جمهورية الملوك..
العراق، بحسب دستوره، جمهورية نيابية برلمانية ديمقراطية، والشعب هو مصدر السلطات وشرعيتها، والسلطة يفترض أن تتداول سلمياً عبر المؤسسات.
لكن السؤال الذي يستحق أن نطرحه ليس فقط: هل نظام الحكم في العراق جمهوري؟
بل: هل القوى السياسية التي تنتج هذا النظام جمهورية في بنيتها وثقافتها؟
فالجمهورية لا تعني فقط غياب الملك من قصر الحكم، وإنما تعني أن السلطة ليست ملكاً لشخص، وأن المؤسسات أعلى من الأشخاص، وأن تداول القيادة جزء من طبيعة النظام. وهنا تظهر المفارقة.
لدينا أحزاب تشارك في الانتخابات، وتدخل البرلمان، وتساهم في تشكيل الحكومة وصناعة القرار، لكن معظمها يتمحور حول زعيم واحد؛ يصبح قراره المرجعية النهائية، ويصبح مستقبل الحزب مرتبطاً بمستقبل قائده.
وهنا يتحول الحزب، عملياً، من مؤسسة سياسية إلى ما يشبه المَلكية السياسية. ليس لأن الزعيم يحمل تاجاً، بل لأن مركز السلطة داخل الحزب يصبح شخصاً لا مؤسسة.
⬛️ من الحزب الى الدولة
المشكلة لا تتوقف عند حدود الحزب. فعندما تصل هذه القوى الى السلطة، يمكن أن تنتقل معها ثقافة القيادة الشخصية الى مؤسسات الدولة. فيصبح المسؤول مديناً للجهة التي رشحته أكثر من المؤسسة التي يشغل من��به فيها، وتتحول عملية تشكيل الحكومة من تنافس برامج الى تفاوض بين مراكز نفوذ.
وعندها يظهر التناقض: دولة جمهورية في دستورها، لكنها قد تُنتج عبر قوى سياسية ذات بنية شخصية.
ولهذا فإن السؤال ليس فقط: هل لدينا انتخابات؟
بل:
▪️هل لدينا أحزاب تستطيع أن تغيّر قياداتها؟
▪️هل يستطيع العضو أن يعارض الزعيم؟
▪️هل يستطيع المؤتمر العام أن يغيّر القيادة؟
▪️هل يستطيع الحزب أن يعيش ويواصل عمله بعد رحيل قائده؟
إذا كانت الإجابة العملية صعبة، فإن المشكلة ليست في اسم الحزب، وإنما في طبيعة المؤسسة التي تنتج السلطة.
⬛️ الجمهورية تبدأ من الحزب
إذا أردنا دولة مؤسسات، فلا يكفي أن تكون الدولة جمهورية في الدستور. ينبغي أن تكون الأحزاب نفسها مدارس للجمهورية: تتداول قياداتها، وتحترم مؤسساتها، وتنتج كوادرها، وتسمح بالاختلاف والمحاسبة، وتتعامل مع المنصب باعتباره وظيفة عامة لا ملكاً سياسياً.
فالزعيم ينبغي أن يخدم المؤسسة، والمؤسسة ينبغي أن تخدم الدولة، والدولة ينبغي أن تخدم المواطن. وليس العكس.
⬛️ المشكلة العراقية أعمق من مجرد تغيير الأشخاص
قد نسقط المَلَكِية من شكل الدولة، لكننا لا نبني الجمهورية إذا أبقينا عقلية المَلَكِية داخل القوى التي تحكمها.
فالمشكلة ليست أن لدينا ملوكاً يجلسون على العروش؛ بل أن يكون لدينا «ملوك بلا تاج»، تنتقل قوة الواحد منهم من داخل حزبه الى داخل الدولة. وفي النهاية، ربما يكون السؤال الأهم للعراق:
هل نبني نظاماً تحكمه المؤسسات، أم نستمر في إنتاج مؤسسات تحكمها الزعامات؟
فالجمهورية لا تكتمل عندما ننتخب الحاكم، بل عندما يصبح الحاكم نفسه محكوماً بالمؤسسة.
حين تصبح الذمة المالية موضع ��ساءلة.. لا أحد فوق القانون..
