لم يبنوا أهرامات ولم يرفعوا تماثيل ضخمة تدل على ملوكهم، بل تركوا خيوطاً من الصوف الأرجواني تتخبط في مياه المتوسط. انطلق الفينيقيون من شريط ساحلي ضيق بين الجبال اللبنانية والبحر، حيث ضاقت بهم الأرض فلم يجدوا إلا الماء منفذاً لطموحهم. تحولت سفنهم المصنوعة من خشب الأرز إلى مدن عائمة تربط مصر بآسيا الصغرى، وباتت السواحل تفوح برائحة الزفت الذي يطلى به هياكل السفن لحمايتها من الأملاح. كانتا صور وصيدا ورش عمل للعالم القديم.
كانوا يقتلون آلاف القواقع لاستخراج قطرة من الصباغ الأرجواني الذي يكسو ثياب النبلاء، وفي المقابل كانوا يوزعون الحروف. الأبجدية التي ابتكروها لم تكن مجرد أداة لتدوين الديون، بل ثورة حطمت احتكار الكهنة للكتابة الهيروغليفية والمسمارية. خرجت الحروف من معابدهم لتمشي في الأسواق. تخلى الفينيقيون عن مئات الرموز واكتفوا بعشرات الحروف الصوتية التي تعبر عن حاجة التاجر المتعجل الذي لا يملك وقتاً لرسم صورة طائر أو ثور ليثبت أنه دفع ثمن شحنة زيت.
ظل تاريخهم محكوماً بغياب السلطات المركزية، فقد فضلوا شبكة من المدن المستقلة تتحالف وتتصارع وتخضع أحياناً لفرسان البحر أو لجيوش الآشوريين. رفضوا إضاعة الوقت في بناء إمبراطوريات برية ما دامت السفن تحمي طرق التجارة وتؤمن القصدير والنحاس من إسبانيا. المال كان جيشهم. عبدوا آلهة مرتبطة بالبحر والخصوبة مثل بعل وعشتاروت، ولم يتوانوا عن تقديم القرابين البشرية في أوقات الأزمات استرضاءً لقوى الطبيعة التي تواجههم في كل رحلة.
امتدت أطرافهم حتى أسسوا قرطاج على الساحل التونسي، لتصبح هذه المستعمرة قوة عظمى تحكم تجارة المتوسط وتقف سداً أمام الرومان. قرطاج لم تكن مجرد امتداد، بل استكمالاً لروح فينيقية غلبتها المادة حتى غدت إمبراطورية تفرض الجزية على القوى الكبرى. قاد قادتهم أساطيل محملة بالعاج والذهب والعبيد، وتحدوا أعاصير المحيط الأطلسي وصولاً إلى جزر الكناري بحثاً عن ثروات جديدة.
اندثرت مدنهم تحت ركام الغزاة وانحسرت تجارتهم بعد الحروب البونيقية، لكن الحروف التي نقشوها على ألواح الخشب والطين فرضت نفسها على لغات العالم الحديث. بقي الشاهد الوحيد على أن إمبراطورية الحبر أطول عمراً من إمبراطورية الحجر.
يبدأ كل شيء بقشعريرة خفيفة تزحف في العظام. لا أحد يأخذها مأخذ الجد في البداية، فنحن ننسبها لتيار هواء بارد أو إرهاق يوم طويل. ثم ترتفع الحرارة فجأة، حتى يخيل إلينا أن كل عضلة في الجسد تعرضت للضرب بعصا غليظة. هنا ندرك أن الإنفلونزا قد دخلت.
نتعامل مع هذا الفيروس باستخفاف غريب. نسميه زكاماً أو نزلة برد عابرة، ونمضي في أعمالنا متناسين أنه ليس مجرد عطاس وسيلان أنف. الإنفلونزا قاتل ماهر يغير ملابسه باستمرار. بنيته السطحية تتلون وتبدل شكلها كل عام، فيخترق أجسادنا رغم مناعتنا السابقة، وكأنه يقرأ دفاعاتنا ويعيد ترتيب صفوفه ليوجه ضربته التالية بلا رحمة.
نلوم الطقس. نلوم المكيف. الحقيقة أننا نلوم أي شيء لتبرير إهمالنا. الفيروس ينتقل في رذاذ تنفسنا، مستقلاً قطرات صغيرة عالقة في هواء الحافلات والمكاتب المغلقة. يكفي عطسة واحدة من شخص يجلس في الزاوية لتصيب عشرات. تدمع عيوننا، يحترق حلقنا، ونشعر أن رؤوسنا تنبض بضربات لا ترحم. تتصلب المفاصل حتى يصبح النهوض من السرير مهمة شبه مستحيلة. الكسل يخيم على الجسد كله.
التطعيم السنوي أمر نتجاهله بدعوى ضعف فاعليته. هذه مغالطة خطيرة تقودنا لخسائر فادحة. اللقاح لا يعدنا بعدم المرض أبداً، بل يعطي أجهزتنا المناعية خريطة الطريق ليقلل الخسائر ويمنع تدمير الرئتين. رفض التطعيم ليس حرية شخصية بل قمار بأجساد الأطفال وكبار السن الذين قد لا تحتمل أجهزتهم الضعيفة المعركة العنيفة.
ننام تحت أغطية سميكة، ننتظر أن ينقشع الضباب. نأكل الحساء الساخن ونشرب السوائل لعلنا نطرد الحمى. الجسد يصارع بكل ما يملك، والفيروس ينسخ نفسه ملايين المرات في الخلايا المصابة. أيام تمر كأنها سنوات، نفقد فيها الإحساس بالزمن وننغمس في حرارة الفراش وثقله. الجلد يتعرق ثم يرتعد في دورات متلاحقة.
نتعافى. نخرج من التجربة منهكين، نؤكد لأنفسنا أننا لن نكرر خطأنا. نعود لروتينا.
