((مرحبًا بالشّيب))
د. #عائض_القرني
مرحبًا بالشيب الذي حلَّ ضيفاً عزيزاً على رأسي، لا أراه علامة انطفاء، بل نوراً هادئاً يضيء صفحات العُمر،
لم أستقبله بحزنٍ أو ضيق، بل استقبلته بشُكرٍ ورضا، لأنه جاء مُحمَّلاً بذكريات السنين، وعطرِ التجارب، وحكمة الأيام ..
كل شعرةٍ بيضاء أراها اليوم تحكي قصّةً من قصص حياتي؛ قصّة صبرٍ على الشدائدِ، أو فرحة نجاحٍ بعد انتظار، أو درسًا تعلمته من عثرةٍ جعلتني أكثر قوةً ونضجاً،
إنها ليست شعيراتٍ فقدت لونها، بل صفحاتٌ كتبتها الأيام على ملامحي لتشهد أنني اجتهدت، وتعلّمت، ومضيت في دروب الحياة بثبات ..
أشعر أن الشيب أهداني وقاراً جميلاً لا تمنحه الأعوام وحدَها، بل تمنحه التجارب حين تصقل الإنسان وتجعله أكثر هدوءاً واتزاناً،
فهو تاجٌ من الحكمة يزيّن الرأس، ويذكّر صاحبه بأن العُمر الحقيقي ليس بعدد السنين، وإنما بما تحمله تلك السنين من معانٍ وإنجازات وأثرٍ طيب ..
ومع ذلك، فما زلت شابّاً بروحي، نابضاً بالأمل، مفعماً بالتفاؤل، أرى في كل صباح فرصةً جديدة، وفي كل حلمٍ طريقاً يستحق السعي إليه،
لم تستطع السنوات أن تنتزع من قلبي شغف الحياة، ولا أن تطفئ في داخلي شعلة الطموح، فما زلت أؤمن أن أجمل الأيام قد تكون في الطريق، وأن الخير يتجدّد ما دام القلب عامراً بالإيمان والأمل.
يقول أحمد الصافي النجفي:
"سنّي بروحي لا بعدِّ سنيني
فلأسْخرنَّ غداً من التسعينِ
العمرُ للسبعينِ يركضُ مسرعاً
والروحُ ثابتةٌ على العشرينِ"
علّمتني الحياة أن الشباب ليس لون شعرٍ أسود، ولا ملامح وجهٍ خالية من التجاعيد، بل هو روحٌ تعرف كيف تبتسم رغم التعب، وكيف تحلم رغم العوائق، وكيف تواصل المسير مهما تعاقبت الفصول. لذلك أرى الشيب على رأسي، وأرى الشباب في قلبي، فأحمد الله على نعمة العمر، وعلى ما منحني من تجارب صنعت مني ما أنا عليه اليوم.
علّمتني الحياة أن أهجر القيل والقال وأبتعد عن كل حديث لا يأتي منه نفع أو فائدة، وأن أقطع الوساوس والهواجس، والملل والكآبة، بالعمل الجاد المُثمر، النافع المُفيد ..
علّمتني الحياة؛
أن أغسل قلبي بماء الغفران، وأطيّبه بعطر العفو والمسامحة ولا أحمل فيه حقداً ولا حسداً ولا بغضاء ولا شحناء؛ عسى أن ألقى ربّي بقلبٍ سليم ..
فمرحباً بالشيب، يا علامة الوقار، ويا شاهد الأيام الجميلة، ويا رفيق الرحلة الذي يذكرني بأن العمر يمضي، لكن الأمل لا يشيخ، والروح المتفائلة لا تهرَم،
والهمّة العالية لا تمرض ..
قد يشيب شعري مع السنين، أمّا روحي فما زالت خضراء، تسقيها الأحلام، ويحييها الأمل، ويقودها التفاؤل نحو غدٍ أجمل ..
وأقول:
قد شابَ رأسي وشابت لحيتي هِممًا
ما شابَ عزمي ولا مجدي ولا كَرمي
بل شِبتُ مِن هيبةِ الأيام تُدهشني
بروعةِ الحرفِ أو إشراقة القلمِ