أحكام بالسجن سبع سنوات بحق نائبتين في مجلس النواب عن جريمة الكسب غير المشروع، مع إلزامهما برد الأموال وفرض غرامات تعادل قيمة الكسب غير المشروع.
في قضية عالية نصيف، بلغت قيمة الكسب غير المشروع أكثر من 14.2 مليار دينار و12.4 مليون دولار، فيما تجاوز مجموع الرد والغرامة 61 مليار دينار وفق ما أعلنته هيئة النزاهة.
وفي قضية أشواق سالم حسن، بلغت قيمة الكسب غير المشروع 2.1 مليار دينار و2.9 مليون دولار، مع إلزامها بالرد وفرض غرامة تعادل قيمة الكسب غير المشروع.
والأهم أن القضيتين تتضمنان أيضاً حكماً بالحبس الشديد لمدة ثلاث سنوات عن إخفاء معلو��ات في استمارة الذمة المالية، مع تطبيق العقوبة الأشد.
هذه الأحكام لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها أخباراً قضائية فقط، بل رسالة الى الجميع:
المنصب العام ليس حصانة من المساءلة، والذمة المالية ليست إجراءً شكلياً، والمال العام لا يسقط بالتقادم السياسي.
إزالة التجاوزات ليست اعتداءً على المواطن، بل تطبيق للقانون وحماية لحقوق الدولة والمجتمع.
وحين يُقتل ضابط ومفوض أثناء قيامهما بواجبهما في إزالة تجاوزات غير قانونية، فإن الجريمة لا تستهدف شخصين فحسب، بل تستهدف سلطة الدولة وحقها في إنفاذ القانون.
وقد جاء حكم القضاء بالاعدام بحق القاتل ليؤكد أن الاعتداء على رجال الأمن أثناء تأدية واجبهم جريمة بالغة الخطورة، وأن مواجهة القانون بالقوة لا يمكن أن تكون بديلاً عن الخضوع له.
لا دولة بلا قانون، ولا قانون بلا هيبة.
العراق في الجمعية العامة للأمم المتحدة.. ماذا تعني السيادة؟
من الطبيعي أن يؤكد رئيس مجلس الوزراء، من على منبر الأمم المتحدة، تمسك العراق بسيادته واستقلال قراره الوطني.
لكن السيادة ليست كلمة تُق��ل في المحافل الدولية فقط؛
السيادة تُقاس بقدرة الدولة على أن تصنع قرارها بنفسها، وأن تحمي حدودها، وتحصر السلاح بيد مؤسساتها، وأن تقيم علاقاتها مع الشرق والغرب على أساس المصلحة العراقية أولاً.
أن يتحدث العراق عن السيادة في نيويورك أمر مهم، لكن الأهم أن تكون السيادة ممارسة يومية في بغداد.
فالعراق الذي يريد أن يكون سيد نفسه أمام العالم، يحتاج الى رجال دولة قادرين على أن يجعلوا منه سيد قراره في الداخل أيضاً.
النزاهة تطيح بشبكة أخفت ملكية 170 عقاراً في بابل وبغداد..
كشفت هيئة النزاهة الاتحادية عن شبكة تضم 9 متهمين، بينهم مدير تسجيل عقاري، يُشتبه في إقدامهم على شراء أكثر من 170 عقاراً في بابل وبغداد، وتسجيلها بأسماء أقرباء وأصدقاء؛ بهدف إخفاء ملكيتها وعائديتها الحقيقية.
ولم تتوقف القضية عند إخفاء الملكية، إذ عثرت الجهات التحقيقية على أوليات ووثائق أُخفيت بين الحشائش، فيما تم انتشال جزء آخر من شاطئ الحلة بعد محاولة التخلص منه وإتلافه.
اللافت في هذه القضية أن العقارات وحدها لم تكن مخفية، بل كانت ملكيتها الحقيقية أيضاً محل محاولة لإخفائها.
وهنا تكمن أهمية الرقابة والتدقيق في مصادر الأموال وحجم الثروات، فإخفاء الملكية أو تسجيلها بأسماء آخرين لا يلغي حقيقة المستفيد منها، وإنما قد يضيف قرائن تستوجب التحقيق والمساءلة.
