هذة خاطرة كتبت إبان حجنا قبل سنوات وهي فيض من شيئ في النفس لاتسعه الكلمات :
ليس أعجبَ في الحج أن م��ايين البشر يأتون من أطراف الأرض ..
بل الأعجب أن هذا السيل البشري الهائل لا يأتي ليصنع مدينةً من الحجر والبنايات
وإنما ليقيم، لعدة أيام، مدينةً من المعنى.
ترى بقلبك منى ليست ازدحامًا عابرًا ،
ولا مجرد خيام نُصبت لموسم ثم ترفع ،
بل هي صورةٌ نادرةٌ لفكرة إيمانية حين تتحول إلى هندسة.
وادي ضيق، تحاصره الجبال،
ومع ذلك يتّسع كل عام لملايين القلوب،
كأن المكان نفسه يتعلّم من شعيرة الحج كيف يضيق في الصورة، ويتسع في الحقيقة.
والعجيب أن الإنسان إذا نظر إلى منى بعين المادة رأى تحدّيًا هائلًا:
مساحة محدودة،
وحركة كثيفة،
وملايين الأجساد،
وأوقات دقيقة،
ومناسك لا تحتمل الفوضى.
لكن إذا نظر إليها بعين البصيرة، رأى أكثر من ذلك:
رأى أن هذا الدين لم يترك للروح أن تحلّق في الفراغ،
بل أنزلها إلى الأرض،
ورتّب لها المسار،
وضبط لها الخطى،
وجعل من انتظام الحركة جزءًا من تهذيب القلب.
فالحج ليس رحلةً إلى مكانٍ فحسب،
بل إعادةُ تشكيلٍ للإنسان.
يبدأ بالتجرد من المخيط والزينة،
كأن أول ما يقال لك في الطريق إلى الله:
اخرج من نفسك كما خرجت من ث��ابك.
ثم يطوف بك حول مركزٍ واحد،
ليعلّمك أن الحياة التي كانت مبعثرة الجهات
لا بد أن تعود إلى قبلة.
ثم يسعى بك بين الصفا والمروة،
ليقول لك إن الرجاء ليس فكرةً تُتلى،
بل حركةٌ تُعاد،
وخَطو بين خوفٍ وأمل.
ثم يحملك إلى عرفة،
فيُوقفك في أكبر درسٍ في الوجود:
أن أعظم السير هو الوقوف بين يدي الله.
ثم يدفعك إلى منًى،
حيث يتحول الإيمان إلى انضباط،
والشوق إلى ترتيب،
والنسك إلى معمارٍ عجيب،
ترى فيه كيف تخدم الهندسةُ العبادة،
وكيف يصير التنظيم نفسه لونًا من ألوان الرحمة.
ومنًى في هذا كله ليست مشعرًا فحسب،
بل معجزةٌ متجددةٌ في معنى التهيئة:
أرضٌ لا تُملك ليتسع معناها للجميع،
ومكانٌ لا يُراد له أن يكون سلعةً،
لأنه وجد ليكون موقفًا.
وكأن الشريعة هنا تنزع عن الأرض منطق الامتلاك،
لتردّها إلى منطق الخدمة،
فيتعلم الإنسان، ولو أيامًا معدودات،
أن ليس كل ما يُنتفع به يُقتنى،
وأن أعظم الأماكن قد تكون تلك التي لا تقول لك هدا لك
بل تقول: هذا موضع عبورك إلى الله.
ثم انظر إلى الخيام:
ليست بيوتًا بالمعنى المألوف،
ولكنها تؤوي ملايين الأرواح في أيام معدودات،
كأنها تذكير صامت بأن الإنسان، مهما بالغ في التعلق بالدنيا،
فإنه في النهاية عابر سبيل،
وأن أجمل ما في الحج أنه يعلّمك السكن المؤقت،
حتى لا تنخدع بسكن تظنه دائمًا.
وفي جسر الجمرات تظهر عبقرية أخرى:
فالناس لا يرمون أحجارًا فقط،
بل يرمون تاريخًا طويلًا من غواية النفس.
والحركة هنا م��سوبةٌ بدقة،
لكن الرمز أوسع من كل حساب:
أن الإنسان لا ينجو من داخله إلا إذا أعلن عداءه للباطل مرةً بعد مرة،
وأن الشيطان لا يُرمى بحصاة اليد فقط،
بل بحصاة القرار،
وحصاة التوبة،
وحصاة الصدق مع ��لله.
ولهذا فالحج، في جوهره، ليس مشهدًا ضخمًا فحسب ..
بل بنية ربانية مذهلة:
كل شيءٍ فيه يوحي أن الله لا يربّي الإنسان بالفكرة وحدها ..
بل بالمكان وبالزمن وبالتكرار
وبالانتقال من شعيرة الي شعيرة ،
حتى يخرج الحاجج من الرحلة وقد تهذب ظاهره وباطنه معًا.
فإذا رأيتَ منى
فلا تنظر إليها على أنها أكبر مدينة خيام في العالم فقط،
ولا على أنها إنجاز تنظيمي مهيبٌ فحسب،
بل انظر إليها كما ينبغي:
موضعٌ تتجلّى فيه عبقرية الإسلام
حين يجعل من الزحام طاعة
ومن الحركة ذكرا
ومن الهندسة سكينة
ومن الوادي الضيق درسًا في أن القلوب إذا اتجهت إلى الله
وسِعت ما لا تسعه الأمكنة
وجزا الله خير الجزاء كل من جعلهم الله سببا وعونا في هذا المعنى العظيم
سوار الذهب
حج 1446 / 2024