@ahmed3alfarsi صباح النور والذوق الجميل أخي أحمد.
فن التعامل مع الناس يبدأ من صفاء النية، وحسن الكلمة، واحترام المسافات. ومن يطلب الرأي بلطف مثلك، فقد خطا أول خطوة في هذا الفن.
أسأل الله أن يجعل حسابك مساحة خير ووعي وأثر طيب بين الناس.
صباح الخير لكم من المدينة القديمة في باكو، «إيتشيريشيهير». أذربيجان
الأسوار الحجرية تبتلع ضجيج بحر قزوين لحظة تجاوزك بوابات مدينة باكو الداخلية. تتشابك الأزقة هنا كخيوط متعرجة لا تنتهي، وتواجهك حجارة صفراء باهتة بنيت بأيدي رجال أرادوا حماية أنفسهم من الرياح والغزاة في آن واحد. المدينة تفرض إيقاعها الخاص وتطلب منك أن تمشي ببطء. الصمت يحضر رغم كثرة الخطى.
برج العذراء يرتفع في قلب هذه المتاهة، كتلة صماء تحدي التفسير. لا أحد يعرف يقينا متى بني ولا السبب الحقيقي وراء شكله غير المتماثل ودرجاته الملتوية. بعضهم قال إنه معبد ناردي قديم، وآخرون جعلوه قلعة دفاعية أو فلكا لرصد النجوم. الحقيقة أن الغموض هو ما يبقيه حيا في وعي السكان والوافدين. الشواهد التاريخية تكفي لترهق الباحثين، لكنها لا تقود إلى يقين.
على مرتفع قريب، يستقر قصر الشروانشاهين. لا تتوقع فخامة القصور الأوروبية ذات الأبراج العالية والحدائق الغناء. القصر خشن، مبني من حجر جيري يمتص ضوء الشمس ويعكسه بلون العسل المعتق. تفاصيله المعمارية تحفر في الحجر رسوما هندسية إسلامية دقيقة، وكأن النحات كان يكتب وثيقة على الصخر. تلمس الجدار فتشعر بخشونة الزمن وتآكل القرون. هناك قبة ضريح ثمانية الأضلاع تبدو هشة من الخارج لكنها صمدت أمام الزلازل والرياح.
أرى كيف تتعامل باكو الحديثة مع هذا الماضي. ناطحات السحاب الزجاجية تحيط بالمدينة القديمة من كل جانب، تطل ببرود على حجارة عمرها قرون. هذا التباين قاس ولكنه صادق. المدن التي تطمس تاريخها وتزيفه تموت من الداخل، وباكو اختارت أن تحبس ماضيها داخل أسوار إتشي شهير لتبقيه تحت المراقبة. اختارت الحفاظ على الجوهر بدل هدمه لصالح العصرنة العمياء. المال الذي اشترى بريق الواجهات الخارجية لم يستطع شراء هذه الحجارة.
في زاوية ضيقة، تفوح رائحة الزعفران واللحم المطهو ببطء من قدور نحاسية مكشوفة. صوت قرع الملعقة على طرف القدر يرافق نداء بائع يحاول جذب زبائنه لطعام الغداء. العابر يلمس برودة الجدار بيده وهو يمر بجوار متجر لبيع السجاد القديم. ألوان الغزل الباهتة تخبرك بأن هذه الخيوط نسجتها أيدي نساء لم يعدن موجودات.
المكان ليس مجرد أطلال جامدة للتصوير السياحي، بل نسيج حي يقاوم النسيان. تسير في الأزقة حتى تنسى اتجاه الباب الذي دخلت منه، فتكتشف أن هذه المدينة لم تبنَ لتُفهم أو تُحلل، بل لتُعاش.
في بني عذرة كانوا يقولون: إذا عشق أحدنا مات. جميل بن معمر صدّق القول وعاش عليه حتى صار اسمه ملتصقاً باسم امرأة لم يتزوجها قط. جميل بثينة. لا لقب أدق من هذا، فالرجل اختصر نفسه في حبها، وحين تقدم لخطبتها ردّه أهلها، ثم زوّجوها غيره نكاية به لأنه شبّب بها في شعره. هذه العادة القبلية الغريبة، أن يعاقَب الشاعر على الحب بحرمانه من المحبوبة، صنعت الغزل العذري كله تقريباً.
ظل يتسلل إلى وادي القرى ليراها، فشكاه أهلها إلى الوالي حتى أُهدر دمه. هرب إلى اليمن، ثم انتهى به المطاف في مصر عند عبد العزيز بن مروان، وهناك مات سنة 82 للهجرة، بعيداً عن نجد وعن بثينة معاً. يُروى أنه أوصى رجلاً قبل موته أن يذهب إلى ديار بثينة فينعاه فيهم وينشد شعره. حتى موته أراده رسالة.
شعره لا يشبه غزل عمر بن أبي ربيعة الذي كان يطارد النساء في مواسم الحج ويتباهى. جميل يقف على الطرف الآخر تماماً. حب واحد، امرأة واحدة، وعذاب يتجدد كأنه مهنة. اسمع كيف بدأ الحكاية:
وأولُ ما قادَ المودةَ بيننا بوادي بَغيضٍ يا بُثَينُ سِبابُ
وقُلنا لها قولاً فجاءت بمثلِه لكلِّ كلامٍ يا بُثَينُ جوابُ
بدأ الحب شجاراً بين صبي وصبية. تفصيلة صغيرة كهذه تساوي عندي دواوين كاملة من الغزل المصنوع، لأنها صادقة ببساطتها. ومن أعجب ما قاله بيتٌ يقلب منطق العشق رأساً على عقب:
يموتُ الهوى مني إذا ما لقيتُها ويحيا إذا فارقتُها فيعودُ
الحضور يطفئ النار والغياب يوقدها. هذا كلام رجل فهم أن حبه يتغذى على الاستحالة نفسها. وحين لاموه على انشغاله بالنساء عن الغزو أجاب بما يشبه إعلان مذهب:
يقولون جاهِد يا جميلُ بغزوةٍ وأيُّ جهادٍ غيرَهنَّ أريدُ
لكلِّ حديثٍ بينهنَّ بشاشةٌ وكلُّ قتيلٍ عندهنَّ شهيدُ
جرأة تلامس حدود المحظور، لكنها تكشف كيف رفع العذريون الحب إلى مرتبة العبادة. تلميذه وراويته كُثيّر عزة حمل الطريقة بعده، غير أن الأصل يبقى أصلاً.
