الحمد لله الذي أذل بالموت رقاب الجبابرة، وقصم به ظهور المتكبرين، وجعل حفرة التراب نهاية حتمية لكل من استعلى في الأرض بغير الحق، وظن في غمرة سكرته أنه مخلد لا يُسأل ولا يزول.
سقطت الهيبة المستعارة، وتلاشت الصولة، وانطفأت الأضواء التي أطعمت النفس كبرها.. أين المنصات العالية التي كان يُحكم منها على مصائر العباد؟! وأين تلك الألسنة التي طغت وتجبرت وظنت يوما أنها من طبقة الأسياد وأن سائر الناس لهم عبيد؟!
مات.. وخلا من المشهد كله في لحظة واحدة؛ أُخرج من قصوره وسلطانه وحراساته كما يخرج كل مسكين، ملفوفا في بضعة أمتار من قماش أبيض لا جيوب فيه، لا يحمل معه رتبة، ولا منصبا!
اليوم تُرفع أوراق الدنيا بكل ما فيها من زيف وتدليس، وتُنصب المحكمة الكبرى التي لا يُظلم فيها أحد؛ المحكمة التي لا استئناف فيها، ولا وساطة، ولا هواتف تُملي القرارات من وراء الستار.
يقف المرء فردا مجردا أمام أحكم الحاكمين، وتبدأ جلسة القضاء الحق: «وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما». هناك تُفتح الدواوين، وتتزاحم المظالم؛ تتطاير كتب لم تغاد�� صغيرة ولا كبيرة، وتأتي أنات المعذبين في قيعان الزنازين، ودموع الأمهات الثكالى، ودعوات المظلومين في حلكة الليالي التي صعدت إلى العرش يوم كان الظالم في غفلته وبطشه، يظن أن يد العدالة الإلهية لن تطاله.
يا من بقي في جسده نفس، ويا من لا يزال يملك في يده قلما يوقع به على أقدار الناس أو سوطا يجلد به ظهورهم: اعتبروا بمن مضى قبل أن تصيروا أنتم العبرة.
إن الموت لا يجامل أحدا؛ يدخل على الملوك والقضاة كما يدخل على الضعفاء والمشردين، يأخذهم على غرة، فينزع عنهم زينة الغرور، ويدعهم في ظلمة اللحد وحيدين مرتهنين بما كسبوا.
فيا ويل من باع آخرته بدنيا غيره، ويا حسرة من كان عون�� للظالمين ثم أفضى إلى ربه وقد أثقل ظهره بدماء المظلومين ودموع المقهورين؛ «يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار».
أرأيتم الذي واسى الطبيب منير البرش في ابنه؟!
هو الشيخ نعيم النجار.. هنا لحظة تلقيه ارتقاء زوجته وجميع أبنائه، لم يجزع، ولم يُفجع، ردد قائلا "كلنا شهداء".
الصبر الذي تسمعون عنه، وتقرأونه في القرآن.. هو يمشي في غزة، يسير كما الناس ولا يبقى حبيس صدورهم فقط.
ذهب ليواسي الطبيب منير البرش، وهو يحمل فاجعة عائلة كاملة، ذهب بمصابه ليواسي مصاب غيره