من سنتين كنت في حديث مع أحد الأشخاص الذين أثق بهم وأثناء الكلام انقالت لي جملة ما فارقتني:
(شيخة، السعادة مب بس قرار، السعادة قرار واختيار. الإنسان مُخيّر بين إنه ياخذ مجريات الحياة اللي خارج سيطرته بسعة صدر ويتقبل الحقيقة، أو يدّخل نفسه في دوامة لا نهاية لها بحثاً عن إجابات.)
عرفت الله خارج المفاهيم المعلبة والأفكار التقليدية وخطاب الدين الكلاسيكي، وأدركت وجوده في أدق تفاصيل الحياة، ومن وحي تجربتي الشخصية، أدركته يقينا في معيته التي لازمتني منذ المهد حتى اليوم، في مواطن لا يمكن للمنطق أن يجد لها تفسير أو تدبير، لكن معيته كانت الجواب الذي لا جواب غيره.
أتمسك دائمًا بالدعاء، لأن الدعاء -كما تعلّمت- هو زفرة النفس المكتومة التي تعجز عن البوح بها حتى لنفسك، ولا متسع لها إلا رحمة الله. والخطة هي الدعاء والنظر إلى السماء، وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا أهمَّه الأمر رفع رأسه إلى السماء.
الحمدلله على سلامة ولادنا.. غصة وكسرة قلب على الي انتركوا بلا أمل.. على مقاتلين غزة الي ماحنعرف حتى اخبارهن.. على حالنا ولوين وصلنا.. وعلى تجذير الخيانة كمنطق، والخذلان كعقيدة سليمة..الله يعوضكم خير ويجبر كسرنا جميعا. سبحانه قادر وجبره عظيم.
هذه وصيّتي، ورسالتي الأخيرة.
إن وصلَتكم كلماتي هذه، فاعلموا أن إسرائيل قد نجحت في قتلي وإسكات صوتي.
بداية السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يعلم الله أنني بذلت كل ما أملك من جهدٍ وقوة، لأكون سندًا وصوتًا لأبناء شعبي، مذ فتحت عيني على الحياة في أزقّة وحارات مخيّم جباليا للاجئين، وكان أملي أن يمدّ الله في عمري حتى أعود مع أهلي وأحبّتي إلى بلدتنا الأصلية عسقلان المحتلة "المجدل" لكن مشيئة الله كانت أسبق، وحكمه نافذ.
عشتُ الألم بكل تفاصيله، وذُقت الوجع والفقد مرارًا، ورغم ذلك لم أتوانَ يومًا عن نقل الحقيقة كما هي، بلا تزوير أو تحريف، عسى أن يكون الله شاهدًا على من سكتوا ومن قبلوا بقتلنا، ومن حاصروا أنفاسنا ولم تُحرّك أشلاء أطف��لنا ونسائنا في قلوبهم ساكنًا ولم يُوقِفوا المذبحة التي يتعرّض لها شعبنا منذ أك��ر من عام ونصف.
أوصيكم بفلسطين، درةَ تاجِ المسلمين، ونبضَ قلبِ كلِّ حرٍّ في هذا العالم.
أوصيكم بأهلها، وبأطفالها المظلومين الصغار، الذين لم يُمهلهم العُمرُ ليحلموا ويعيشوا في أمانٍ وسلام،
فقد سُحِقَت أجسادهم الطاهرة بآلاف الأطنان من القنابل والصواريخ الإسرائيلية، فتمزّقت، وتبعثرت أشلاؤهم على الجدران.
أوصيكم ألّا تُسكتكم القيود، ولا تُقعِدكم الحدود، وكونوا جسورًا نحو تحرير البلاد والعباد، حتى تشرق شمسُ الكرامة والحرية على بلادنا السليبة.
أُوصيكم بأهلي خيرًا،
أوصيكم بقُرّة عيني، ابنتي الحبيبة شام، التي لم تسعفني الأيّام لأراها تكبر كما كنتُ أحلم.
وأوصيكم بابني الغالي صلاح، الذي تمنيت أن أكون له عونًا ورفيق دربٍ حتى يشتدّ عوده، فيحمل عني الهمّ، ويُكمل الرسالة.
أوصيكم ب��الدتي الحبيبة، التي ببركة دعائها وصلتُ لما وصلت إليه، وكانت دعواتها حصني، ونورها طريقي.
أدعو الله أن يُربط على قلبها، ويجزيها عنّي خير الجزاء.
وأوصيكم كذلك برفيقة العمر، زوجتي الحبيبة أم صلاح بيان، التي فرّقتنا الحرب لأيامٍ وشهورٍ طويلة، لكنها بقيت على العهد، ثابتة كجذع زيتونة لا ينحني، صابرة محتسبة، حملت الأمانة في غيابي بكلّ قوّة وإيمان.
أوصيكم أن تلتفوا حولهم، وأن تكونوا لهم سندًا بعد الله عز وجل.
