أحكامُ الاعتراضِ في نظامِ الإفلاسِ ولائحتِهِ التنفيذيَّةِ وقواعدِهِ
��تسمُ أحكام الاعتراض في نظام الإفلاس بطبيعةٍ خاصَّة؛ نظرًا لما أفردهُ لها المنظِّم من أحكامٍ تتناسب مع مُقتضيات إجراءات الإفلاس وتعدُّد أطرافها؛ إذ تتَّصل بالمدين والدائن وأمين الإفلاس ولجنة الإفلاس، وكلِّ ذي مصلحةٍ في الإجراء.
وعليه؛ جاء هذا البحث لجمع أبرز الأحكام المتعلِّقة بالاعتراض في نظام الإفلاس ولائحته التنفيذيَّة وقواعده المنظِّمة؛ لبيان ضوابطهِ، وتصنيف حالاتهِ، واستقراء تطبيقاتهِ القضائيّة.
للاطلاع: [https://t.co/ridj6Bn8VU]
باستقراء (الأحكام - القرارات) الصادرة من الدائرة التجارية بالمحكمة العليا (المنشورة بالبوابة القانونيّة)، والمُتضمِّنة إما قبول طلب النقض أو عدم قبوله، وبالاطلاع على تسبيبات الأحكام بعدم القبول، نجدها لا تخرج عن (انتفاء المحل النظامي، أو عدم التأسيس على حالات النقض المُحدَّدة نظامًا، أو كفاية قيام الحُكم وصحّتهِ حمله على أسباب الحُكم الابتدائي، أو ��لو اللائحة من بيان وجه الاعتراض وموضعه منه وأثره فيه، أو فوات المدد النظامية، أو رفع الطلب من غير محامٍ، أو عدم قابليّة الحُكم للطعن أساسًا).
ولتحليل هذا الرصد بإيجاز؛ نجد أنّ هذه التسبيبات تتمحور حول مادتين جوهريتين في نظام المحاكم التجارية ولائحته التنفيذية: وهي المادة (٨٨) من النظام والتي حصرت حالات الاعتراض بالنقض في أربع حالات، والمادة (٥٢) من اللائحة التنفيذية والتي جعلت من تقديم الطلب بواسطة محامٍ شرطًا شكليًا لقبول الاعتراض بالنقض، والمادة (٤/٧٩) من اللائحة ذاتها، ومُخالفة هذه المواد تقود مباشرة إلى إعمال المادة (٩٠) وتأمر الدائرة بعدم قبول الاعتراض.
https://t.co/PIfmAJsgrm
مآلُ الدُّيونِ ذاتِ الأولويَّةِ عندَ الانتقالِ بينَ إجراءاتِ الإفلاسِ
تُعدُّ مسألة تحديد مآل الديون ذات الأولويَّة عند الانتقال بين إجراءات الإفلاس من المسائل الدقيقة في النظام؛ لِما تنطوي عليه من أثرٍ مُباشرٍ في استقرار المراكز القانونيَّة للدائنين، وما تستتبِعه من التزاماتٍ ومسؤوليَّاتٍ على عاتق أُمناء الإفلاس في إدارة الإجراءات ومُباشرة مُقتضياتها النظاميَّة.
وهو ��ا دَعَا إلى إعداد هذه الورقة لبحث هذه المسألة وتأصيلها نظامًا في ضوء أحكام الإفلاس، ولا سيَّما لكونها من المسائل محلَّ الاجتهاد والنظر.
[https://t.co/ghC0A4fxEc]
متى يسبق تعيين أمين التصفية حُكم افتتاح الإجراء؟
▫️الأصل في إجراء التصفية وفق المادة (50/1) من نظام الإفلاس أن المحكمة تعيّن الأمين في حكمها الصادر بافتتاح الإجراء، وهو التطبيق الأكثر شيوعًا من الناحية العملية.
إلا أن المنظّم أجاز، في حالة أخرى، تعيين الأمين قبل افتتاح الإجراء؛ وذلك عندما ترى المحكمة -أثناء نظر طلب الافتتاح وقبل صدور الحكم فيه- اتخاذ إجراءات تحفظية لحماية أصول التفليسة وتعظيمها، ومن ذلك تعيين أمين يحل محل المدين ��ؤقتًا في إدارة نشاطه والوفاء بواجباته النظامية، إلى حين صدور الحكم في طلب افتتاح الإجراء، وذلك وفق ما نصّت المادة (5) من اللائحة التنفيذية لنظام الإفلاس:
"تعيين أمين مدرج في قائمة الأمناء يحل محل المدين في إدارة نشاطه والوفاء بواجباته النظامية حتى صدور حكم المحكمة في طلب افتتاح الإجراء".
