@Jacobtheclipper He was in the box and decided to take the risk with kicking without looking, the law didn’t reward the attacker it punished the reckless and careless defender
عطفاً علي ما ذكرت سابقاً بخصوص السودان ، قد عشت في هذا البلد الكريم سنواتٍ من أجمل سنوات عمري. هناك بدأت حياتي المهنية مهندسًا في مجال شبكات المحمول مع “موباتيل” قبل أن تصبح زين فيما بعد، وهناك أيضًا تعرفت على شعب لا يزال يحتل مكانة خاصة في قلبي.
تنقلت بين ولايات السودان شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا؛ من الخرطوم إلى نهر النيل والشمالية، مرورًا بمدني والجزيرة وسنار والقضارف وكسلا وبورتسودان، ومن كردفان إلى دارفور، ورأيت من هذا البلد ما لم أره في كثير من بقاع الأرض.
أتذكر أيام الخريف في الجزيرة، حين كانت الطرق الوعرة تجعل الوصول إلى مواقع أبراج الاتصالات مغامرة حقيقية. كان القمر الصناعي أحيانًا يعجز عن إرشادنا إلى الموقع المطلوب، فيتطوع أحد أبناء “الحِلّة” ليرافقنا بسيارة الدفع الرباعي حتى نصل. وما إن ننتهي من مهمتنا حتى يختفي بهدوء قائلاً: “سأعود من حيث أتيت”. نسأله: كيف؟ فيجيب ببساطة: “على كُراعي”. أي سيرًا على الأقدام لعشرة أو خمسة عشر كيلومترًا دون أن ينتظر شكرًا أو مقابل��ا.
وأتذكر طريق كسلا في رمضان، حين كان الأهالي يخرجون قبل المغرب ويمسكون بأيدي بعضهم البعض ليقطعوا الطريق على المسافرين حتى يشاركوهم الإفطار. لم يكن الأمر دعوة يمكن الاعتذار عنها، بل كرمًا يفرض نفسه عليك فرضًا، كرمًا لا يزال يدهشني كلما تذكرته.
خالطت السودانيين عن قرب، فعرفت فيهم الطيبة الفطرية، والأدب الجم، والسخاء بلا حساب. وعرفت كذلك شعبًا مُحبًا للغة العربية، متذوقًا للشعر، حاضر البديهة، عذب اللسان، يزين حديثه بالحكمة والبيت الجميل كما يزينه بالابتسامة.
ولذلك، كلما وقعت عيني على تعميم جائر أو إساءة تُلصق بشعب السودان بسبب خطأ فردٍ هنا أو هناك، أشعر وك��نني مدفوع لأن أهتف بأعلى صوتي: تمهلوا… فأنتم لم تروا ما رأيت، ولم تعرفو�� من هذا الشعب إلا القليل. أما أنا فقد خالطتهم في الحضر والريف، في الرخاء والشدة، فعرفت فيهم من النبل والكرم والمروءة ما يجعلني أعجز عن اختزالهم في موقف عابر أو تصرف فردي.
وعلى هامش عملي الهندسي، تشرفت أيضًا بالعمل مذيعًا في إذاعة الرياضية 104 FM، مقدمًا لبرنامج “كورة عالمية وأفريقية”، وكان لي أصدقاء ومستمعون ومحبون أعتز بهم حتى اليوم.
أنتظر اليوم الذي تستقر فيه الأوضاع، ويعود السودان كما عرفناه، بلدًا للأمن والعلم والجمال. وأتمنى أن أعود إليه مرة أخرى، بعد أكثر من عشرين عامًا، لا مهندسًا شابًا يبدأ حياته المهنية هذه المرة، بل مساهمًا في إعادة إعمار ما خلف��ه الحرب والدمار.
أحب السودان كما أحب مصر… فالنيل الذي جمع الجغرافيا بين البلدين، جمع أيضًا جزءًا من قلبي هنا وهناك.
﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ.