتتاليته موجودة فعلاً في الطبيعة، وهذه حقيقة لا أحد ينكرها.
لكن القفزة من "حلزون الصدفة يحوي النسبة الذهبية" إلى "سعر البيتكوين سيرتدّ من 61.8 بالمئة في الأسبوع القادم" قفزة أيديولوجية، لا علمي��. لا يربطها برهان رياضي ولا اختبار إحصائي. أكبر دراسة أكاديمية على المؤشّر الأمريكي الأشهر قالت إن النسب تظهر بتواتر مساوٍ للصدفة.
ومع ذلك، تواصل الأداة وجودها. لماذا؟ لأنها جميلة بصرياً. لأنها تمنح المبتدئ شعوراً بالسيطرة على فوضى السوق. ولأنها تخلق نبوءات تتحقّق ذاتياً عندما يستخدمها ما يكفي من الناس.
من لم يتجاوز فيبوناتشي بعد سنوات من التداول، فالأرجح أنه يخسر ببطء. ومن يربح، يربح غالباً برغم بإدارتهم الحازمة للمحفظة، لا بسببه.
السوق ليس قواقع. السوق احتمالات. والفرق بين الاثنين هو الفرق بين متداول جاد ومتداول يُمنّي نفسه بشيفرة كونية.
فلو كانت نسب مئوية بهذه البساطة تنجح لكانت بوتات التداول تربح بشدة بالشراء والبيع عند هذه النسب بين ال Pivot high و Pivot low
لو كانت حقيقية لكانت هذه الخوارزمية الساذجة تطبع المال من الأسواق منذ التسعينات.
لكن هذا لم يحدث. وصناديق التحوّط الكمّية، التي تملك أفضل العقول الرياضية في العالم وتختبر آلاف الاستراتيجيات يومياً، لم تتبنّ فيبوناتشي كاستراتيجية مستقلة. لو كان فيها ميزة، لما تركوها للمتداول البسيط
المصادر
Roy Batchelor & Richard Ramyar, Magic Numbers in the Dow (Cass Business School, City University London, 2005/2006).
Richard Ramyar, Essays on Technical Analysis in Financial Markets (City University London, PhD thesis, 2006).
Prodromos Tsinaslanidis, Francisco Guijarro & Nikolaos Voukelatos, Automatic identification and evaluation of Fibonacci retracements: Empirical evidence from three equity markets, Expert Systems with Applications (2021).
Liberated Stock Trader, The Fibonacci Trading Myth: 1,136 Years of Data Debunked (backtest study).
Forexop, Fibonacci Retracement: Is it a Myth or Reality? (G10 currency analysis).
Smithsonian Magazine, The Fibonacci Sequence Is Everywhere — Even the Troubled Stock Market (2020).
The Economist (Buttonwood column), Fake Maths and High Finance.
Brent Penfold, The Universal Principles of Successful Trading (Wiley, 2010).
استغرق مني البحث والتدقيق أكثر من ساعتين فلا تبخل بالمشاركة والريتويت والتفاعل ولا تنقل دون ذكري كمصدر حفاظا على مجهودي 🙏