• ومن أبرز التطبيقات العملية لذلك:
الإعلان المنشور في لجنة الإفلاس "إيسار" بتاريخ 1/6/2019م، والمتضمن إعلان الدائرة الرابعة بالمحكمة التجارية بجدة عن قرارها في الدعوى رقم (4578/ق) لعام 1440هـ وتاريخ 17/09/1440هـ، القاضي بتعيين أمين الإفلاس مازن بن محمد بن إبراهيم بترجي أمينًا يحل محل شركة المشفى العالمي للخدمات الطبية، سجل تجاري رقم (4030129410)، في إدارة نشاطها والوفاء بواجباتها النظامية، وذلك حتى صدور حكم المحكمة في طلب افتتاح إجراء التصفية للشركة، المقدم من الدائن شركة تقنيات المورثات والمناعة للخدمات الطبية، سجل تجاري رقم (4030156840).
▫️أما في إجراء التصفية لصغار المدينين، فتبرز مفارقة أخرى عند المقارنة بطلب افتتاح إجراء التصفية؛ إذ إن طلب افتتاح تصفية صغار المدينين يُقدَّم بالإيداع القضائي من الأمين، بعد اتفاق المدين الص��ير معه، وبعد تحقق الأمين من الطلب وانطباق الشروط النظامية للإجراء، وذلك وفق المادة (163) من نظام الإفلاس، والمواد (62) و(67) من اللائحة التنفيذية لنظام الإفلاس، والمادة (13) من لائحة الوثائق والمعلومات.
وعليه، فإن آليّة تعيين الأمين في إجراءات التصفية تتباين بحسب نوع الإجراء ومرحلته؛ فقد يُعيَّن مع حكم الافتتاح بوصفه الأصل العام، وقد يُعيَّن قبل الافتتاح بوصفه إجراءً تحفظيًا، وقد يكون حضوره واجبًا وسابقًا على طلب الافتتاح ذاته في تصفية صغار المدينين، متى تم الاتفاق معه وقدّم طلب الإيداع للقضائي وفق المتطلبات النظامية.
التفرقة بين أحكام التصفية في نظامَي الشركات والإفلاس
تُمثّل التصفية الطور الختامي في دورة حياة المشروع؛ ومع اتحاد غاية أحكام التصفية الواردة في نظامي الشركات والإِفلاس الرامية إلى إِنهاء النشاط، إلا أنهما يفترقان جوهريًا في الطبيعة والمسار الإجرائي؛ ومن ثَمَّ أرتأيتُ في هذه الورقة بيان أحكام التصفية في كِلَا النظامين؛ لاستجلاء أبرز الفوارق بينهما:
-🔗 [ https://t.co/jPUjJHOQjV ]
الإفلاس والتصفية: تمييز المفهوم وحدود الارتباط
يَرِدُ قدرٌ من اللبس بين مصطلحي الإفلاس والتصفية، ويُتعامل معهما بوصفهما مترادفين يحملان ذات الدلالة، وهذا مَنزعٌ محلّ نظر؛ ناتجٌ عن التصوّر الشائع بأنَّ الإفلاس يستتبعُ بالضرورة تصفية الأصول، وانتهاء النشاط.
والواقع أنَّ التكييف النظامي يُفرِّق بينهما من حيث الماهيّة:
الإفلاس: هو حالة قانونيَّة تنشأ عند استغراق ديون المدين لأصوله.
التصفية: هو إجراء من ضمن الإجراءات السبعة التي أقرّها المنظّم في نظام الإفلاس، ويهدف إلى ��صر مطالبات الدائنين وبيع أصول التفليسة وتوزيع حصيلته على الدائنين تحت إدارة أمين التصفية.
ويكمن الفارق بينهما أنَّ ثبوت الإفلاس قد يكون سببًا لافتتاح إجراء التصفية، إلا أنَّه ليس مآله الوحيد، ويظهر هذا الانفكاك في صورتين:
1. إفلاس بلا تصفية: قد يثبت إفلاس المدين ويكون سببًا لافتتاح أحد إجراءي التسوية الوقائيَّة وإعادة التنظيم المالي؛ استهدافًا لاستمراريّة النشاط واستعادة الجدوى الاقتصاديّة.
2. تصفية بلا إفلاس: قد يُفتتح إجراء التصفية ب��بوت حالة التعثُّر، وإنْ انتفى وصف الإفلاس، والمدين المتعثِّر نظامًا هو مَن توقَّف عن سداد دين مُطالب به في موعد استحقاقه.
وعليه، تتحدَّد العلاقة بين الإفلاس والتصفية بوصفها علاقة سبب بأثرٍ دون لزوم؛ فليس كل إفلاسٍ ينتهي بتصفية، ولا كل تصفيةٍ تعني بالضرورة إفلاسًا.
