لا أريد أن أسمع بعد الآن عن ذكاء وإنسانية الغرب الذين يدافعون عن حقوق الحيوانات والقواقع والجن الأزرق، ولكنهم يغمضون عيونهم عن المجازر التي تحدث بالصوت والصورة في غزة؛ بل الأمر أنهم يؤمنون بأحقية الكيان الصهيوني فيما يرتكبه من جرائم.
لا بارك الله فيهم ولا في معاييرهم المزدوجة!
اخوانكم يموتوا و يتعذبوا و انتو شاغلين عماركم بالشتايم بين بعضكم والله هذا الاماراتي قال و هذا السعودي سوّا و هذاك المصري كتب، بسألكم انتو ما فيكم ادب و لا احترام للمصاب الجلل الي تعيشه الأمة؟
أرجوكم لا تركّبوا الموسيقى على مقاطع الشهداء والمغدورين والمنكوبين، لا تحاولوا إضفاء طابع درامي للواقع لأنه ما يحتاج، الألم والحُزن والحسرة يظهرون على وجوههم وفي لمعة أعينهم دون الحاجة لخلفية موسيقية.
عساني تذوب نفسي كلّ صباحٍ حزنًا، وتتلف روحي كل مساء كمدًا وتفجّعًا، ولا شُفيتُ من عينك ونظرتك حتّى أموت. ولا عدل في الأرض ولا في السماء يشفي غليلي ويُطفي حرقة قلبي من إسرائيل وأمريكا ومن معهم.
https://t.co/LEF7q5gyNb
عدوّ الفلسطيني وعدوّنا ليس الموت، بل إسرائيل والصهاينة. كلّ الناس يموتون.. وليس كلّ الناس يُقتلون فقط لأنهم فلسطينيون.
عدوّنا أيضًا هو هذه التعريفات والمفاهيم والتنظيرات والشاعرية التي تتحوّل إلى بداهة وسذاجة حين تناقش أمام موت شعب مظلوم.
الموقف ممّا يحدث في فلسطين؛ لا يحتمل "ولكن"..
ليس ثمّة غرابة في انقلاب العالم الغربي على قيمه لثلاثة أسباب: الأوّل أنّ موقفه من "إسرائيل" هو موقفه من نفسه، فهو يدافع عن نفسه بانغماسه مع "إسرائيل" في شرب دمنا، أمريكا دمّرت العراق وقصفت ملاجئ أطفاله لأجل عيون "إسرائيل"، وإلا فهي غير مضطرة لاستعراض عضلاتها على بلد يفصله عنها من بعد الأطلسي قارات وغير قادر على خدش حبة رمال في ترابها.
الثاني: أنّ هذا العالم الغربي، في أعماقه يرانا كلّنا، عربًا ومسلمين، حيوانات في هيئة بشرية، كما وصف وزير حرب العدوّ غالنت أهلنا في غزّة.. هذه الرؤية الغربية لما جميعًا، نحن لديهم لسنا بشرًا من الدرجة الثانية، بل حشرات ضارّة!
الثالث: أنّ هذا العالم الغربي يرى نفسه مكان الله، فهو مصدر القيم والأخلاق، فيعيد صياغتها وتشكيلها ووظائفها بما يخدم مصالحه.
والآن لاحظ.. في كلّ لقاء مع كلّ فلسطيني أو عربي أو مسلم أو غربي متعاطف مع القضية الفلسطينية، يفتتح اللقاء بمحكمة تفتيش، وطلب إدانة حاسم لحماس والمقاومة، ويعدّ ادعاءات "إسرائيل" دليلاً مع أنّها خصم، فإذا قلبت عليه السؤال، وطلبتَ منه إدانة قتل "إسرائيل" للأطفال، يرفض، ولا يتلعثم في رفضه، ولا يعدّ عشرات آلاف الصور للقتلى والمباني المهدمة دليلاً، ولا يقيم وزنًا لانعدام التكافؤ في القوّة، ولا لكون المطالب أساسًا بعدم قتل المدنيين هو الدولة المحتلّة لامتلاكها السلاح الدقيق ولكونها المسؤولة عن الرعايا الخاضعين للاحتلال، ويرفض العودة إلى أصل القصة وجذورها وهو الاحتلال والحصار والاستباحة اليومية للفلسطينين وعدم تنازل "إسرائيل" عن أيّ شيء للفلسطينيين مقابل تنازل قيادة منظمة التحرير عن كل شيء لـ "إسرائيل"!
