هي حالة تشبه أن يمرّ نسيمٌ دافئ في قلب ظنّ أنه أصبح حجرًا ، فإذا به يلَّين، ويعود يتذكّر أنه خُلِق ليشعر. حالة تجعل العالم حولك يبدو أقل حدّة، وأقل ضجيجًا، وكأنها تعقد هدنة بينك وبين الحياة دون أن تقول كلمة واحدة.
شيئًا فشيئًا، بدأتُ أرى كيف يتحوّل الحذر حين يفرط في حضوره إلى ظلٍّ طويل يمشي أمام الروح، يسبقها إلى كل احتمال، ويهمس لها بأن الطريق دائمًا أخطر مما يبدو. حتى صار الخوف عندي أشبه بكاتبٍ خفيّ يدوّن على هوامش الأيام ملاحظاته القلقة، ويضع تحت الكلمات البريئة خطوطًا حمراء.
كنتُ أظن أن النجاة في الاحتراس، وأن القلب كلما أحكم إغلاق نوافذه صار أقل عرضةً للعواصف. لكنني لم أفطن إلى أن الهواء نفسه يحتاج منفذًا، وأن الروح إذا طال احتباسها في غرف الظنّ تصير أثقل من أن تحلق، وأضيق من أن تتسع لفرحٍ عابر.
ما قيمة الحياة إن لم نهتزّ لها؟
إن لم نُجازف بقلوبنا قليلًا؟
إن لم نسمح لشيءٍ ما أن يمسّنا
إلى الحدّ الذي يُعيد تشكيلنا؟
فالروح التي لم تُصَب بارتجافةٍ حقيقية،
تظلّ واقفة.. لكنها لا تنمو.
ثمّة قلوبٌ تعرف كيف تطوي يومها كما يُطوى كتابٌ بعد قراءةٍ مُرهِقة، تضع إشارةً عند الصفحة الأخيرة، وتؤجّل الفهم إلى وقتٍ أرحم. أما أنا، فأُصِرّ أن أقرأ الهامش أيضًا، أفسّر البياض بين السطور، أستخرج من الصمت اعترافًا، ومن النظرات محاكمةً كاملة.
لا أعاتب، لأن العتاب رغبة خفيّة في الإصلاح، وأنا تجاوزت الرغبة. تجاوزت حتى الغضب. لم يعد في داخلي ما يريد أن يُغيّر شيئًا؛ فقط يكتفي بأن يرى الأشياء كما هي، عاريةً من الوهم.
الكلمات أدوات صلبة لواقعٍ طريّ، وكلما ضغطتُها على الداخل تركت كدمة. أصبح أكثر حذرًا مع الكلمات. أتعامل معها كأدوات جراحية لا بلاغية. لا أبحث عن الجمال، بل عن أقل قدرٍ من النزف.
أمضي نحوكِ أكثر
كأن الطريق إليكِ ليس مسارًا أمشيه
بل انجذابٌ تُساق إليه روحي بلا نقاش
وكأنكِ مدينةٌ لم ألمحها على خريطة العالم
لكنني أعرفُ الطريق إليها بعينٍ مغمضة.
مرّرتْ إصبعها على وجهي كما لو كانت تمحو قلقًا ظلّ ساكنًا هناك لسنوات. تلك اللمسة لم تكن حنانًا فحسب، كانت عودةً صغيرة إلى الطفولة، حين كان الألم يُشفى بمجرد يدٍ صادقة على الخد.