في تمايز الأدوار القانونية: من عباءة المحامي إلى بذلة الحياد
بحكم التجربة العملية في ميادين التحكيم، وإجراءات الإفلاس، والخبرة القضائية، تبيّن لي عن كثب كيف يختلط الأمر على بعض الممارسين حين ينتقلون من دور المحامي إلى أدوار قانونية أخرى، كالأمين، أو الخبير، أو المحكّم، دون أن يتجردوا من الذهنية الدفاعية التي تطبع عمل المحامي في جوهره.
فكثيرًا ما يُلاحظ أن الأمين يتقمص دور المدافع فينحاز في توصياته لصالح الدائن أو المدين، وكأن مهمته تتمثل في الانتصار لأحدهما.
وقد يميل المحكّم أو عضو الهيئة التحكيمية إلى أحد الخصوم في تعامله مع النزاع، أو يتعامل الخبير مع القضية وكأنه طرف فيها وليس جهة فنية محايدة.
إنّ هذه الانزلاقات لا تعود إلى خلل في المسمّى، وإنما إلى غياب التحوّل الذهني الحقيقي الذي تُحتّمه طبيعة المهمة، فالمسألة ليست مجرد تغيير في الصفة، بل هي انتقال جوهري من منطق الخصومة إلى منطق الحياد، ومن غريزة الدفاع إلى فضيلة التجرد.
على سبيل المثال، في نظام التحكيم، تُبنى مشروعية المحكّم على ��اعدة الحياد والاستقلال، وهو ما تؤكده المادة (16) من نظام التحكيم، التي نصّت صراحة على أنه: "لا يجوز رد المحكم إلا إذا قامت ظروف تثير شكوكًا جدية حول حياده أو استقلاله."
وهذا المبدأ يجد صداه في السوابق القضائية، فقد جاء في تسبيب حكمٍ ما نصُّه:"ولا ينال من ذلك ما ذكرته المدعية من أن الدائرة هي المنوط بها مخاطبة المرور للاستعلام عن سياراتها، ذلك أن الدائرة تقف موقف الحياد بين الطرفين، وليس من عملها تحصيل بينات لأحد الخصمين أو النيابة عنه في البحث عنها واستكمالها، بل هو أمر ينافي مبدأ حياد المحكمة.".
وفي ذات السياق، أرست قواعد السلوك المهني للأمناء والخبراء هذا المبدأ، حيث جاء في المادة (3) منها:
"يلتزم كل من الأمين والخبير بالمبادئ السلوكية الآتية:
ب. الموضوعية، وذلك بأداء الأعمال والمهام بمهنية، دون تعارض مصالح أو تأثر بضغوط خارجية أو تحيز إلى طرف أو بناء على افتراضات سابقة."
وعليه فإنَّ إدراك هذه المبادئ وممارستها لا يتأتّى إلا لمن تسلّح بأدوات فكرية مرنة، ورُزق فقهًا قانونيًا عميقًا، وتدرّب على مهنية رفيعة تستوعب تحوّلات الدور القانوني وتُجيد التكيّف مع مقتضياته الأخلاقية والسلوكية؛ إذ لا يُحسن التلبّس بها سلوكًا وممارسةً إلا من امتلك ذهنية متقدة، تُتقن التحوّل بين الصفات، وتعي ما تفرضه كل صفة من التزامات، دون أن يُزلّه الانحياز أو تُغريه رواسب الدور السابق.
نمذجة الأعمال جوهر الاحتراف واستدامة الأثر
في العمل القانوني، تتنوّع الوقائع وتتعدّد الأطراف، لكن تبقى الشكليات والأطر ثابتة. وهنا تتجلّى أهمية النمذجة بوصفها جوهرًا للاحترافية، إذ تُسهم في بناء بيئة عملٍ منضبطة، تُسرّع الإنجاز، وتضمن جودة المخرجات واستدامة أثرها.
فالنماذج ليست مجرّد قوالب جامدة، بل هي انعكاس لفهمٍ عميقٍ للنظام ومقتضياته، وتعبيرٌ عن قدرة الفريق القانوني على مواءمة الشكل مع المتطلبات النظامية من حيث الرسم، والمُدد، والإجراءات، بما يعكس اتزانًا مهنيًا ووعيًا مؤسسيًا رفيعًا.
وتتجلّى أهميتها في تسريع الإنجاز وضمان الاتساق والجودة في المخرجات، سواء في أعمال التحكيم، أو إجراءات الإفلاس، أو التقاضي، أو العقود والمراسلات الرسمية والخطابات.
