رغم مرارة القهوة، إلا أنني أحب صدقها؛ فهي لا تتظاهر بالحلاوة، ولا تخفي حقيقتها خلف مذاقٍ آخر. ولعل هذا ما نفتقده أحيانًا في البشر؛ فمرارة الصدق أهون من حلاوةٍ مزيفة، وما يُقال بصدق يبقى أقل وجعًا مما يُقال بقناع…
لذلك كلما ارتشفتُ فنجانًا من القهوة، أيقنت أن الصدق قد يكون مُراً… لكنه لا يخون مذاقه…
حتى وإن استطعتَ المغادرة من هنا، وتخلَّصتَ من كل شيء، فستبقى في كل زاوية شواهدُ لا تحتاج إلى كلمات. هناك ندباتُ الجراح، وآثارُ المكان… كلها تخبرنا، كل يوم، بتاريخها وما مرَّ بها.
لا مفرَّ من أي مكان نلجأ إليه لننسى؛ فحتى الأشياء تحتفظ بذاكرتها. حتى وسادتك تخبرك أنك، يومًا ما، كنت مرهقًا، مثقلًا بالحزن، ومشبَعًا بالدموع…
أنا لا أكذب… ولكني أتجمّل
هذا عنوان رواية لإحسان عبد القدوس، حُوِّلت لاحقًا إلى فيلمٍ تلفزيوني في الثمانينيات، مع بعض الاختلاف في الأحداث والنهاية.
شدّني عنوان الرواية قبل قصتها، وربما لأن الكاتب ذكر أنها مستوحاة من قصةٍ حقيقية التقى ببطلها.
«أنا لا أكذب… ولكني أتجمّل».
تأملت هذه العبارة طويلًا، ووجدت أنها تصف واقعًا نراه كثيرًا في حياتنا. فكثير من الناس لا يسمّون الكذب كذبًا، بل يطلقون عليه أسماءً أخرى؛ كالتجمّل، أو المحافظة على المظهر، أو البرستيج، أو تحسين الصورة أمام الآخرين.
في تفاصيل الحياة، كبيرها وصغيرها، أصبح بعض الناس يخفون الحقيقة، أو يغيّرونها، خوفًا من نظرة ال��جتمع، أو خجلًا من واقعهم، أو رغبةً في الظهور بصورةٍ أجمل.
أذكر أنني التقيت بامرأة أخبرتني أنها سعودية ومن إحدى القبائل، ثم اكتشفت لاحقًا أنها تحمل جنسية أخرى، وإنها كانت من مواليد المملكة وتقيم فيها منذ ولادتها. وحين واجهتها بذلك قالت: «أنا لم أكذب، قلت لك إنني سعودية لأنني وُلدت هنا، ولو أخبرتك بحقيقتي لاحتقرني الناس.»
أشفقت على خوفها أكثر مما استغربت من كلامها، لكنني قلت لها: لا، هذا ليس تجمّلًا، بل كذب، مهما حسنت النية أو تعددت المبررات.
ولماذا يحتقر الإنسان بسبب جنسيته أصلًا؟ نحن إخوة يجمعنا دين واحد، ونعبد ربًا واحدًا، وقيمة الإنسان لا يصنعها جواز سفره، ولا نسبه، ولا قبيلته، ولا لونه، ولا مهنته. فهذه أمور تُعرِّف بنا، لكنها لا تمنحنا قيمة ولا تنتقص منها.
ولا يقف الأمر عند هذا المثال؛ فكم من شخص يتظاهر بالثراء، أو يدّعي الشهرة، أو يخفي أصله، أو يتنكر لعائلته، أو يخجل من مهنته، أو يصنع لنفسه صورةً لا تشبه حقيقته.
إنكار النفس، أو العائلة، أو القبيلة، أو الوطن، أو الحقيقة… ليس تجمّلًا، بل هو كذب، وانتقاص من الذات، وضعف في الثقة بالنفس.
لا تكذب لتبدو جميلًا في أعين الناس.
كن جميلًا أمام مرآتك، متوشحًا بالصدق والوضوح؛ فذلك هو الجمال الذي يبقى، وإن لم يصفق له أحد .
✍️غادة
لم أتعجب من شيءٍ في هذه الحياة بقدر تعجبي من الجحود ومن الجاحدين.
كيف يكون الإنسان ذليلًا، منكسرًا، تائهًا في حياته، كغريقٍ تتقاذفه الأمواج، ثم تمتد إليه يدٌ رحيمة، فينقذه الله بها، ويجد فيها برَّ الأمان وشاطئ النجاة؟
تصنع له قارب العبور، وترافقه في رحلته، وتحمل معه مجاديفه، وتجذف حتى يشتد ساعده، ويرى الطريق بعينيه، ويبلغ الشاطئ الذي طالما حلم به. هناك يستقر، ويبدأ حياةً جديدة، ويبني من العزم والإرادة بيتًا، كان لك نصيبٌ في تشييد أساساته.
