يقول فيودور دستويفسكي: "بكوا في أول الأمر ثم ألفوا وتعودوا، إنَّ الإنسان يعتاد على كلّ شيء، ياله من حقير".
ولكنّي أعتد الأمر، ومازلت أبكي، يبكي الطفل في داخلي وكأنّه لم يبكي قط، وأُفكّر؛ إنَّ رحيل الأخ لهو نِدبةٌ أبديةٌ في خاصرة الحياة.
كم مرّةً على المرء أن يُصلب، ليقتنع أنَّ الألم هو طبيعة العالم !
إنّهُ الحزن، معجونٌ بِنا منذ أن خُلقنا، وحتّى نموت.
إنّهُ الحزن، كِسرة الخبز التي تقينا شرَّ جوع الأيّام.
إنّهُ الحُزن، الصديق الذي لا يملّنا، وحده رفيق دربنا الطويل.
إنّه الحُزن، وحده من لا يخون ولا يرحل.
كُلُّ ما أنا بحاجته لأحدٍ ما، أحتا��ُ شخصًا لينقذني مِمّا أنا فيه، لينقذني منّي، خوفي الأكبر أن أكون وحيدًا فتمزّقني نفسي، أن أتآكل، ألّا يبقى منّي سوا جسدٌ لا يقوى إلّا على الأكل والنوم ودخول الحمّام !
أنقذني منّي !
أُرتّبُ نفسي وحُزني في الخزانة
درجٌ واحدٌ يكفي لجسدي
ودرجٌ آخر لذكرياتِ البلاد
وواحدٌ للوحدة التي أعيشها
وآخرٌ للمنفى الذي أقطن فيه
وما تبقّى من الخزانة
لكِ
ولرحيلكِ السرمديِّ عنّي.
آسفٌ ليس لدي مذكرات تخصُّ الوطن , لا أملكُ حقّ العودة , فكان من حقِّ قلبي عليّ أنْ أُريحه من التفكير والشوق للوطن , لمدينتي , لعائلتي , لمنزلي الكبير المتهاوي , لغرفتي الصغيرة , لفنجان قهوتي الذي لم أُكمله يومها , لم يترك لي الرصاص وقتاً كافياً لإحتسائه , أظنّه ما يزال يطلق صوبي
أوجعتني غزة اليوم شعرت بحزنها، تمنيت لو أن أكون من أحد شهدائها، وصرت بين الركام، أمسك يدا تستنجد يدا.
أنا أنتمي لغزة، أنتمي للحزن في غزة، ومشهد الموت الممتد من بحرها لسماءها لقلب غزة، سيبقى محفورًا في ذاكرتي للأبد، سيبقى جرحها ينزف من جسدي، وستبقى دائمًا موطن روحي الذي أخاف عليه.
في زمنٍ آخر كان الموت سهلًا، نموت لنولد في مكانٍ آخر، صار حتميًا علينا أن نموت لنولد في جهنّمٍ كهذه التي نحيى بها الآن، كُنتُ شجرًة عاشت لألف عام، قُطِّعتُ لأكون حطب��ا فولدت على شكلي هذا، ما��الت الشجرةُ عالقةً في قعرِ روحي، ومنذ أن ولِدتُ وأنا أُقطّع وأُحرق وأموت.