فكلّما ارتقت جودة النمذجة، وتكاملت عناصرها، اتسع أثرها واستمر عطاؤها، وتيسّر من خلالها توسّع نطاق الأعمال القانونية بسلاسة واتساق.
إنّ مواءمة الشكل مع متطلبات النظام ليست مجرّد التزامٍ إجرائي، بل فنٌّ مهنيّ يعبّر عن نضج الممارسة القانونية ووعيها المؤسسي.
فالنمذجة الرفيعة تُحيل العمل من جهدٍ لحظي إلى أثرٍ مستدام، ومن ممارسةٍ يومية إلى جودة حياةٍ مهنية، وهي في جوهرها أسمى سمات الاحتراف القانوني.
وبعد ذلك، يأتي دور أرشفة النماذج وحفظها بوصفه الامتداد الطبيعي للنمذجة؛ فالأرشفة ليست نهاي�� العمل، بل ذاكرة مؤسسية تُعيد إنتاج الخبرة وتُثري الممارسة، لتتحول النماذج من أدواتٍ مساندة إلى منظومة معرفية متجددة تضمن الاستمرارية وتُعزز كفاءة الأداء.
كما أن تطوير النماذج وتحديثها المستمر يُعد ركيزةً أساسية لضمان مواءمتها مع تحديثات الأنظمة واللوائح، واستجابتها للمتغيرات المهنية والتنظيمية، وبذلك تتحقق الاستدامة الحقيقية التي تجعل من النمذجة أداة تطوير لا تنضب، تسهم في توسّع الأعمال، وارتقاء الأداء، وتعزيز الموثوقية والاحتراف على المدى الطويل.
إنّ (خطورة) عدم ضبط المحامي لإجراءات الترافع قبل تقديم صحيفة الدعوى وحتى صدور حكم نهائي بالقضية (أكثر) من عدم فهمه لموضوع الدعوى أو النص القانوني الواجب التطبيق على الواقعة، فالثاني يُمكن تحريره وتوضيحه وتعديله أثناء نظر الدعوى -حسب كل دعوى وله تفصيل ليس هذا محلُّه-، أمّا الأول فهو إجراء شكلي يجب أنْ يُطبّق بشكلٍ صِرف، ولا مجال فيه للخطأ والنسيان، وقد تفصل فيه المحكمة من تلقاء نفسها.
وما يَحدُث من ممارسات عمليّة في (بعض) مكاتب وشركات المحاماة م�� إسناد (جميع) الأعمال الإجرائية للمرافعة (للأقل خبرة) من دراسة القضية ورسم خطة لها وإعداد صحيفة الدعوى، ورفع مُرفقاتها وغير ذلك، على أنْ يَكتفي المحامي الخبير بمُقابلة العميل وكتابة المذكرات و��ضور جلسات الترافع فهو محلّ نظر !
(فالإعداد للمرافعة وفقًا للشكل المرسوم نظامًا -غالبًا- أهم من المرافعة ذاتها).
يقول إبراهيم الهلباوي بك -أول نقيب للمحامين المصريين- :
"الإعداد للمرافعة كالوضوء بالنسبة للصلاة، فكما لا تصِح الصلاة بلا وضوء، فلا مرافعة تردّ للناس حقوقهم بلا إعداد متينٍ مُنضبِط، وإدراك حقيقي لمواقع الخصوم والطلبات في القضية".
▫️وقد جاء في تسبيب حُكمٍ تجاري ما نصه:
"…، وبعد إفهام الحاضر بنص المادة (245) من اللائحة التنفيذية لنظام المحاكم التجارية والتي تنص على (في جميع الأحوال؛ لا يُقبَل من الأطراف تقديم أي طلبات أو بيّنات أو دفوع لم يتم إبد��ؤها قبل انتهاء الجلسة التحضيرية)".
▪️والمقترح بهذا الصدد الاعتماد على نماذج مُرتبّة وفقًا للتسلسل الزمني الوارد بالنظام؛ فهي تُساعد بشكلٍ كبير في ضبط أحكام النظام أولًا، وفحص القضية ومراقبة إجراءاتها، وأخيرًا التقليل من احتمالية الوقوع بالخطأ.
◻️فنمذجة العمل هي الحل، يقول في ذلك سيمون سينك:
"لا تستخدم الناس لبناء العمل، استخدم العمل لبناء الناس".
▪️مثال:
(نموذج عمل - إجراءات الدعوى التجارية من قبل قيد الدعوى حتى صدور حكم ابتدائي).
ويتضمن النموذج: الاختصاص - هل يجب رفعها من محامٍ - هل هي من الدعاوى التي تجب فيها المصالحة ، الإخطار - تحرير الصحيفة - تحديد الطلبات - البيّنات - تاريخ تقديم المذكرات - الدفوع الشكلية المؤقتة -… إلخ.