أميل إلى الظن بأن بثينة الحقيقية لم تكن بهذا الجمال الأسطوري، ولا يهم. جميل لم يكن يكتب امرأة، كان يكتب المسافة بينه وبينها. وتلك المسافة، لا الوصال، هي التي أبقته حياً في الشعر العربي اثني عشر قرناً بعد أن مات غريباً في مصر.
انظر إلى الحمار الوحشي مرة أخرى. الأبيض هو الأصل، والأسود ما طُرِح فوقه لاحقاً. هذا ليس تلاعباً بالكلمات، بل ما تقوله الأجنّة نفسها في أول أسابيعها.
جلد الحيوان في الرحم يبدأ داكناً بأكمله، خالياً من أي تخطيط. ثم تتوقف خلايا صبغية في مواضع محددة عن العمل، تكفّ عن إنتاج الميلانين، فتظهر الخطوط الفاتحة كأنها فراغات نُحتت في لوح أسود. القاعدة، من حيث التلوين، سوداء. لكن الجينات تروي حكاية أخرى.
المسألة تُحسم بالوراثة لا بالنظرة الأولى. الأصل الجيني للجلد فاتح، والأسود صفة مضافة تتحكم فيها خلايا تُفعَّل في أشرطة منتظمة. أي أن اللون الأساسي، وراثياً، هو الأبيض، والخطوط السوداء تعليمات تُكتب فوقه. لهذا يقول علماء الأحياء إن الحمار الوحشي حيوان أبيض تحمله خطوط سوداء، لا العكس.
ولمن يريد دليلاً أبسط من المجهر: البطن. انظر إلى بطن معظم أنواع الحمر الوحشية، تجده أبيض خالصاً، بلا خطوط. لو كان الأصل أسود لامتدت الخطوط إلى هناك أيضاً، أو لبقيت أرضية داكنة تحت الفراغات. لكن اللون الفاتح يسود حيث يخفت أمر الخطوط.
ما الفائدة من كل هذا التخطيط أصلاً؟ الإجابة القديمة كانت التمويه، أن تختلط أجساد القطيع فلا يميز الأسد فرداً بعينه. تفسير جميل، لكنه لا يصمد كثيراً أمام الملاحظة. الأسود ترى في الظلام، والحمار الوحشي يعيش في سهول مكشوفة تحت شمس حارقة.
الفرضية التي تكسب أرضاً اليوم مختلفة تماماً: الذباب. ذباب الخيل الناقل للأمراض يتردد في الهبوط على الأسطح المخططة. التباين الحاد بين الفاتح والداكن يربك حاسة الطيران لديه، فيبتعد. جِلد يطرد الحشرات أنفع لحيوان السهول من جلد يخدع مفترساً نادراً ما ينخدع.
تبقى الخطوط، رغم كل التفسيرات، أقرب إلى بصمة منها إلى زيّ. لا يوجد حماران وحشيان يحملان النقش ذاته. كل حيوان يمشي حاملاً توقيعه الخاص على ظهره، تخطيطاً لا يتكرر مرتين في كل السهل.
فحين تسأل عن اللون الأصلي، لا تثق بما تراه العين أولاً. العين تُخدع بالتباين، تنجذب إلى الأغمق فتظنه القاعدة. أما الجين فيقول كلمته بهدوء تحت الجلد. الأبيض أولاً، ثم جاء السواد ليكتب عليه.
صباح الخير لكم من قرية هالشتات، النمسا
يكفي أن تنعطف في أحد أزقة هالشتات حتى تشعر أن الضجيج بقي خلف الجبل. البيوت الخشبية تتدرج على السفح كأنها تعرف مكانها منذ قرون، وشرفاتها المليئة بالزهور تطل على بحيرة ساكنة تعكس الجبال بوضوح يكاد يخدع العين. لهذا أرى أن جمال القرية لا يكمن في شهرتها، بل في قدرتها على جعل الزائر يبطئ خطواته من دون أن ينتبه.
في قلب القرية تقف كنائس صغيرة، ومقاه تقدم القهوة والحلوى المحلية، بينما تنطلق القوارب بهدوء فوق الماء. يمكن الصعود إلى منصة المشاهدة المرتفعة لمشهد يختصر المنطقة كلها في لقطة واحدة، أو زيارة مناجم الملح التي ارتبط تاريخ هالشتات بها منذ آلاف السنين، حتى أصبح اسمها يطلق على حضارة أثرية كاملة في أوروبا.
الصور هنا مغرية، لكن الكاميرا لا تنقل رائحة الخشب بعد المطر، ولا صوت الأجراس البعيد، ولا ذلك الصمت الذي يجعل البحيرة تبدو وكأنها تتنفس.
اللون الأحمر أولاً. أدوم في العبرية تعني الأحمر، والاسم لم يأتِ من فراغ. صخور المنطقة الواقعة جنوب البحر الميت حمراء، رملية، تتوهج عند الغروب كأنها جمر. هناك، بين وادي عربة وأطراف الصحراء، عاش الأدوميون قرابة ألف عام، ثم اختفوا من التاريخ اختفاء يثير الحيرة أكثر مما يثير الشفقة.