حماية المال العام تبدأ من الشفافية، وتنتهي بمساءلة كل من يحاول التحايل على القانون.
51 مليار دينار، استردها القضاء لصالح مصرف الرافدين..
في قضية فساد مالي وإداري، استردت محكمة تحقيق الرصافة المختصة بقضايا النزاهة وغسل الأموال مبلغ 51 مليار دينار.
استرداد المال العام هو حماية لحقوق الدولة والمواطن.
١٢٠ معاملة مزوّرة لقطع الاراضي..
كشفت هيئة النزاهة عن تلاعب وتزوير في معاملات تخصيص قطع أراضٍ ببلدية العمارة، وضبط ٨ موظفين مع صدور أوامر قبض بحق متهمين آخرين.
حين تتحول الوظيفة العامة الى منفعة شخصية، يدفع المواطن ثمن الفساد من حقه.
اتفا��ية النقل الجوي بين العراق والنمسا.. لماذا طلبنا التريث؟
أجرى مجلس النواب القراءة الاولى لمشروع قانون تصديق اتفاقية النقل الجوي بين حكومة جمهورية العراق والحكومة الفدرالية النمساوية، وأُدرج المشروع للقراءة الثانية في جلسة يوم الاثنين الموافق 21/9/2026.
وبعد مراجعة نص الاتفاقية وملاحقها، تم رفع مذكرة الى مكتب رئيس مجلس النواب تتضمن عدداً من الملاحظات القانونية والاقتصادية والتشغيلية، مع التوصية بالتريث في المضي بإجراءات التصويت النهائي، وإتاحة المجال لدراسة هذه الملاحظات مع الحكومة والجهات المختصة.
وتتركز الملاحظات في عدد من المحاور، أبرزها:
▪️ الت��افؤ العملي:
هل يستطيع الناقل الوطني العراقي الانتفاع فعلياً بالحقوق التي تمنحها الاتفاقية، في الوقت الذي ما زالت فيه القيود الأوروبية تحول دون تشغيله في السوق الأوروبية؟
▪️ الحرية الخامسة:
الاتفاقية لا تمنح هذا الحق تلقائياً، وإنما تربط ممارسته باتفاق بين سلطتي الطيران. وهنا تبرز ضرورة تحديد الطبيعة القانونية لأي اتفاق لاحق، والجهة المختصة بإبرامه، والاجراءات الدستورية والقانونية اللازمة.
▪️ الاثر الاقتصادي والتنافسي:
هناك أحكام تتعلق بالوقود والاستئجار مع الطاقم، فضلاً عن أحكام التعرفة وتحديد تردد الرحلات والسعة المتاحة للنقل الجوي، وهي مسائل تستحق دراسة آثارها على سوق النقل الجوي العراقي.
▪️ مصلحة المسافر العراقي:
من المهم ألا يكون تقييم الاتفاقية متعلقاً بحقوق شركات الطيران فقط، بل أن نسأل أيضاً: ماذا سيضيف الاتفاق للمسافر العراقي؟ وهل سيسهم في زيادة خيارات السفر وتقليل الاعتماد على نقاط الترانزيت الخارجية؟
إن تنظيم النقل الجوي بين العراق والنمسا يمكن أن ��كون جزءاً مهماً من تطوير حركة النقل الجوي، لكن المهم أن تتم دراسة الاتفاقية من زاوية المصلحة العراقية والتكافؤ الفعلي والاثر الاقتصادي ومصلحة المسافر، وأن تكون لدينا رؤية متكاملة لتطوير الناقل الوطني وتمكينه من الوصول الى الاسواق الأوروبية متى ما استوفى المتطلبات اللازمة.
لذلك طلبنا التريث، ودراسة الملاحظات والمقترحات قبل الانتقال الى التصويت النهائي.
أصدرت محكمة جنايات مكافحة الفساد المركزية حكماً حضورياً بالسجن لمدة سبع سنوات بحق عضو مجلس النواب «بهاء الدين نور محمد حسين» عن جريمة الكسب غير المشروع، مع إلزامه برد قيمة الكسب غير المشروع البالغة نحو 5.9 مليار دينار و 10.99 مليون دولار، وفرض غرامة مالية تعادل قيمته، فضلاً عن حكم بالحبس ثلاث سنوات عن إخفاء معلومات في استمارة الذمة المالية، مع تطبيق العقوبة الأشد.