ثم تقف بعيدًا، لا تنتظر شكرًا، وإنما يسعدك أن ترى ثمرة ما بذلت.
لكن ما إن تستقر حياته، حتى تشرق شمسه… وتكتشف أنك، رغم كل ذلك الضوء، أصبحت غير مرئي.
تجد نفسك مُلغًى من ذاكرته، منسيًّا من حكايته، وكأن وجودك كان واجبًا لا فضلًا، وكأن عطاءك كان أمرًا مفروضًا، لا موقفًا اختاره قلبك.
لأنهم اعتادوا منك سعة الصدر، وكرم الخلق، وبذل المال، وطغيان العطاء، ظنوا أن كل ذلك حقٌّ مكتسب، لا نعمة تستحق الوفاء.
ما أقبح الجحود حين يسكن القلوب…
وما أجمل الإنسان الوفي، الذي يمنح ولا يمنّ، ويُحسن وإن كلّفه إحسانه تعبًا، وترك في قلبه جروحًا لا يراها أحد.
ومع ذلك…
يبقى مؤمنًا أن لكل خيرٍ حصادًا، وأن بعض الثمار لا تُقطف في هذه الدنيا، وإنما نلقاها يوم نلقى الله، حاملين معنا ما قدمناه من خير، وما شهدت به أعمالنا، فيجزي كلَّ نفسٍ بما أحسنت، وهو خيرُ المجازين
✍️غادة
@ebrahimmogherbi تبارك العاطي الوهاب .. الف مبروك ما رزقت كريمتكم .. والف حمد لسلامتها .. نسأل الله ان يجعله من مواليد الصلاح والسعاده ويبارك لها فيه وان يجعله قرة عين لها ولوالده ولكم جميعاً ..💐
نشتاق
نشتاق إلى بعض المشاعر، وكأنها مسافرٌ غادرنا ورحل، ولم يترك لنا سوى أثره وذكراه.
نشتاق إلى مشاعر الطفولة التي رحلت مع العمر؛ تلك المشاعر التي لن تتكرر ولن تعود. نشتاق إلى براءة الأطفال، وشفافيتهم، ونقاء قلوبهم، وإلى تلك الفرحة التي كان أكبرها فرحة العيد، وأصغرها فرحة ال��لوى والبالون.
وغادرتنا أي��ًا مشاعر الحب الصادق البريء، ولهفة الشوق إلى الرسائل، وانتظار وصولها، وترقب الرد عليها. ورحلت كذلك مشاعر الأخوّة والصداقات الجميلة، حتى أصبحنا صورًا مرسومة من الذكريات، بلا ألوان؛ باهتةً بين الأبيض والأسود والرمادي.
وبعد كل هذا العمر، أدركت أننا أصبحنا أكثر صمتًا، وكأننا قد تجمدنا. أصبحنا نمثل الفرح والشغف، بينما يحمل كلٌّ منا سببًا خفيًا لهذا التغير؛ فمنّا من غيّره الفقد، ومنّا من غيّره الخذلان، والصدمات، وجراح الأحبة، وهجران الأصحاب.
ومنّا من يعيش، أو بالأحرى يتعايش، مع ما فرضته عليه الحياة والظروف، فلا يجد مهربًا مما كُتب له.
وحتى من ينادي بالأمل والتفاؤل، ويخبرك أن عليك التخطّي، وأن تتجاوب مع من حولك، وأن تسامح وتصفح، فإنه في كثير من الأحيان يتحدث عمّا يتمناه لنفسه، وهو غير قادر عليه، ويأمل أن يقدر غيره على ما ��جز عنه.
أنا لا أُشجّع على حبس أرواحنا في ظلمة الصمت، ولا على البقاء في عتمة الألم، وإنما هو بوحٌ أشعر به أنا، ويشعر به كثيرون غيري.
ولكن، رغم كل هذا وذاك، يبقى نور الله هو المنجي، ويبقى حبل الله هو الأمان، ويبقى نور الله هو الدرب الجميل في هذه الحياة.
ويبقى يقينٌ واحد لا يتغير:
“اعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك.”
فالأحكام، وتصريف الأمور، كلها بيد الخالق سبحانه، وله في كل أمر حكمة عظيمة قد لا ندركها نحن، ولكننا نؤمن بها، ونطمئن إليها ..
✍️ غادة