التوراة تجعلهم أبناء عيسو، شقيق يعقوب وغريمه. قرابة دم وعداوة دم في آن واحد. لكن علم الآثار يروي قصة أقل درامية وأكثر إقناعاً: قبائل رعوية بدأت تستقر في جبال سعير منذ القرن الثالث عشر قبل الميلاد، ثم تحولت تدريجياً إلى مملكة لها عاصمة اسمها بُصيرة، ولها إله قومي اسمه قوس، ولها ما هو أهم من ذلك كله. النحاس.
مناجم فينان وتمنع كانت كنز الأدوميين الحقيقي. حفريات السنوات الأخيرة كشفت عن صناعة تعدين ضخمة تعود إلى القرن العاشر قبل الميلاد، أفران صهر وأكوام خبث تمتد على مساحات واسعة. هذا وحده يكفي لدفن الفكرة القديمة القائلة إن أدوم كانت مجرد قبائل بدوية متناثرة. من ينظم آلاف العمال في مناجم صحراوية يعرف الدولة معرفة جيدة.
ثم الطريق. طريق الملوك التجاري الواصل بين اليمن والشام كان يمر من أراضيهم، فجمعوا المكوس وازدهروا. هذا الازدهار بالذات هو ما جعلهم هدفاً دائماً. داود حاربهم، وسليمان استغل موانئهم على خليج العقبة، ومملكة يهوذا ظلت تتنازع معهم قروناً على تلك البقعة الضيقة من الأرض. حين سقطت أورشليم بيد نبوخذنصر عام 586 قبل الميلاد، وقف الأدوميون مع البابليين. لم ينسَ اليهود لهم ذلك أبداً، وسفر عوبديا كله صرخة غضب ضدهم.
المفارقة أن سقوطهم جاء من الصحراء التي طالما حمتهم. زحف الأنباط من الجنوب في القرن الرابع قبل الميلاد، فانسحب الأدوميون غرباً نحو جنوب فلسطين، حيث صار اسمهم في المصادر اليونانية إدومية. وهناك حدث ما لم يتوقعه أحد. أجبرهم الحشمونيون على اعتناق اليهودية، فذابوا في الشعب الذي عادوه ألف سنة. ومن نسلهم خرج هيرودس الكبير، الملك الذي بنى الهيكل الثاني في أبهى صوره وحكم اليهود باسم روما.
آخر ذكر لهم يعود إلى القرن الأول الميلادي، حين قاتل الإدوميون بضراوة في الثورة اليهودية الكبرى ضد روما، دفاعاً عن ديانة فُرضت على أجدادهم فرضاً. أحفاد عيسو ماتوا على أسوار أورشليم دفاعاً عن إرث يعقوب.
كلمة واحدة. فرنسية الأصل. صغيرة. لكنها تحمل تاريخاً طويلاً من السلوك البشري المهذب. "إتيكيت". حين تسمعها، قد يخطر ببالك الشوكة التي تمسكها باليد اليسرى، أو السكين باليمنى. من يفتح الباب لمن. ومن يسلم على من أولاً. هذه تفاصيل. وليست الجوهر. الإتيكيت ليس قواعد جامدة. إنه لغة. لغة تقول للآخر: "أراك. أحترمك. وجودك يهمني".
جذور الكلمة تعود إلى بلاط لويس الرابع عشر. كان الملك الفرنسي يوزع بطاقات صغيرة على ضيوفه في قصر فرساي. بطاقات مكتوب عليها تعليمات السلوك في الحديقة الملكية: "لا تمشِ على العشب". "لا تقطف الزهور". سُميت البطاقة "إتيكيت". ومن بلاط ملك شمسي متعجرف، خرجت الكلمة إلى العالم. لكن الفكرة نفسها ليست فرنسية. ولا ملكية. كل حضارة عرفت الإتيكيت بطريقتها. العرب قالوا "الأدب". اليابانيون قالوا "ري". الفرس قالوا "آداب". الجوهر واحد: ضبط النفس أمام الآخرين. كبح الرغبة. تقديم الجماعة على الفرد. أن تتصرف لا كما تشتهي، بل كما ينبغي.
في القرن الثامن عشر، ظهر كتاب صغير غيّر المسار. "رسائل إلى ابنه" للورد تشيسترفيلد. كتبه رجل إنجليزي لابنه غير الشرعي. لم يكن كتاباً في الأخلاق. كان كتاباً في النجاح. قال تشيسترفيلد لابنه بوضوح: الأخلاق تجعلك محترماً، لكن الإتيكيت يجعلك محبوباً. الفرق بين الاثنين هو الفرق بين "ألا تؤذي أحداً" و"أن تجعل الناس تشعر بالراحة من حولك". الأولى واجب. الثانية فن.
واليوم، في عصر الجوالات والرسائل الفورية، تغيرت القواعد وبقي المبدأ. إتيكيت المائدة صار إتيكيت الواتساب. لا ترسل رسالة صوتية مدتها ثلاث دقائق. لا تكتب كلمة واحدة وتنتظر رداً فورياً. لا تترك من قرأ رسالتك دون جواب أياماً. هذه ليست قشوراً. هذه هي الطريقة الحديثة لقول: "وقتك يساوي وقتي". الإتيكيت، في نهاية الأمر، ليس في الشوكة ولا في السكين. ليس في "بونجور" ولا في "مرحباً". إنه في تلك اللحظة الصامتة التي تختار فيها ألا تزعج. ألا تقاطع. ألا تجرح. أن تجعل المساحة بينك وبين الآخر مريحة، لا ملغومة.
قصر فرساي سقط. الملك قطعوا رأسه. البطاقات الصغيرة احترقت. لكن بقيت الكلمة. وبقي المعنى.