لكن القضية لا تتعلق بالنائب وحده..
فالنائب لا يصل الى مجلس النواب بقرار من نفسه، وإنما يصل بأصوات ناخبين منحوه ثقتهم.
والصوت الذي نضعه في صندوق الاقتراع ليس مجرد اختيار لاسم، بل هو أمانة نمنحها لمن سيمثلنا، ويشارك في التشريع والرقابة، ويتعامل مع المال العام.
لذلك، فإن مسؤولية الناخب لا تنتهي عند إعلان النتائج، بل تبدأ قبل أن يمنح صوته؛ فاختيار من يمثلنا ينبغي أن يكون مبنياً على السيرة والنزاهة والكفاءة والقدرة على تحمل المسؤولية.
فالصوت أمانة.. واختيار من نحمله هذه الامانة أمانة أيضاً.
هل نحتاج الى عضوية جديدة؟ أم نحتاج الى قيمة مضافة؟
تمت القراءة الأولى لمشروع قانون انضمام العراق الى منظمة تنمية المرأة في الدول الأعضاء بمنظمة التعاون الإسلامي.
وبعد مراجعة النظام الاساسي للمُنظمة والبيانات الحكومية السابقة المتعلقة بالمشروع، رأينا من الضروري رفع مذكرة الى السي�� رئيس مجلس النواب، تتضمن جملة من الملاحظات التي نعتقد أن من المهم أن تكون حاضرة عند مناقشة المشروع في مراحله التشريعية اللاحقة.
أولاً: الكلفة المالية
المادة (7) من النظام الاساسي للمنظمة ترتب مساهمات مالية على الدول الأعضاء، وتربطها بنسبة مساهمة كل دولة في موازنة الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي، ما لم يقرر مجلس المنظمة خلاف ذلك.
لذلك، فإن تحديد الكلفة الحالية للعراق يحتاج الى بيانات مالية رسمية وحديثة، ولا يصح الاعتماد على أرقام تعود الى سنوات سابقة.
كما أن الكلفة لا تقتصر بالضرورة على المساهمة السنوية، وإنما ينبغي النظر الى ما قد يترتب على ال��ضوية من نفقات المشاركة في المؤتمرات والاجتماعات والوفود والسفر والإقامة والبرامج والفعاليات وغيرها.
ثانياً: البيانات القديمة لا تكفي لاتخاذ قرار جديد
سبق أن نوقش المشروع خلال الدورة النيابية الخامسة، وكانت هناك ملاحظات تتعلق بالالتزامات المالية، ثم أعيد طرحه في الدورة الحالية وتمت قراءته قراءة أولى. وبين المرحلتين مضت عدة سنوات، ولذلك فإن من الطبيعي أن نسأل: هل ما زالت البيانات المالية التي بُني عليها الموقف السابق هي نفسها اليوم؟
نحن بحاجة الى بيانات محدثة، لا الى إعادة استخدام أرقام قديمة.
ثالثاً: ماذا سيضيف الانضمام للعراق؟
العراق يمتلك اليوم استراتيجية وطنية للمرأة وبرامج حكومية في مجالات التمكين الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، فضلاً عن شراكات قائمة مع منظمات وجهات دولية تعمل في مجالات مشابهة.
وهنا لا نطرح السؤال من باب الاعتراض على أهداف منظمة تنمية المرأة، فهذه الأهداف مهمة، وإنما نسأل سؤالاً عملياً:
ما القيمة المضافة التي سيحصل عليها العراق من العضوية، وما الذي ستضيفه المنظمة الى ما هو قائم أصلاً؟
فالمطلوب ليس مجرد عضوية جديدة، وإنما منفعة جديدة وم��ثرة يمكن قياسها.
رابعاً: ترشيد الإنفاق لا يعني الانكفاء عن العالم
نحن نؤمن بأهمية حضور العراق في المنظمات والفعاليات الدولية، بل إننا نرى أن الحضور العراقي ينبغي أن يكون أكثر فاعلية وتأثيراً.
