قريت مؤخرا تحليل مثير عن قصة سليمان وموته،
القصة، لو مش فاكرها، بسيطة في ظاهرها: سليمان بيموت وهو واقف متكئ على عصاه، والجن فاضلين يشتغلوا تحته في البنا من غير ما حد يحس إنه مات فعلًا. لحد ما جت الأرضة وأكلت العصا، فوقعت الجثة، وساعتها بس عرفوا إن الراجل مش موجود من زمان.
أول مرة تسمعها، ممكن تعديها كحكاية عجيبة زي أي حكاية تانية. بس لو وقفت عندها شوية، هتلاقيها بتحل مشكلة فكرية معينة: إزاي تقنع الناس إن الجن، اللي كانوا شايفينهم كائنات فوق الطبيعة تمامًا، مش عارفين الغيب؟ القصة دي اتحطت أصلًا عشان ترد على سؤال، مش بس عشان تتحكى للمتعة.
اللي شدني أكتر إني بدأت أدور: طيب فين أصل الحكاية دي؟
في العهد القديم، سليمان بيموت موت عادي خالص، بيتدفن مع أهله زي أي حد، خلاص. مفيش عصا، مفيش جن شغالين من غير ما يحسوا، مفيش حاجة من دي خالص. الحكاية دي مش موجودة هناك أصلا.
فين راحت إذن؟ في التحليل اللي قريته، فيه إشارة لنص قديم اسمه “العه�� السليماني”مكتوب باليوناني، محدش عارف بالظبط امتى اتكتب
وأصله متنازع عليه بين يهودي ومسيحي. النص ده هو أول حد اتكلم عن خاتم سحري ديّه سليمان عشان يسخّر بيه الشياطين في بناء الهيكل.
النص ده مش من الكتب الرسمية، هو نص جانبي، ظل على الهامش قرون طويلة، ومحدش استكمله بشكل كامل لحد العصور الوسطى.
ومن هنا، الفكرة يبدو إنها سافرت للجزيرة العربية قبل ما يجي الإسلام. فيه إشارة لكتاب ياقوت الحموي “معجم البلدان”، بينقل فيه إن قصور وقرى في اليمامة اتبنت بأيدي الجن بأمر سليمان. يعني الحكاية كانت متداولة ومعروفة في أوساط العرب قبل كده بزمن طويل.
يبقى إحنا مش قدام حكاية نزلت من فراغ، إحنا قدام حكاية اتنقلت من ثقافة لثقافة، اتحورت في كل محطة، ولب��ت لبس كل مكان مرت بيه. ده مش حكم قيمة على صحتها من عدمه، ده بس وصف لمسارها التاريخي.
طيب ليه الحكاية دي مهمة أصلًا؟ مش عشان نق��ل الحكاية مش حقيقية ونمشي
كل واحد فينا عنده حاجات بيصدقها وحاجات بيرفضها، وده طبيعي جدًا. المشكلة مش في التصديق أو الرفض نفسه، المشكلة إن كتير مننا بيرفض حاجة ويقبل حاجة تانية شبهها تمامًا، من غير سبب حقيقي للفرق، غير إن دي “بتاعتنا” والتانية “مش بتاعتنا”.
ده فكرة قديمة اوي في الفلسفة. الفيلسوف ديفيد هيوم من كذا قرن كان بيقول كلام بسيط: لو حد حكالك عن حاجة خارقة حصلت، السؤال مش “أصدق ولا لا
السؤال هو إيه الأرجح؟ إن قانون طبيعي اتكسر فعلًا
ولا إن اللي بيحكي غلطان أو زود شوية؟”
والمهم إن هيوم كان بيطبق السؤال ده على كل حاجة خارقة في كل مكان، من غير ما يفرق ��ين مصدر ومصدر.
وفيلسوف تاني قبله (سبينوزا) قال حاجة تشبهها: المعجزة مش خرق حقيقي لقانون الطبيعة، هي بس حاجة إحنا لسه مافهمناش سببها الطبيعي. يعني اللي كان معجزة زمان، ممكن يبقى عادي جدًا لما نفهم فيزياءه بعد كده.
الاتنين دول معندهمش استثناء لحد. معيار واحد بيتطبق على كل حاجة، بغض النظر عن مصدرها.
وده اللي خلاني أسأل نفسي سؤال صريح: أنا عندي معيار واحد ثابت، ولا معياري بيتغير حسب مين اللي بيحكي؟ لو أنا برفض حاجة لأنها مش من عندي
وباقبل نفس الحاجة بالظبط لو كانت “من عندي”، يبقى أنا مش بفكر، أنا بس بدافع عن حتة معينة.
وده مش عيب بالمناسبة، ده حاجة درسها علماء نفس كتير. فيه حاجة اسمها “التنافر المعرفي”، اكتشفها عالم اسمه ليون فستنجر: لما يكون عندك اعتقادين بيتعارضوا، عقلك مش بيحل التعارض غالبًا، هو بيلاقي تبرير يخليك مرتاح.
مش بتقول لنفسك “أنا متناقض”بتقول “لأ الحالة دي مختلفة”
وبتخترع سب�� يريحك
حتى لو السبب ده مش منطقي لو حد تاني قاله.
وده حصل مع ناس كتير على مر التاريخ، مش في دين واحد
مثلا الفيلسوف هيغل كتب كتاب عن حياة المسيح وهو شاب
وحاول يحكيها من غير أي تفصيلة خارقة
من الميلاد للقيامة
مع إنه فضل يعتبر نفسه مؤمن طول حياته
وفيه راهب فرنسي، اسمه بيرنجيه، مات من كذا قرن، أنكر المعجزات كلها لأنه كان مقتنع إن قوانين المنطق مالهاش استثناء أبدا
يعني الصراع ده قديم قوي، ومش حصري لدين معين ولا لثقافة معينة. هو صراع بين العقل والإيمان موجود من ألفي سنة
وكل حضارة عدت بيه بطريقتها الخاصة.
فيه كمان فكرة من فيلسوف علم اسمه كارل بوبر، بيقول إن أي معتقد، عشان يبقى فعلاً منطقي، لازم يكون فيه طريقة نظريا تكذّبه
وإلا هو مش موقف عقلاني
هو عقيدة بس.
وممكن نستعير نفس المنطق ده كسؤال شخصي: هل عندي طريقة أختبر بيها كل الحاجات اللي باصدقها بنفس الميزان، ولا كل حاجة عندها استثناء خاص بيها؟
آخر حاجة، وده اللي بيهمني فعلًا أكتر من القصة نفسها: مش المطلوب إنك تسيب إيمانك، ولا إنك تسيب عقلك. المطلوب إنك تسأل نفسك سؤال واحد بس
وتكون صادق مع نفسك في إجابته
عندك معيار واحد بتحاكم بيه كل حاجة ولا كل حاجة عندك ليها استثناء لوحده؟
@Jamalmahmoud3 لانها لغة المكاتبات والدواوين ..ولابد ان يفهمها كل موظفى الدولة حتى يستطيعوا تنفيذ المهام بشكل قانوني لان القانون يكتب بها ..قس على ذلك المحاكم والقضايا وحقوق الناس ..والمعاهدات الدولية ..