صباح الخير لكم من صخرة أولورو، استراليا
في قلب الصحراء الأسترالية، على بعد ٤٥٠ كيلومتراً من أقرب مدينة، تقف صخرة أولورو. ليست جبلاً عادياً. إنها قطعة واحدة متصلة من الحجر الرملي. كتلة واحدة. لا تقاسيم. لا شقوق كبيرة. ٣٤٨ متراً فوق الأرض. ومحيط قاعدتها ٩ كيلومترات. لكن ما فوق الأرض ليس القصة الكاملة. العلماء يقولون إن ثلثي الصخرة مدفون تحت السطح. جبل تحت جبل.
سر التوهج الأحمر العميق ليس سحراً. إنه كيمياء الضوء والمعادن. حجر أولورو الرملي غني بأكسيد الحديد. ما نراه أصلاً رمادياً. صدّأ عبر ملايين السنين. وعند الغروب تحديداً، حين تنخفض الشمس إلى زاوية حادة فوق الأفق، تخترق أشعتها الغلاف الجوي بمسار أطول. تتبدد الموجات الزرقاء. تبقى الحمراء. تضرب وجه الصخرة. فيشتعل.
المشهد لا يُنسى. الصخرة تتحول أمام عينيك. من رمادي باهت في الظهيرة إلى برتقالي عند العصر. ثم أحمر قانٍ عند الغروب. ثم بنفسجي غامق حين تغيب الشمس. كأنها تتنفس لوناً. كأنها كائن حي يغير جلده مع الضوء.
وسكان أستراليا الأصليون، شعب أنانغو، عرفوا هذا قبل الجيولوجيين بآلاف السنين. أولورو ليست صخرة في معتقدهم. إنها كائن روحي. أثر خلفه أسلافهم في "زمن الحلم"، حين كانت الأرض تتشكل. وهم اليوم يحرسونها. يطلبون من الزوار ألا يتسلقوها. أن يمشوا حولها فقط. يتأملوا. يصمتوا. ويتركوا الغروب يفعل ما يفعل.
عمر بن أبي ربيعة قلبَ لعبة الغزل رأساً على عقب. الشعراء قبله يتوسلون إلى المحبوبة، يبكون على بابها، يشكون الصدود. أما هو فجعل نفسه المعشوق. النساء في شعره يتهامسن حين يمر، يتحايلن للقائه، يخفن منه ويشتهين قربه. اقرأ قوله:
قالتِ الكبرى أتعرفنَ الفتى؟ قالتِ الوسطى نعم، هذا عمرْ
قالتِ الصغرى وقد تيّمتُها: قد عرفناهُ، وهل يخفى القمرْ؟
هذا الغرور، وأنا أسميه غروراً بلا تردد، هو سر شعره. صدق فيه لأنه عاشه. وُلد في مكة سنة ثلاث وعشرين للهجرة، ليلة قيل إن عمر بن الخطاب طُعن فيها، فسُمي باسمه. أبوه من سادة بني مخزوم وأثريائهم، والمال في تلك البيئة يعني الفراغ، والفراغ في مكة يعني مواسم الحج. هناك وجد عمر مسرحه. نساء الأشراف يقدمن من كل الأمصار، والفتى الوسيم الثري يترصدهن بين الصفا والمروة، ثم يعود فيروي ما جرى شعراً يحفظه الناس قبل أن يجف مداده.
لم يقف على طلل قط. غزله حكاية كاملة، فيها حوار وموعد وخوف من الرقيب ودسيسة رسول. أدخل السرد إلى القصيدة قبل أن يعرف النقاد هذه الكلمة بقرون. وأدخل صوت المرأة أيضاً، فهي في شعره تتكلم وتمازح وتراوغ، لا تجلس صنماً يُبكى عنده. قارن هذا بغزل العذريين في نجد، جميل يذوب في بثينة حتى يفنى، وعمر في مكة يتنقل من هند إلى الثريا إلى نُعم كمن يتنقل بين مجالس السمر. مدرستان في زمن واحد، والحجاز يتسع لهما.
الثريا بنت علي الأمَوية كانت أشهر من ذكر. ولما تزوجت رجلاً من أهل الشام قال بيته الذي صار مثلاً:
أيها المنكحُ الثريا سهيلاً عمرَكَ اللهُ كيف يلتقيانِ؟
هيَ شاميةٌ إذا ما استقلّتْ وسهيلٌ إذا استقلَّ يماني
بيتان فيهما فلك وجغرافيا ولوعة، ولا كلمة زائدة.
غضب منه الفقهاء، وطاف شعره الأمصار رغم أنوفهم. ويُروى أنه نسك في آخر عمره وهجر الغزل، ثم خرج غازياً في البحر سنة ثلاث وتسعين للهجرة فاحترقت السفينة به. مات في الماء والنار معاً، هو الذي قضى عمره يشعل القلوب. أظن أنه لو خُيّر ميتةً لاختار أقل من هذه مبالغة، لكن الحكايات تحب أبطالها هكذا. تمنحهم نهايات تشبه قصائدهم.
لم يختر الرهبان جزيرة في بحيرة. اختاروا عزلة في السماء. على ارتفاع ألف وتسعمئة متر، فوق هضبة أرمينية تلامس الغيم، يقف دير سيفانافانك. حجر أسود بركاني. قبتان مخروطيتان. كنيسة الرسولين وكنيسة والدة الإله. لا زخرفة تلفت النظر. لا ذهب. فقط حجر. صامد. صامت.
بنته الأميرة مريم بنت الملك آشوط الأول سنة ٨٧٤ ميلادية. كان الدير على جزيرة. جزيرة حقيقية يحيط بها الماء من كل جهة. لكن السوفييت جاؤوا في القرن العشرين. جففوا البحيرة. هبط الماء عشرين متراً. وتحولت الجزيرة إلى شبه جزيرة. لم يعد الراهب يحتاج إلى قارب. صار الطريق الترابي يوصل إلى الباب.