وغنيٌ عن القول أنّ -ما ورد أعلاه- لا يعني عدم إسناد بعض المهام للأقل خبرة، ولكن المقصود الإشراف بشكلٍ مُباشر ودقيق، مع توجيه ومراجعة لكل خطوة، ويكون الاعتماد الأخير لدى المسؤول عن القضية الأكثر خبرةً.
يقول مايكل كوردا :
"الميزة الوحيدة التي تجمع بين الناجحين في العالم تَكْمُن في قُدرتهم على تَحمُّل المسؤولية".
سُعدتْ اليوم بتوقيع كتابي (الدليل العملي لأحكام الإفلاس)، الصادر عن الجمعيَّة العلميّة القضائيَّة السعوديَّة (قضاء)، ضمن فعاليات #معرض_الرياض_الدولي_للكتاب_2025.
وقد جاء هذا العمل؛ ليكون مرجعًا جامعًا لأبرز أحكام نظام الإفلاس ولائحته التنفيذيَّة وقواعده، مُدعَّمًا بتطبيقاتٍ قضائيّةٍ لكلِّ إجراء من إجراءات الإفلاس، واحتوائه على نماذجٍ للإجراءات والقرارات والأدلَّة الإرشاديَّة الصادرة عن لجنة الإفلاس (إيسار).
ويطيبُ لي أنْ أتوجَّه بخالص الشكر والتقدير لسعادة المحامي/ أ. سعود بن عبد الله البازعي @Saudalbazei_ على ما تفضَّل به من مُراجعةً علميَّةً أعْلَ��ْ من قيمةِ هذا العمل.
كما أُجدِّد امتناني للحضور الكريم الذين شرَّفوني بتواجدهم، وأسهموا بحضورهم في إثراء هذه المُناسبة.
جمعتُ بالمُرفق أدناه أبرز م�� ورد بلقاء "تسبيب الحكم القضائي وأثر الخطأ فيه على نقض الحكم"؛ لِما وَرد به من إثراء علمي.
-مُرفق الملف:
https://t.co/CXNogPtQHC
في سياق التطوير التشريعي والتنظيمي الذي تشهده بيئة العمل في المملكة، وحرصًا على تحصين الحقوق المالية للعاملين غير السعوديين، أُطلق المنتج التأميني باعتباره منتجًا وليدًا لمتطلبات المرحلة ومتسقًا مع أحكام النظام العام، وذلك بموجب مبادرة تنظيمية حديثة تبنّتها وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية بالتعاون مع هيئة التأمين بتاريخ 06/10/2024م. ويُعنى هذا المنتج حصريًا بحماية العمالة غير السعودية في منشآت القطاع الخاص عند تعثّرها أو دخولها في إجراءات الإفلاس.
ويبرز دور المنتج التأميني في سياق الإفلاس من خلال توفير غطاء مالي عاجل للعامل الوافد، ��ون الحاجة للانتظار حتى تصفية أصول المنشأة، وهو بذلك يُسهم في تخفيف الأثر المالي والاجتماعي على هذه الفئة الأكثر عرضة للمخاطر عند تعثر جهة العمل.
ويأتي هذا المنتج كأداة تأمينية فعّالة لتفعيل الامتياز النظامي المقرر للعامل بموجب المادة (19) من نظام العمل، والتي تنص على أن مست��قات العامل تُعد ديونًا ممتازة من الدرجة الأولى.
تستهدف الوثيقة التأمينية المنشآت التي تتأخر عن صرف أجور ما لا يقل عن (80%) من عمالتها الوافدة لمدة تتجاوز ستة أشهر، أو تلك التي أصبحت خاضعة لإجراءات الإفلاس بموجب النظام.
ويُشترط لصرف التعويض التأميني أن يكون العامل:
- غير سعودي، وعلى رأس العمل في المنشأة المتعثرة وقت المطالبة.
- غير مستفيد من التعويض خلال ذات السنة التأمينية.
- مقدمًا مستندات تثبت عدم استلامه لمستحقاته، وعلاقته التعاقدية بالمنشأة.
- في حال طلب تذكرة سفر، مرفقًا تأشيرة الخروج النهائي.
تُغطي الوثيقة أجور العامل غير المدفوعة لمدة أقصاها ستة أشهر، وتذكرة العودة إلى بلده (حتى 1000 ريال)، وبحد أقصى للتعويض لا يتجاوز 17,500 ريال سعودي.
وبذلك يُعد المنتج التأميني من أبرز الأدوات الوقائية والتنظيمية لحماية حقوق العمالة الوافدة، ويُسهم في تعزيز ثقة المجتمع الدولي في البيئة التشريعية لسوق العمل السعودي، وضمان التوازن بين أطراف العلاقة العمالية في ظل الظروف الاقتصادية الطارئة.