إن متُّ، فإنني أموت ثابتًا على المبدأ، وأُشهد الله أني راضٍ بقضائه، مؤمنٌ بلقائه، ومتيقّن أن ما عند الله خيرٌ وأبقى.
اللهم تقبّلني في الشهداء، واغفر لي ما تقدّم من ذنبي وما تأخّر، واجعل دمي نورًا يُضيء درب الحرية لشعبي وأهلي.
سامحوني إن قصّرت، وادعوا لي بالرحمة، فإني مضيتُ على العهد، ولم أُغيّر ولم أُبدّل.
لا تنسوا غزة…
ولا تنسوني من صالح دعائكم بالمغفرة والقبول.
أنس جمال الشريف
06.04.2025
هذا ما أوصى بنشره الحبيب الغالي أنس عند استشهاده.
إدارة الصفحة
المشهد في غزة بائس جدا جدا، ومع أخبار المجازر اليومية تغيب كثير من التفاصيل الخطيرة وبالغة الخطورة: -
١- تعداد الشهد١ء ما زال عند الرقم المرعب مائة، معظمهم من الجوعى وطالبي المساعدات، يعني يذهب الناس للحصول على كيس طحين أبيض فيعودوا برداء أبيض، إن وُجدت الأكفان أصلا
٢- المجاعة في أوجها وفي أسوأ أيامها، وهناك مخيمات نزوح وقرى أيتام كاملة لا تتمكن من توفير وجبة طعام واحدة في اليوم الواحد، نعم، تمضي 24 ساعة وأبناء الشهداء بلا وجبة طعام واحدة
٣- لا خضار ولا فواكه ولا أسماك ولا لحوم مجمدة تدخل قطاع غزة، وهذا منذ ثلاثة أشهر ونصف، كاملة، والمنطقة الشرقية والشمالية التي كانت سلة غذاء غزة سيطر عليها الاحتلال بشكل كامل، ما أوقف نشاط الزراعة في ثلثي مناطق القطاع
٤- هناك محاولات يائسة لبعض الصيادين للتقدم بمراكبهم للحصول على طعام لأطفالهم، ويتم قصفهم بالمسيّرات الإسرائيلية مباشرة، أو تطلق عليهم النار البوارج الموجودة في عرض البحر
٥- هناك خطر يتهدد حياة مئات الأطفال الرضع وحديثي الولادة، فالحليب الصناعي غير متوفر وبالكاد يدخل لمنظمة دولية واحدة، والنتيجة أن آلاف الأطفال يعانون من أعراض متقدمة لفقر الدم وسوء التغذية
٦- شاهدتم المشهد المؤلم للشاب الذي ارتقى في محاولة الحصول على المساعدات قبل أيام، وشاهدتم كيف التصقت أمعاؤه بجلد ظهره من الجوع والعَوَز، هذا الشاب حاله حال مئات الآلاف في قطاع غزة
٧- السيناريو الذي كان يخشاه الكثير بدأ يتحقق، إ�� خفّت الضغوط الدولية على الاحتلال باعتبار أن هناك شركة مساعدات أمريكية تطعم الناس، مع أنها قتلت منهم خمسمائة حتى الآن، ولكن الصورة التي تريد إيصالها إسرائيل وداعمها الأمريكي وصلت، رغم الانتقادات الحقوق��ة اليومية
إذا كنتم تتعاطفون مع غزة ضعفا في الشهر الأول، فغزة الآن بحاجة إلى مائة ضعف من ذاك التعاطف، وإذا كنتم تتظاهرون لأجل غزة مرة بداية الحرب، فغزة بحاجة الآن لمئات المظاهرات، فما بالكم بالحديث الوقح عن سلام واتفاقات وتطبيع ودماء وجثث أهلكم وذويكم تملأ الطرقات…!
آن للعظام المنسحقة في حي التضامن، ولجثامين أطفال الغاز والكيماوي في غوطة دمشق، وشهداء مسالخ صيدنايا، وشهداء حلب الذين شاهدوا مدينتهم تُحاصر وتحترق. وساروت حمص ورفاقه، وأهل حماة أجمعين، آن لهؤلاء جميعًا أن يستريحوا في مراقدهم. البلاد حرّة، والأسد هارب.
هنا بصرك اليوم حديد، هنا ترى الموت يضع كفَّه على كتفك ويتركك، هنا ت��رب منه بُعد المشرقين ويمسكك، هنا الجوع والعطش، هنا التعب والنصَب، هنا قضاء الله، هنا بقعة الابتلاء، هنا الصبر الذين أمر الله به عباده، هنا الدار التي فيها الأشداء الرُّحماء، هنا القيامة الصغرى، هنا منازل الآخرة، هنا الجنة لخير خلق الله وأوليائه، هنا النار لأشقياء خلق الله وأعدائه، هنا الذين ذاقوا طعم الموت فعاشوا، هنا الذين لم يعرفوا من الدنيا إلا اسمها ورَسمها، هنا خير ��هل الأرض، هنا الذين ينتظرون سقيا النبي على الحوض، هنا شمال غزة.