آخر راهب غادر الدير سنة ١٩٣٠. بقي الحجر وحده. بقي ينظر إلى بحيرة سيفان. البحيرة الزرقاء التي لا تنتهي. واحدة من أكبر بحيرات المياه العذبة في العالم. تحيط بها الجبال. تغذيها الأنهار. تبتلع السماء في سطحها.
اليوم يصعد الزائر درجات حجرية. مئتان وثلاثون درجة. منحوتة في الصخر. يصل لاهثاً. يلتفت. فينسى تعبه. تحت قدميه زرقة لا حدود لها. بحيرة تحيط بها جبال تحيط بها غيوم. وفي القمة، كنيسة من القرن التاسع. قائمة. كأن الزمن لم يعبرها.
كان فيلون يقف بين عالمين، ولم يشعر يوماً أنه غريب في أيهما. يهودي يصلي بالعبرية في المعبد، ثم يخرج ليقرأ أفلاطون باليونانية كأنه يقرأ كتاباً مقدساً آخر. وُلد في الإسكندرية حوالي سنة عشرين قبل الميلاد، في عائلة من أثرى عائلات المدينة، وكان أخوه من كبار موظفي المال، وابن أخيه صار لاحقاً حاكماً رومانياً على مصر ثم قاد جيشاً حاصر القدس. عائلة تعرف كيف تنجو.
أما هو فاختار الكتب.
المشروع الذي كرّس له عمره يبدو اليوم بديهياً، لكنه في زمنه كان مغامرة: أن يقرأ التوراة بعيون فلسفية يونانية. النص يقول إن الله خلق العالم في ستة أيام؟ فيلون يبتسم ويقول: الأيام هنا رموز، والقصة كلها استعارة عن ترتيب عقلي لا عن تسلسل زمني. آدم وحواء والحية، عنده، مسرحية داخلية تجري في نفس كل إنسان. هذا التأويل الرمزي، الذي نسميه الأليغوري، لم يخترعه فيلون، لكنه دفعه إلى أقصاه، وفتح باباً ظل مفتوحاً ألفي سنة بعده.
أهم ما تركه فكرة واحدة: اللوغوس. الكلمة، العقل الإلهي، الوسيط بين إله متعالٍ لا تدركه العقول وبين عالم مادي متغير. حين كتب يوحنا الإنجيلي بعد عقود "في البدء كان الكلمة"، كان يكتب بلغة صاغها فيلون، أو على الأقل بلغة سبح فيلون في مائها. المفارقة موجعة: اليهود أهملوه قروناً طويلة، والمسيحيون هم من حفظوا كتبه ودرسوها. الرجل الذي أراد أن يبرهن أن موسى فيلسوف أعظم من أفلاطون، صار أباً روحياً لديانة لم يعرفها.
لم يكن ناسكاً معتزلاً. في سنة أربعين ميلادية، حين هاجم الإسكندريون اليونانيون يهود المدينة وأحرقوا بيوتهم، ترأس فيلون وفداً سافر إلى روما ليقابل الإمبراطور كاليغولا. يصف اللقاء في كتابه بمرارة من عاش الإهانة: الإمبراطور المجنون يتنقل بين قصوره، والوفد يلهث خلفه، وحين يتكلمون أخيراً يسألهم كاليغولا ساخراً: لماذا لا تأكلون لحم الخنزير؟ ثم ينصرف. عاد فيلون خائباً، وكتب.
أفكر أحياناً في أن هذا الفشل السياسي هو ما يجعله قريباً منا. الفيلسوف الذي يحاول إقناع السلطة فلا تسمعه، ثم يعود إلى مكتبه لأن الكتابة هي كل ما يملك. مات حوالي سنة خمسين ميلادية، تاركاً عشرات المؤلفات، وسؤالاً ما زال حياً: هل يمكن أن تؤمن بوحي وتفكر بعقل حر في الوقت نفسه؟ فيلون عاش حياته كلها وكأن الجواب نعم.
صبا الخير لكم من خور فيراب، ارمينيا
الدير ليس كبيراً. كنيسة حجرية بسيطة. جدران عتيقة. قبة مدببة. لكن ما خلفه هو الذي يصنع المشهد. جبل أرارات. خمسة آلاف ومئة وسبعة وثلاثون متراً من الثلج والصخر يرتفع في السماء كأنه ليس من هذه الأرض. قمة تغطيها الثلوج الدائمة. تقف خلف الدير صامتة. شاهدة. أبدية.
خور فيراب تعني "الحفرة العميقة" بالأرمنية. وليس اسماً. إنه وصف. هنا، في القرن الثالث الميلادي، ألقى الملك تيريداتس الثالث برجل اسمه غريغوري في حفرة مظلمة تحت الأرض. ثلاثة عشر عاماً. في الظلام. في العزلة. في الحفرة التي لا يصلها ضوء. كان غريغوري مبشراً مسيحياً في مملكة لم تعرف المسيحية بعد. قالوا له: توقف عن هذا. رفض. فألقوه في الحفرة. لكن غريغوري لم يمت.
بعد ثلاثة عشر عاماً، مرض الملك. جن جنونه. لم يشفه طبيب. تذكر أحدهم السجين في الحفرة. أخرجوه. صلى غريغوري. شفي الملك. وحدث ما لم يحدث في أي بلد من قبل: اعتنقت أرمينيا المسيحية. أول دولة في التاريخ تتخذ المسيحية ديناً رسمياً. سنة ٣٠١ ميلادية. قبل روما. قبل بيزنطة. قبل العالم.
بُني الدير فوق الحفرة. الكنيسة الصغيرة التي تراها اليوم تعود إلى القرن السابع. لكن الأرض تحتها أعمق. هناك سلالم حجرية تنزل إلى بئر. إلى قاع الحفرة حيث قضى القديس سنواته. والحجاج ينزلون. واحداً بعد واحد. يلمسون الجدران. يضيئون الشموع.