لكن هذا الحضور يجب أن يحقق نتائج حقيقية، وأن نحرص في الوقت نفسه على عدم تحمل الدولة التزامات مالية لبرامج دولية تتكرر أهدافها ومجالات عملها بمسميات مختلفة، بينما توجد برامج وطنية وشراكات دولية قائمة بالفعل.
لذلك ��انت توصيتنا واضحة:
لا نرفض الانضمام مسبقاً، ولا نؤيده بلا معلومات كافية.
بل نطالب الحكومة بتحديث البيانات المالية والقانونية، وتحديد الكلفة الحقيقية للعضوية، وبيان المنافع والبرامج التي سيحصل عليها العراق، ثم إجراء مقارنة موضوعية بين الكلفة والقيمة المضافة قبل اتخاذ القرار النهائي.
وختاماً، فإننا نقدر أهمية تواجد العراق في الفعاليات الدولية، إلا أننا نسعى الى استثمار هذا التواجد بتحقيق إضافات نوعية تصب في مصلحة البلد، فضلاً عن تقليل هدر الأموال في برامج دولية متكررة بمسميات مختلفة.
بيع لحم الخنزير.. غشٌ تجاري أم تحايلٌ على الشريعة؟
أصدرت محكمة جنايات النجف حكماً بالسجن لمدة عشر سنوات بحق شخص أقدم على بيع لحوم خنازير غير صالحة للاستهلاك البشري، بعد ضبط 75 كيلوغرام��ً منها بحوزته.
لكن اللافت في القضية ليس مجرد ��يع لحم الخنزير، وإنما الطريقة التي جرى بها البيع.
فبحسب بيان القضاء، كان المدان يبيع تلك اللحوم للمواطنين على أنها لحوم مواشٍ.
وهنا تتجاوز القضية مسألة بيع مادة محرّمة الى سؤال أكثر حساسية:
هل نحن أمام غش تجاري فحسب، أم أمام تحايل متعمد على الشريعة، حين يُخفى عن المسلم أن ما يشتريه ويأكله هو لحم خنزير؟
فالمشتري في هذه الحالة لم يكن يعلم حقيقة ما يُعرض عليه، ولم يُمنح حتى فرصة الاختيار.
إن خطورة الغش لا تكمن دائماً في إخفاء سعر السلعة أو جودتها، فقد يصل الغش الى إخفاء حقيقتها نفسها، ودفع الإنسان الى فعل ما يحرّم عليه من دون علمه.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً:
أين تنتهي حرية البائع في الاتجار، وأين يبدأ حق المواطن في أن تُحترم عقيدته وخياراته الدينية؟
الممر التجاري.. هل تمر الشاحنات فقط، أم تمر معها فرص عمل؟
تتفاوض الحكومة العراقية مع قرغيزستان بشأن تسهيل عبور شاحناتها عبر الأراضي العراقية باتجاه دول الخليج.
وقد يبدو الأمر للوهلة الأولى ملفاً يتعلق بالنقل والترانزيت، لكنه في الحقيقة يطرح سؤالاً اقتصادياً أكبر:
هل تريد الحكومة أن تجعل العراق ممراً للشاحنات، أم ممراً للاستثمار وفرص العمل أيضاً؟
فالشاحنة التي تدخل العراق من أحد المنافذ الحدودية، ثم تعبر عدداً من المدن والمحافظات، ينبغي ألا تكون مجرد وسيلة نقل تعبر الطريق وتغادره.
يمكن لكل مسار تجاري أن يصنع حوله اقتصاداً محلياً: ورشاً، ومحطات خدمة، ومخازن، ومطاعم، وفنادق، وخدمات لوجستي��، وشركات نقل وتخليص، ومشاريع صغيرة توفر فرص عمل لأبناء المدن التي تمر بها هذه المسارات.
وهنا تظهر جدية الحكومة في التعامل مع الموقع الجغرافي للعراق.
فإذا كانت الشاحنات ستعبر مدننا دون أن تخلق فيها قيمة مضافة وفرص عمل، فنحن نكون قد قدمنا الطريق، بينما تركنا الاقتصاد يمر من أمامنا.