الطبيعة الخاصَّة لنظر الاستئناف في دعاوى الإفلاس
يتميَّزُ قضاءُ الإفلاسِ بخصوصيَّة إجرائيَّة، ومن ذلك ما يتَّصلُ بحدود ولاية محكمة الاستئناف عند نقض الأحكام.
من المتقرِّر نظامًا أنَّ بعض أحكام الدرجة الأولى -متى ألغتها محكمة الاستئناف- لا تستنفدُ معها ولاية هذه المحكمة في نظر موضوع الدع��ى، ويقتصر أثرُ الإلغاء على إعادة القضيَّة إلى المحكمة التي أصدرت الحكم للفصل في موضوعها؛ وذلك طِبقًا لِما ورد في المادة (85) من نظام المحاكم التجاريَّة، والمادة (34) من لائحة طرق الاعتراض على الأحكام.
غير أنَّ نظام الإفلاس خالف هذا النظر، وجاء بنصوصٍ استثنائيَّة وفقًا لطبيعته الخاصَّة، وذلك بموجب المادة (218) من النظام والمادة (18/3) من القواعد المُنظِّمة لإجراءاته، اللَّتان نصَّتا على أنْ تنظر محكمة الاستئناف الاعتراض وتقضي بتأييده أو نقضه، ويجب عليها -عند نقض الحكم- أنْ تفصل في موضوع الدعوى بحكمٍ نهائيٍ غير قابلٍ للطعن.
وقد ورد في أسباب حكمٍ صادرٍ عن الدائرة الابتدائيَّة بالقضية رقم: (2342) لعام 1443هـ -بعد نقض دائرةٍ استئنافيَّةٍ لحكمها وإعادتها الدعوى إليها- ما نصُّه: "وأما ما ذكرته دائرة الاستئناف من أنَّ فصلها في موضوع الطلب بعد نقضها للأحكام الشكليَّة يُعدُّ إخلالًا بمبدأ التقاضي على درجتين، فهو مُصادمة لنصٍّ نظاميٍّ صريحٍ، والرأي القائم على اجتهاد لا يقوى على إبطال حكم ورد في نص نظامي.. وطالما ورد النص الصريح، فلا مساغ لمُخالفته باجتهاد.. ".
كما بيَّن الحكم -في سياقِ تناوله ��مسألة مبدأ التقاضي على درجتين- أنَّ طبيعة دعاوى الإفلاس تختلفُ عن طبيعة الدعاوى الموضوعيَّة، حيث جاء فيه:
"فإنَّه من المعلوم أنَّ قضاء الإفلاس قضاءٌ إجرائيٌّ في العموم تنظر فيه الجهة القضائيَّة في حالة المدين، ووضعه المالي، وتقضي بعد الاطلاع على ما توافر لديها من معلومات ووثائق بما يتناسب مع وضعه ويحفظ حقوق الدائنين ويُحقِّق غايات وأهداف نظام الإفلاس، وبعد ذلك فإنِّها تُقرِّر افتتاح الإجراء المناسب للمدين ولها بعد افتتاحه أنْ تُنهي هذا الإجراء متى ما توافرت مسوِّغاته النظاميَّة، ولا يُقال حينئذٍ أنَّ إنهاء الإجراء قد نال من حُجيَّة الأمر المقضي المُتمثِّل في سبق صدور حكمٍ نهائيٍّ بافتتاح الإجراء.. ".
وعليه، فإنَّ النصوص الخاصَّة الواردة في نظام الإفلاس والقواعد المُنظِّمة لإجراءاته توجب على محكمة الاستئناف -عند نقض الحكم- أنْ تفصل في موضوع الدعوى بحكمٍ نهائي غير قابلٍ للطعن بأي طريق، دون إعادتها لمحكمة الدرجة الأولى. ويأتي ذلك اتساقًا مع طبيعة قضاء الإفلاس بوصفه ق��اءً إجرائيًّا، ولا يُعدُّ ذلك إخلالًا بمبدأ التقاضي على درجتين.
في تمايز الأدوار القانونية: من عباءة المحامي إلى بذلة الحياد
بحكم التجربة العملية في ميادين التحكيم، وإجراءات الإفلاس، والخبرة القضائية، تبيّن لي عن كثب كيف يختلط الأمر على بعض الممارسين حين ينتقلون من دور المحامي إلى أدوار قانونية أخرى، كالأمين، أو الخبير، أو ��لمحكّم، دون أن يتجردوا من الذهنية الدف��عية التي تطبع عمل المحامي في جوهره.