وخارج الدير، الجبل. أرارات. الذي حمله الأرمن في دمهم. والذي راح للأتراك في معاهدة. لكنه لا يزال ينتمي إلى الأرمن بالروح. يقف هناك. على الحدود. ثلجه لا يذوب. والكنيسة عند قدميه تصلي. منذ سبعة عشر قرناً. وما زالت.
لن تجدهم على الخريطة اليوم. لكنهم كانوا هناك. شرق البحر الميت. حيث ترتفع هضبة مؤاب، امتدت مملكة كاملة. المؤابيون. شعب سامي قديم. جيران بني إسرائيل. أعداؤهم أحياناً. وأقرباؤهم دائماً.
الغريب أن التوراة تنسبهم إلى لوط. نعم. لوط النبي. بعد خراب سدوم، تقول الرواية إن ابنتي لوط الكبرى أنجبت له ابناً اسمه "مؤاب". ومنه جاء الشعب كله. أب من نبي. وأم من علاقة لا تشبه أحداً. بداية غريبة. كأن المؤابيين ولدوا من صدمة.
مملكتهم لم تكن هامشية. كانت قوية. محصنة. عاصمتهم ديبون. مدنهم مسورة. جيوشهم تقاتل. ملوكهم يبنون. وملكهم الأشهر اسمه ميشع. في القرن التاسع قبل الميلاد، ثار على إسرائيل. رفض الجزية. قاد حرباً. وانتصر. ولم يكتف بالانتصار. أراد أن يسجله.
في سنة ١٨٦٨، اكتشف مبشر ألماني اسمه فريدريك كلاين حجراً أسود في أنقاض ديبون. حجر بازلت. طوله متر. مكتوب عليه أربعة وثلاثون سطراً. ليس بالعبرية. ولا بالآرامية. لغة خاصة: المؤابية. شقيقة العبرية. تفهمها إن عرفت العبرية. لكنها ليست هي. وجدوا صوت شعب كامل محفوراً على حجر.
وقبل أن يقرأه العالم، كاد الحجر أن يضيع. تجار آثار. حكام عثمانيون. بدو غاضبون كسروه قطعاً. لو لم ينجح الفرنسيون في جمع شظاياه وترميمه، لضاع الصوت. الحجر اليوم في متحف اللوفر. باريس. بعيداً عن هضبة مؤاب.
ماذا يقول ميشع على الحجر؟ يقول: "أنا ميشع بن كموش ملك مؤاب. إسرائيل اضطهدتنا. وإلهي كموش أعاد لي أرضي". كموش هو الإله. ليس يهوه. ليس بعل. كموش. إله المؤابيين. يطلبونه في الحرب. يشكرونه في النصر. ويغضبون حين يهزمون، فيعتقدون أنه تخلى عنهم. إله وإنسان. علاقة قديمة كقدم الأرض التي ساروا عليها.
كانوا رعاة. مربي أغنام. دفعوا الجزية لملك إسرائيل: مئة ألف حمل. مئة ألف كبش. صوف. لحم. ضريبة سلام. وعندما سئموا، حملوا السلاح. لا يختلفون عن أي شعب صغير أراد أن يبقى.
ثم تلاشوا. كغيرهم. أكلهم التاريخ. لا نعرف أين ذهب آخر مؤابي. ربما صار عبرانياً. ربما عربياً. وربما بقي في التراب. وفي الحجر. فقط.
قيل لك إن صوت البطة لا يحدث صدى. وقيل لك إن أحداً لا يعرف السبب. وهززت رأسك. قبلت المعلومة. أضفتها إلى خزانة الغرائب في عقلك. ثم مضيت.
القصة كلها غير صحيحة.
صوت البطة يحدث صدى. تماماً كأي صوت آخر. الفيزياء لا تميز بين بطة وكلب وطائرة. الصوت يصدر. ينتشر. يصطدم بسطح. يرتد. هذا هو الصدى. والبطة ليست استثناء. السؤال الحقيقي ليس: لماذا لا يحدث صوت البطة صدى؟ السؤال: لماذا صدق الناس هذه الخرافة طوال هذه المدة؟
في ٢٠٠٣، قام أستاذ الصوتيات البريطاني تريفور كوكس من جامعة سالفورد بالتجربة. وضع بطة اسمها ديزي في غرفة عديمة الصدى. سجل صوتها. ثم وضع التسجيل في غرفة ارتداد. والنتيجة؟ صوت البط يحدث صدى. واضح. مسجل. لا شك فيه.
لكن القصة لم تنته. المشكلة ليست في الصدى نفسه. المشكلة في طبيعة صوت البطة. صوت البطة يصدر ويضمحل بطريقة تجعل الصدى يختلط بالصوت الأصلي. صوت البطة لا ينقطع فجأة. يتلاشى تدريجياً. وحين يرتد الصدى، يكون الصوت الأصلي لم ينته بعد. فيسمع المستمع الصوتين معاً. متداخلين. كأن الصدى ليس صدى. هذا خداع سمعي. ليس ظاهرة فيزيائية.
الخرافة انتشرت أسرع من الحقيقة لأنها أجمل. صوت بطة لا يحدث صدى. لغز لم يحل. كم مرة سمعتها في حياتك؟ وكم مرة كررتها؟ وكم مرة كانت غلطاً؟
هذه ليست قصة عن البط. هذه قصة عنك. عني. عن عقل الإنسان الذي يفضل الغرابة على الدقة. اللغز على الملل. الخرافة على التجربة. والحقيقة أن صوت البطة يحدث صدى. الحقيقة مملة. لكنها تبقى. والخرافة تذبل.