أما إذا جرى التخطيط للممرات التجارية باعتبارها مشاريع اقتصادية متكاملة، فإن كل شاحنة يمكن أن تحمل معها نشاطاً واستثماراً وفرصة عمل.
المطلوب إذن ألا نسأل فقط كم شاحنة ستعبر العراق؟
بل نسأل أيضاً:
كم فرصة عمل سيخلقها عبور كل ألف شاحنة؟ وكم مشروعاً سيقام على طول المسار؟ وكم مدينة عراقية ستستفيد من هذه الحركة التجارية؟
هنا فقط يمكن القول إن العراق بدأ فعلاً يستثمر موقعه الجغرافي.
القرار السليم يأتي بعد التدقيق، ليس العكس..
إذا كانت وزارة المالية تدقق بيانات المتعاقدين للتأكد من سلامة الإجراءات وصحة الاستحقاقات، فهذا إجراء مطلوب لحماية المال العام.
لكن السؤال: ما ذنب المتعاقد؟
إذا كانت الجهة الإدارية قد تأخرت في إعداد البيانات أو تدقيقها أو إرسالها، فلماذا تكون تبعات هذا التأخير من نصيب المتعاقد، من خلال حجب أجره؟
المتعاقد لم يُعد الجداول، ولم يرسل البيانات، ولم يكن مسؤولاً عن إجراءات التدقيق والتمويل. هو أدى عمله وداوم، وينتظر أجراً شهرياً بسيطاً يعتمد عليه في معيشته.
فإذا كشف التدقيق عن مخالفة، فليُتخذ الإجراء القانوني بحق المخالف، وليُحاسب المقصر عن تأخير البيانات.
أما أن يدفع المتعاقد ثمن خطأ إداري لم يرتكبه، فهذه ليست حماية للمال العام بقدر ما هي تحميل للطرف الأضعف كلفة خلل لا علاقة له به.
نحن مع التدقيق..
مع محاربة الهدر..
ومع محاسبة المقصر.
لكننا أيضاً مع قاعدة بسيطة:
لا تعاقبوا من أدى عمله، بسبب خطأ من كان مسؤولاً عن الإجراءات.
﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾
ليس التسامح ضعفاً، ولا العفو تنازلاً عن الكرامة؛ بل انتصارٌ على الغضب، واختيارٌ لراحة القلب على ثقل الخصومة،
جمعة مباركة 🌿
د. حيدر السلامي
حين تصبح ورقة الجباية أخطر من المال..
سرقة (٦٠) دفتر وصولات جباية من بلدية الموصل ليست مجرد واقعة فساد تورط فيها موظفان.
فالمال العام عادةً يُسرق عندما تصل اليد الى الخزينة، لكن الأخطر أن تُسرق الأداة التي يمكن من خلالها تحصيل المال من المواطنين باسم الدولة.
وهنا تبدأ الأسئلة التي ينبغي ألا تنتهي عند قرار التوقيف:
▪️من كان مسؤولاً عن حفظ هذه الدفاتر؟
▪️كيف خرجت (٦٠) دفتر وصولات رسمية من البلدية دون أن يُكتشف فقدانها؟
▪️هل كانت أرقام الدفاتر والوصولات مسجلة وقابلة للتتبع؟
▪️وهل استُخدمت بعض هذه الوصولات فعلاً في جباية أموال من المواطنين؟ وإذا كان ذلك قد حدث، فكم بلغت تلك الأموال، وأين ذهبت؟
الأخطر من ��لك كله أن تكون هناك وصولات أخرى خرجت بالطريقة نفسها ولم تُكتشف بعد.
إن ضبط المتهمين يمثل خطوة مهمة، لكن النزاهة الحقيقية لا تكتفي بإمساك من سرق الأداة، بل تبحث عن الثغرة التي سمحت بسرقتها، وعن كل أثر تركته بعد خروجها من المؤسسة.
فإذا كانت الدولة لا تستطيع أن تعرف أين توجد دفاتر وصولاتها الرسمية، فكيف يمكنها أن تضمن أن كل دينار جُبي باسمها دخل فعلاً الى حساباتها.
