تشتكي أن زوجتك لا تتزين لك ولا تخصص لك وقتًا؟
لكن هل جرّبت أن تأخذ عنها الأطفال وبعض المسؤوليات وتقول لها:
«هذا وقتك أنتِ… اهتمي بنفسك وارتاحي»؟
أحيانًا المرأة لا ينقصها الاهتمام بزوجها…
بل ينقصها الوقت والطاقة لتعود إلى نفسها.
لما تكون في علاقة - زواج، عاطفية، صداقة -
أيًا كان المسمى والعمق، وتختار نفسك وتقول:
«أنا لن أطاردك، ولن أبقى لأثبت لك قيمتي.. أنا أعرف نفسي جيدًا»
هذا مو صمت عقابي، ولا عقاب أصلًا؛ لأنك لو كنت تنسحب لتعاقب الطرف الآخر، فأنت ما زلت داخل لعب�� قوة وتجنب عاطفي.
أما اختيارك لنفسك بشك�� صحي، فيرتبط بـ:
- احترام الذات: أعرف قيمتي، ولا أحتاج أن أقنعك بها.
- الاستقلالية العاطفية: تقديرك لي ليس مصدر قيمتي.
- الحدود الصحية: لا أستنزف نفسي لإثبات استحقاقي.
- التعلّق الآمن: أستطيع أن أحبك وأقترب منك، دون أن أطاردك كي تبقى.
الانسحاب الصحي لا يعني أنك لا تحب؛
يعني أنك تحب دون أن تفقد نفسك.
هل زوجتك… صاحبتك؟
هل زوجتك صاحبتك فعلًا؟
هل تعرف عالمها الداخلي؟ وهل تعرف هي عالمك؟
ولو أزلنا الأبناء والمصاريف والواجبات ومشاغل البيت من المشهد، فهل بقي بينكما شيء يجعلكما تحبان الجلوس معًا؟
هذه الأسئلة تكشف جانبًا قد يغيب عن كثير من العلاقات الزوجية:
فقد يعيش رجل وامرأة سنوات طويلة تحت سقف واحد، يربيان الأبناء، ويديران المنزل، ويسددان الالتزامات، ويؤدي كل واحد منهما كثيرًا من واجباته، لكنهما مع مرور السنوات يتحولان من رفيقي حياة إلى مجرد شريكين في إدارة الحياة.
وهنا يلفت النظر أن القرآن استعمل لفظ "الصاحبة" في الإشارة إلى الزوجة:
﴿وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾
وقال سبحانه:
﴿أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ﴾
ولا يعني ذلك أن لفظ "الصاحبة" في هذه الآيات جاء لشرح نموذج العلاقة الزوجية أو صفاتها، وإنما نستأنس باستعمال القرآن للكلمة في الإشارة إلى الزوجة لنتأمل في معنى المصاحبة داخل الزواج.
فالزواج ليس مجرد عقد يجمع شخصين، بل رحلة حياة طويلة تحتاج إلى صحبة.
حين تحدث القرآن عن الغاية العظيمة من الزواج قال:
﴿لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾
لم يقل: لتسكنوا معها فقط.
فالمقصود أعمق من اجتماع جسدين في بيت؛ إنه انتقال النفس نحو الآخر لتجد عنده قربًا وطمأنينة.
وهنا تظهر قيمة الصحبة.
فالصاحب الحقيقي ليس فقط من يسير بجوارك، بل من تستطيع أن تضع عنده شيئًا من عالمك الداخلي: خوفك، و��عفك، وأحلامك، وتعبك، وأسئلتك، وفرحك.
ولهذا قد يكون الزوج قريبًا من زوجته مكانيًا، لكنه بعيد عنها وجدانيًا.
يجلس بجانبها ولا يصحبها.
ويسكن معها ولا يسكن إليها.
المودة ليست إدارة منزل
قال تعالى:
﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾
لاحظ: ﴿بَيْنَكُم﴾.
هناك شيء ينبغي أن يبقى حيًا "بين" الزوجين، وليس فقط حولهما.
الأبناء حولهما.
البيت حولهما.
المصاريف حولهما.
المسؤوليات حولهما.
لكن ماذا بقي بينهما؟
حديث؟
ضحكة؟
اهتمام؟
إنصات؟
شوق؟
مشاركة؟
مساحة يستطيع فيها كل واحد أن يكون على طبيعته دون خوف من السخرية أو المحاكمة؟
هنا تب��أ الصحبة الزوجية.
ويقول تعالى:
﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾
ومن أجمل صور المعروف أن يشعر الإنسان أن شريك حياته رفيق له لا خصم عليه.
أن يستطيع أن يتحدث دون أن تتحول كلماته إلى ملف اتهام.
وأن يكشف ضعفه دون أن يُستخدم ضعفه ضده في أول خلاف.
وأن يختلف دون أن يخشى أن يفقد الحب.
وأن يعود إلى بيته وهو يشعر أن فيه إنسانًا يريد أن يفهمه، لا أن يحاكمه فقط.
كيف أعرف أن زوجتي صاحبتي؟
ليس بأن تقضي كل وقتك معها، ولا بأن تتطابق اهتماماتكما، ولا بأن تخبرها بكل صغيرة وكبيرة.
ولكن اسأل نفسك:
هل أحب الحديث معها عندما لا تكون هناك مشكلة نحتاج إلى حلها؟
هل أعرف ماذا يشغل قلبها هذه الأيام؟
هل تستطيع أن تخبرني بما يزعجها دون أن تخشى رد فعلي؟
هل أشاركها شيئًا من أفكاري وأحلامي ومخاوفي؟
هل نضحك معًا؟
هل نستشير بعضنا؟
هل يوجد بيننا وقت لا نتحدث فيه عن الأبناء والمصاريف والمشكلات؟
والسؤال نفسه يُطرح على الزوجة تجاه زوجها.
وبالصحبة الحقيقية تظهر خصوصًا عندما تتغير الحياة.
حين يمرض أحدكما.
حين تضيق الأحوال.
حين يكبر الجسد.
حين تتغير الملامح.
حين يمر أحدكما بفترة ضعف.
هنا نكتشف:
هل كنت أحب ما يقدمه لي هذا الإنسان فقط؟
أم أنني أصبحت ��احبًا له في الطريق.
فمن أجمل صور السكن أن تجد في شريك حياتك، إلى جانب كونه زوجًا، صاحب الطريق الذي تسكن إليه وأنت تعبر الحياة.