فكثيرًا ما يُلاحظ أن الأمين يتقمص دور المدافع فينحاز في توصياته لصالح الدائن أو المدين، وكأن مهمته تتمثل في الانتصار لأحدهما.
وقد يميل المحكّم أو عضو الهيئة التحكيمية إلى أحد الخصوم في تعامله مع النزاع، أو يتعامل الخبير مع القضية وكأنه طرف فيها وليس جهة فنية محايدة.
إنّ هذه الانزلاقات لا تعود إلى خلل في المسمّى، وإنما إلى غياب التحوّل الذهني الحقيقي الذي تُحتّمه طبيعة المهمة، فالمسألة ليست مجرد تغيير في الصفة، بل هي انتقال جوهري من منطق الخصومة إلى منطق الحياد، ومن غريزة الدفاع إلى فضيلة التجرد.
على سبيل المثال، في ��ظام التحكيم، تُبنى مشروعية المحكّم على قاعدة الحياد والاستقلال، وهو ما تؤكده المادة (16) من نظام التحكيم، التي نصّت صراحة على أنه: "لا يجوز رد المحكم إلا إذا قامت ظروف تثير شكوكًا جدية حول حياده أو استقلاله."
وهذا المبدأ يجد صداه في السوابق القضائية، فقد جاء ��ي تسبيب حكمٍ ما نصُّه:"ولا ينال من ذلك ما ذكرته المدعية من أن الدائرة هي المنوط بها مخاطبة المرور للاستعلام عن سياراتها، ذلك أن الدائرة تقف موقف الحياد بين الطرفين، وليس من عملها تحصيل بينات لأحد الخصمين أو النيابة عنه في البحث عنها واستكمالها، بل هو أمر ينافي مبدأ حياد المحكمة.".
وفي ذات السياق، أرست قواعد السلوك المهني للأمناء والخبراء هذا المبدأ، حيث جاء في المادة (3) منها:
"يلتزم كل من الأمين والخبير بالمبادئ السلوكية الآتية:
ب. الموضوعية، وذلك بأداء الأعمال والمهام بمهنية، دون تعارض مصالح أو تأثر بضغوط خارجية أو تحيز إلى طرف أو بناء على افتراضات ساب��ة."
وعليه فإنَّ إدراك هذه المبادئ وممارستها لا يتأتّى إلا لمن تسلّح بأدوات فكرية مرنة، ورُزق فقهًا قانونيًا عميقًا، وتدرّب على مهنية رفيعة تستوعب تحوّلات الدور القانوني وتُجيد التكيّف مع مقتضياته الأخلاقية والسلوكية؛ إذ لا يُحسن التلبّس بها سلوكًا وممارسةً إلا من امتلك ذهنية متقدة، تُتقن التحوّل بين الصفات، وتعي ما تفرضه كل صفة من التزامات، دون أن يُزلّه الانحياز أو تُغريه رواسب الدور السابق.
في سياقِ إعلان إفلاس #هامبرغيني، ظهرت طروحات غير دقيقةٍ مفادها أنَّ الإفلاس لا يترتَّب عليه إنهاء المشروع، وإنَّما يقتصر على كونه حمايةً مؤقتةً تُمكِّن المدين من التعافي والعودة إلى السوق، وهذا وإنْ كان يتَّفق مع ما نصَّت عليه المادة (الخامسة) من النظام من أهدافٍ في تمكين المدين المُفلِس أو المُتعثِّر أو الذي يتوقَّع أنْ يُعاني من اضطراب أوضاعه الماليَّة من معاودة نشاطه والإسهام في دعم الاقتصاد وتنميته، إلا أنَّ ذلك لا يستقيم على إطلاقه، إذ إنَّ تحقيق هذا الهدف يتوقَّف على طبيعة الإجراء المُفتَتَح، وهو ما أكَّده النظام حين رسم إجراءات مُتعدِّدة تختلف في طبيعتها وآثارها على المدين، ويتجلّى ذلك في الآتي:
▪️التسوية الوقائية وإعادة التنظيم المالي: ويهدفان إلى حماية المدين مؤقتًا وتيسير توصله إلى اتفاق مع دائنيه، سواء بتسوية ديونه مع احتفاظه بإدارة نشاطه، أو بإعادة هيكلة نشاطه تحت إشراف أمين إعادة التنظيم المالي، بما يُمكّنه من الاستمرار في مزاولة نشاطه.
▪️التصفية: هو إجراء يهدف إلى حصر مُطالبات الدائنين وبيع أصول التفليسة وتوزيع حصيلتها على الدائنين تحت إدارة أمين التصفية، وهو ما يترتَّب عليه إنهاء المركز النظامي للمدين.