القضية إذن ليست (٦٠) دفتر وصولات فقط. إنها اختبار حقيقي لمنظومة الرقابة على أموال المواطنين.
حين يفسد الوالدان أبناءهما..
أحياناً لا يكون أخطر ما في الفساد هو المال الذي يُؤخذ بغير حق، ولا المنصب الذي يُستغل لمصلحة شخصية، بل أن يتحول الفساد الى سلوك تتعلمه الأسرة وتورّثه لأبنائها.
الخبر الذي أعلنت عنه هيئة ال��زاهة في بابل، بشأن ضبط مسؤول وزوجته وابنه على خلفية اتهامات تتعلق بتلقي الرشى وابتزاز الراغبين بالتعاقد على عقارات تعود للمحافظة، يفتح باباً أوسع من تفاصيل القضية نفسها.
يفترض أن يكون الأب والأم المدرسة الأولى لأبنائهما، وأن يتعلم الابن منهما معنى الأمانة والنزاهة واحترام القانون، وأن يرى فيهما القدوة التي تعلّمه كيف يكون إنساناً صالحاً في مجتمعه.
لكن ماذا يحدث عندما تنقلب المعادلة؟
عندما يرى الابن والده يستغل موقعه الوظيفي لتحقيق منفعة شخصية، أو يرى أمه تشارك في هذا السلوك، فإن الرسالة التي تصله لا تحتاج الى شرح أو موعظة؛ الرسالة ببساطة هي أن الغاية تبرر الوسيلة، وأن المال أهم من القيم، وأن الوظيفة يمكن أن تكون طريقاً للمنفعة لا لخدمة الناس.
وهنا تكمن المأساة الحقيقية.
فالفساد لا ينهب المال العام فقط، بل ينهب شيئاً أكثر خطورة: ضمير المجتمع.
وعندما يصبح الفاسد قدوة لأبنائه، فإن المشكلة لا تتوقف عند جريمة ارتكبها شخص، بل تمتد الى جيل يتعلم أن الخطأ يمكن أن يكون مهنة، وأن الرشوة يمكن أن تكون ��سيلة للعيش، وأن النزاهة سذاجة لا فضيلة.
إن الطفل لا يتعلم الأخلاق من الكلمات التي يسمعها، بقدر ما يتعلمها من الأفعال التي يراها.
ولهذا، فإن أعظم ما يمكن أن يمنحه الأب والأم لأبنائهما ليس المال ولا النفوذ ولا الوظيفة، وإنما سمعة نظيفة وضميراً حياً وقدوة يفتخرون بها.
والمؤلم في بعض حالات الفساد ليس أن الإنسان خان الأمانة فحسب، بل أن يأخذ بيد ابنه ليعلّمه كيف يخونها أيضاً.
فحين يفسد الوالدان أبناءهما، لا نخسر فرداً واحداً..
بل نخسر مستقبلاً بأكمله.
104 عقارات تفتح ملفاً أكبر..
القضية تتجاوز التلاعب في معاملات عقارية؛ فنحن أمام 104 عقارات متميزة بقيمة 10.4 مليارات دينار، ما يثير تساؤلات عن المستفيدين الحقيقيين وكيف تمت عمليات التخصيص والتمليك.
الأهم هو معرفة ما إذا كانت المسؤولية محصورة بموظفي البلدية، أم أن هناك حل��ة أوسع من المتواطئين والمستفيدين.
كما أن ضبط المحاضر والمعاملات الأصلية يتيح تتبع مسار القرارات وتحديد المسؤوليات بدقة.
والسؤال الأوسع: هل هي حالة منفردة في بلدية الناصرية، أم نموذج لأسلوب مشابه في التعامل مع عقارات الدولة في بلديات أخرى؟
لذلك، فإن كشف المستفيدين النهائيين واسترداد العقارات يجب أن يكونا أولوية، لا الاكتفاء بمحاسبة المنفذين.
@d_alIraq جناب الاخ @d_alIraq
ليس كل عناء سبباً للرحيل؛ أحياناً تكون الغاية التي نسعى إليها أكبر من مشقة الطريق، ولذلك نتحمل.
إذا غامرتَ في شرفٍ مرومٍ
فلا تقنعْ بما دونَ النجوم