الغربي يقيم لك محكمة تفتيش ويطلب منك ثلاثة أشياء في سؤال واحد: التسليم برواية الإسرائيلي، والانطلاق ضمنيًّا من المحددات الغربية الغربية، وإدانة المقاومة الفلسطينية. ثمّ يرفض أن يناقشك في أيّ شيء خلف ذلك.
حينما تأتي في الإعلام لإدانة "إسرائيل" ولكنك تبدأ بالتسليم للغربي بتلك الأشياء الثلاثة، فقد أخذ منك ما يريد، ومارس عليك هيمنته، وشعر بنشوة سحقك كالحشرة، فليس مهمًّا بعد ذلك أن تحرجه بإظهار ازدواجيته ونفاقه، لأنّه أخذ منك ابتداء إدانة "حماس" فيا يُزعم قتلاً للمدنيين، وأخذ منك موقفًا من بعض جوانب الصراع وفق محدداته هو، ورفض هو في المقابل أن يعطيك أيّ شيء.
أفهم المخاوف التي يراعيها بعض النشطاء في الغرب، وأعلم أنّ البعض أصلاً ينطلق من المحددات الغربية لبعض جوانب الصراع، لكن شتم المقاومة الفلسطينية، أو القول بأنّ بعض ما حصل يوم 7 تشرين/ أكتوبر يبعث على الاشمئزاز، فشل، وموقف أخذه منك حليف الإسرائيلي، ثمّ لن يهمّه أيّ شيء بعد ذلك.
هذا الصراع لا يصحّ فيه الانطلاق من هزيمة نسبية، هزيمة إزاء المحددات الغربية الزائفة، بل من موقف مقابل تمامًا، اصطفاف كامل خلف المقاومة الفلسطينية، ورفض مطلق لإدانة أيّ فعل لها، وما يبدو محرجًا أو ثمّة مخاوف من عدم التعاطي معه بقدر ما من الإدانة؛ يمكن الردّ عليه برفض وضع المقاومة في مقارنة واحدة مع العدوّ، لانعدام التكافؤ، ورفض التسليم بأيّ اتهام من طرف هو خصم كـ "إسرائيل"، وطرف في ألطف أحواله هو منحاز بوقاحة هو الغرب بإعلامه، وإذا كانت بعض الوقائع الحربية ملتبسة أو لا تخلو من فوضى فليس عدوّنا ولا حلفاؤه من يجرد لنا الحقيقة، والقضية هي وجود عدوّ صريح الباطل والعدوان، لا تُحصى جرائمه لكثرتها! فليست القضية واقعة حربية واحدة!
باختصار هذا إعلام وقح في نصرته للباطل، فينبغي أن نكون شجعانًا في دفاعنا عن الحقّ.. وليس إنجازًا شتم المقاومة ولو تنزّلاً، وليس ذكاء إدانة فعل للمقاومة لمطالبة الغربي إدانة مماثلة لـ "إسرائيل" لأنّه أصلاً لا تماثل ولا تكافؤ.
هذا موقف ليس فيه "ولكن".. لا مع الغربي، ولا بيننا.. بل من باب أولى ألا يكون بيننا..
اللهم ان الصهاينة عاثوا في الأرض فسادا، فخذهم أخذ عزيز مقتدر
اللهم انهم ظلموا و تمادوا و لا يقدر عليهم سواك يا عزيز يا جبار
يا رب أرنا فيهم عجائب قدرتك وعظيم عدلك وغضب انتقامك وشدة عذابك فإنهم لا يعجزونك