مجدل زون وأهلها الطيّبون!
الأماكن لا تُرثى، وإن دُمّرت، بل يعاد تشكيلها وترميم ما تبقّى منها فينا، كي نبقى على قيد حبّها.
في اللغة السريانية، مجدل زون اسم من لفظين، القلعة المشرفة(مجدل) والأرض الخصبة(زون)، تقع على قمّة الشّوق إلى فلسطين، تشرف عليها، وتصبو إليها، من جهة الجنوب، ومن جهة الشمال عينها على مدينة صور، حاضرة الحبّ والحرف، وعلى قرى الساحل المبسوطة بين بساتين الموز والليمون.
وبينها بين نبي الله شمعون الصفا "وادي العين" الممتد من بيوت السياد حتّى "وادي حسن"، معبر المقاومين نحو موقع "الرجمين" بين طير حرفا والجبين، وصولا إلى "السفرجل" المتّصل ببلدة شيحين.
ومن جهة الشرق "وادي النّفخة" الفاصل بينها وبين زبقين، حزام من أودية تحتضن تلالًا ثلاث تشكّل الضيعة القديمة.
تكسو الأودية أشجار السنديان والبلوط، وتزيّنها أزهار الأقحوان والبيلسان، وتفوح منها وفيها رائحة الياسمين والطيون.
وفي قلب الضيعة يسكن أناس طيّبون، متطرّفون في الوفاء والحبّ والولاء، فطريّون بسطاء كرماء، رحماء بينهم وأشدّاء على الأعداء.
كنّا صغارًا، نراقب حياة الكبار، وهم يتنقّلون بين مواسم التعب: من حصاد القمح إلى زراعة التّبغ وفرط الزيتون وقطع الحطب.
وكنّا إذا سرقنا "كوز تين" نشعر بثقل الخطيئة ولا يخفّفها سوى ابتسامة صاحب الكرم، وعبارة "مسامحين دنيا وآخرة"، وأحيانًا نهرب من وابل حجار طائشة يرميها صاحب كرم غير متسامح!
كبرنا، ومات الكبار، واحدًا تلو واحدة، انسلّوا من بين أصابع الحياة كما ماء الوضوء، خفافًا طاهرين، ولا نعلم منهم إلّا خيرًا.
ماتوا، لكن بقيت أطيافهم تحرسنا، وحرارة أنفاسهم تسكن "ساحة الضيعة وحي السيار" وباحة المسجد القديم، حيث تستضيف اللهَ قلوب المؤمنين.
كبرنا وبقيت لهفتنا تطارد وجوه الغائبين، وخشونة أكفّهم، وتجاعيد وجوههم، وبريق عيونهم، وعرق جبينهم المصبوب على أديم الأرض، وبقينا كلّما مررنا من أمام بيوتهم تلقي قلوبنا السلام على أرواحهم، ونقرأ فاتحة الكتاب تمتمةً.
أمس، لم تفجّر "إسرائيل" النفق، ولم تمحُ نصف الضيعة القديمة، ولم تهدم البيوت وتغيّر معالمها فقط، "إسرائيل" مسحت ذاكرتنا الأولى، واغتالت أطياف الكبار، وأطفأت بريق عيونهم في عيوننا.
أطنان الحقد التي انفجرت ليست لتدمير النفق، فيمكن ردمه، بل انتقامًا من تاريخنا الذي لا يملكونه وتراثنا الذي يسرقونه وحضارتنا التي تناقض همجيّتهم، وانتقامًا من شباب لم يغادروا، ولم ينسحبوا ولم يتراجعوا، بل قاتلوا حتّى آخر رمق.
كان لابد من انتقام، فإمام المقاومة بارك القرية مرّات عدّة، وبنى ناديها الحسيني وألقى خطبة بعد وضع الحجر الأساس، ودعا الأهالي إلى تدريب أطفالهم على السلاح لأنه "ستمر علينا أيام محن، ونعيش في عالم تملأه الذئاب ونحن بحاجة إلى بطولة ودماء حتى نحمي الأرض الطاهرة".
ونحن، كما أوصانا إمامنا، سنطرد الذئاب، ونعود إلى قريتنا، ونعيد بناءها، وسنحكي للأجيال القادمة عن حقد العدو وعن حبّ أهل الأرض!
كل نائب بالمجلس النيابي لا يوجّه الاتهام الى رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ليُصار الى محاكمتهم بتهمة "الخيانة العظمى" فهو خائن اكثر منهم!
#عهد_العار#اتفاق_الخيانة_والخضوع