على قدمي جبال الأنديز، حيث الهواء رقيق والسماء واسعة، تمتد كروم مندوزا. ليست مزارع. لوحات خضراء مرسومة بين الجبال والثلوج. صفوف العنب تمشي في خطوط مستقيمة نحو الأفق، وخلفها تقف القمم البيضاء كأنها تحرس المحصول.
مندوزا ليست مجرد منطقة نبيذ. إنها عاصمة المالبيك في العالم. العنب الأسود الذي جاء من فرنسا قبل قرن ونصف وجد هنا بيته الحقيقي. الشمس عالية. التربة جافة. ماء الأنديز الذائب من الثلج يسقي الكروم في قنوات حفرها الهنود قبل الإسبان. الظروف قاسية. لهذا النبيذ رائع.
مئات المصانع. أبواب خشبية قديمة تفتح على أقبية باردة. براميل بلوط تصطف في الظلام. وفي الخارج، مطاعم تحت السماء تقدم الشواء الأرجنتيني. طبق لحم. كأس مالبيك. جبال تلمع في البعيد.
الموسم يبدأ في مارس. مهرجان الحصاد. عناقيد تقطف بالأيدي. موسيقى. رقص. وخمر جديد يسيل. هذه مندوزا. حيث تحولت الصحراء إلى ذهب أحمر في كأس.
قبل خمسة عشر ألف عام، اقترب ذئب من نار إنسان. لم يهاجمه. لم يهرب منه. جلس. راقب. انتظر. وألقى إليه الإنسان عظماً. في تلك اللحظة، ومن دون أن يدري أي منهما، بدأت أطول قصة حب بين نوعين مختلفين من الكائنات.
الكلب ليس حيواناً مدجناً فقط. الكلب أول حيوان دجنه الإنسان. قبل الحصان. قبل البقرة. قبل القط. قبل الزراعة نفسها. في زمن كنا فيه لا نزال نعيش في الكهوف ونطارد الغزلان بالعصي، كان إلى جانبنا مخلوق آخر. يشم الطريدة قبلنا. يسمع الخطر قبلنا. يحرس نومنا حين نغفو. ومقابل هذا كله، لا يطلب إلا شيئين: طعاماً. ويداً تربت على رأسه.
الذئب صار كلباً. وكما غيرناه، غيرنا. الكلب علمنا التعاون. علمنا أن الثقة بين كائنين مختلفين ممكنة. وأن الوفاء ليس فكرة بشرية خالصة. الكلب يموت على صاحبه حرفياً. هناك كلاب ماتت جوعاً على قبور أصحابها. ليس لأنها لا تعرف الطريق إلى البيت. لأنها اختارت ألا تذهب.
انظر إلى عينيه. تلك العيون التي ترفع حاجبيها الداخليين حين تنظر إليك. عضلة خاصة تطورت في الكلاب وحدها دون الذئاب. عضلة لا تفعل شيئاً إلا جعل الوجه يبدو حزيناً. بريئاً. طالباً. وهذه العضلة صنعتها أنت. خلال آلاف السنين، الكلاب التي تستطيع أن تصنع هذا التعبير الوجهي لقيت رعاية أكثر. نجت أكثر. تناسلت أكثر. الكلب تعلم أن يحرك وجهه بطريقة تجعلك تحبه. وهذا وحده يفسر كل شيء.
والكلب لا يكتفي بالنظر. الكلب يقرؤك. يشم الخوف في عرقك. يسمع تسارع قلبك. يعرف من نبرة صوتك إن كنت غاضباً أم حزيناً. وإذا بكيت، سيضع رأسه على ركبتك. لا لأنه يفهم الموت أو الفقد أو خيبة الحبيب. لأنه يفهم أن شيئاً يؤلمك. ويكفيه هذا.
في اليابان، وقف كلب اسمه هاتشيكو أمام المحطة كل يوم تسع سنوات ينتظر صاحبه الميت. وفي اسكتلندا، نام كلب اسمه غريفرايرز بوبي على قبر صاحبه أربع عشرة سنة. هذه ليست أساطير. هذه وقائع مسجلة. الكلب لا يفهم الموت. لكنه يفهم الغياب. ويختار الانتظار.
القط يعيش معك. الكلب يعيش لأجلك. هذا هو الفرق. القط يسمح لك. الكلب يختارك. مرة واحدة. ثم لا يتراجع.
الصفيح لا يصدأ في لا بوكا. يطليه السكان قبل أن يصدأ. أخضر فوق أزرق فوق أصفر، بقايا دهان السفن التي كان عمال الميناء يحملونها إلى بيوتهم في أواخر القرن التاسع عشر، علبة من هنا وعلبة من هناك، فخرج الحي بألوان لم يخطط لها أحد. المهاجرون من جنوة بنوا بيوتهم من ألواح الخشب والمعدن قرب مصب الريتشويلو، وسمّوا المكان على اسم فم النهر، ثم تركوا فيه شيئاً من ليغوريا لا يزال حاضراً في نبرة الأحياء القديمة.
شارع كامينيتو هو ما يقصده الزوار اليوم. مئتا متر من الواجهات المطلية، راقصو تانغو على الأرصفة، رسامون يبيعون لوحات صغيرة، وتماثيل مارادونا تطل من الشرفات. جميل، نعم، لكنه مسرح. الحي الحقيقي يبدأ خلف الزاوية، حيث البيوت أفقر والألوان أبهت، وحيث ملعب البومبونيرا يهدر كل أسبوعين بأنصار بوكا جونيورز حتى ترتجف الجدران.
أنا أميل إلى الجزء الخلفي. البهجة المدفوعة الأجر تتعب العين بسرعة، أما بيت صفيح يطليه صاحبه كل بضع سنوات بما تيسر من الدهان، فذلك لون له سبب. واللون الذي له سبب يبقى في الذاكرة أطول من أي بطاقة بريدية.