وعليه، فإنَّ أثر نظام الإفلاس على النشاط يتوقَّف على طبيعة الإجراء المُفتتح؛ فإجراء التسوية الوقائيَّة وإعادة التنظيم المالي تُمكِّنان المدين من استدامة نشاطه، بخلاف إجراء التصفية الذي يُفضي إلى إنهائه. وبتطبيق ذلك على واقعة #هامبرغيني، فإنَّ الحكم الابتدائي الصادر بافتتاح إجراء التصفية بطلبٍ من أحد الدائنين بحسب إعلان أمين الإجراء في منصّة لجنة الإفلاس (إيسار) بتاريخ 2025/08/25، يعني أنَّ مركزها النظامي -وفقًا للوضع الراهن- في طور التصفية بما يترتب عليه من غلِّ يدها، وحلول الأمين محل��ها في إدارة نشاطها والوفاء بواجباتها، وتولّيه بيع أصول التفليسة، والتحقُّق من مطالبات الدائنين، ثم إصدار قرارٍ بتوزيع الحصيلة على الدائنين وفق ترتيب الأولويّة، وصولًا إلى إنهاء مركزها النظامي وحلِّ شخصيتها الاعتباريَّة.
مع التأكيد على أنَّ الحكم -المذكور أعلاه- هو حُكم ابتدائي قابل للاعتراض أمام الدائرة الاستئنافيّة بالمحكمة التجاريّة، وفي حال تقديم (المدينة) #هامبرغيني طلب استئناف؛ قد تُلغي الدائرة الحُكم لاعتباراتٍ شكليّة؛ كعدم استيفاء المتطلّبات النظاميَّة، أو لاعتباراتٍ موضوعيَّة إذا ثبتت إمكانيّة استمرار نشاطها بما يُحقِّق مصلحة لأغلبيّة الدائنين. وفي حال إلغاء الحُكم يعود مركزها النظامي إلى ما كان عليه قبل افتتاح إجراء التصفية، ولها -بعد ذلك- التقدُّم بطلبٍ جديد للمحكمة لافتتاح إجراء التسوية الوقائيّة أو إجراء إعادة التنظيم المالي.
إنَّ حماية نظام الإفلاس لا تقوم على مُجرّد استيفاء المتطلّبات الشكليَّة، بل على ضوابطٍ موضوعيّة مًستمدّة من روح النظام وفحواه، لئلا يُتخذ وسيلةً للتنصل من الالتزامات الناشئة عن مخالفة النظام.
فقد ورد في تسبيب حكمٍ تجاري قضى بعدم قبول طلب افتتاح إجراء إعادة التنظيم المالي ما نصُّه: "… كما أنَّ السبب الرئيس لتعثره هو تضمينه شخصيًا الديون التي على شركة (…) التي يتولى إدارتها بمبلغ قدره (٢٧,٨٨٣,٤٦٠) ريال – سبعة وعشرون مليونًا وثمانمائة وثلاثة وثمانون ألفًا وأربعمائة وستون ريالً�� – وبما أنَّ تضمين الشريك أو المدير ديون الشركة لا يكون إلا بناءً على تعدٍّ منه أو تفريط… فإنَّ الدائرة تنتهي إلى الحكم بعدم قبول الطلب".
وعليه، فإنَّ نظام الإفلاس - بوصفه نظامًا حمائيًّا - لا يمتد ليغطي الديون الناشئة عن مخالفة النظام، بما في ذلك ما كان ناشئًا عن تعدٍّ أو تفريط.
إنّ الخسارة الحقيقيّّة ليست فيما انقضى من العُمر، فذلك سُنَّة الأيام، بل في أنْ يطلع فجر الغدِ حاملًا معه فِكرَ الأمسِ، وروحَ الأمسِ، وملامحَ الأمسِ.
حينها، يغدو المرء كالأُمِّي الذي لا يستطيع أنْ يرفع عن نفسه ظُلمةَ الجهلِ بالقراءة، ولا أنْ يمنحَ غيره النُّور بالكتابة، فيُقلِّب صفحات الحياة غريبًا عنها، عاجزًا عن فهم مواعظها وعِبرها، يمرُّ على السطور مرَّ العابرين، فتظلُّ في ناظريه بيضاء وإنْ كانت مُكتظَّة ب��لمِداد.
وكما قال الدكتور مصطفى محمود: "إنَّ مُشكلتك ليست سنواتك التي ضاعت، ولكن سنواتك القادمة التي ستضيعُ حتمًا إذا واجهت الدُّنيا بنفس العقليَّة".
وهكذا، تصمتُ الحكايات في أُذنٍ لم تتعلَّم الإصغاءَ، وتغفو المعاني في عقلٍ لم يوقظهُ أصداءُ النَّماءِ.