لماذا لم أعلّق على الجدل الدائر حول المولد النبوي؟
الحقيقة أننا نتابع هذا الجدل بحزن وصمت؛ لا لأن المسألة لا تستحق البحث العلمي، وإنما لأن قضية المولد من المسائل القديمة التي اختلف فيها العلماء منذ قرون، ومنهم من أنكرها ومنهم من أجاز بعض صورها، فهي ليست وليدة اليوم، ولا من قضايا أصول الدين التي ينبغي أن تتحول إلى معركة تستقطب المجتمع.
ومن أعظم ما نتعلمه من السيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يراعي المآلات ووحدة الصف.
ومن مواقف السيرة التي تدل على فقه المآلات: عندما تنازع رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار في إحدى الغزوات، نادى كل منهما بشعار قومه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «دعوها فإنها منتنة»؛ لأن القضية لم تعد مجرد كلمات، وإنما أصبحت تهدد وحدة الجماعة في ظرف يحتاج فيه المسلمون إلى التماسك.
ومن مواقف السيرة التي تدل على فقه المآلات: كان النبي ﷺ يرى أن الكعبة بُنيت على غير قواعد إبراهيم، وكان يستطيع إعادة بنائها على القواعد الصحيحة، لكنه ترك ذلك وقال لعائشة رضي الله عنها إن قومها حديثو عهد بجاهلية، ولولا ذلك لهدم الكعبة وبناها على قواعد إبراهيم.
ومن مواقف السلف التي تدل على فقه المآلات: موقف الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله في فتنة خلق القرآن؛ فقد كان يرى بطلان القول بخلق القرآن، وثبت على ذلك، لكنه لم يجعل الخلاف سببًا لاستدعاء الناس إلى الفتنة أو حملهم على مواجهة السلطة بالسلاح، وإنما صبر على الأذى والحبس والضرب، وحافظ على إنكار ما يراه باطلًا من غير أن يفتح بابًا يؤدي إلى اقتتال المسلمين.
ومن مواقف السلف التي تدل على فقه المآلات: أن ابن تيمية مرّ في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فلما أراد بعض أصحابه إنكار ذلك، رأى ابن تيمية أن تركهم على ذلك في تلك اللحظة قد يكون أولى؛ لأن الخمر كانت تشغلهم عن قتل المسلمين وسبيهم ونهب أموالهم.
فليس معنى ذلك ترك الحرام، وإنما معناه أن الفقيه ينظر إلى ما يترتب على فعله، ولا يعالج مفسدة بطريقة تنتج مفسدة أعظم.
وقد ق��ر ابن القيم أصلًا عظيمًا في إنكار المنكر، وهو أن المنكر إذا ترتب على إنكاره منكر أكبر لم يكن إنكاره على تلك الصورة مشروعًا؛ لأن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها.
ومن هنا نفهم فقه الأولويات.
إننا اليوم أمام مرحلة تحتاج إلى جمع القوة لا استنزافها. يقول الله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة}.
والقوة ليست عسكرية فقط؛ بل هي قوة الدولة، والجيش، والاقتصاد، والأمن، والمؤسسات، والمجتمع، والثقة، والوحدة الوطنية، وكل ما يمكن أن يحفظ الأمة ويمنع أعداءها من النيل منها.
وفي ظل ما تواجهه سوريا من تحديات داخلية وخارجية، فإن تحويل المجتمع إلى ساحات صراع حول مسائل خلافية قديمة، مهما كانت أهميتها العلمية، يستنزف من رصيد القوة التي نحن أحوج ما نكون إليها.
وقد واجه علماء الأمة في أزمنة النوازل الكبرى الأخطار التي تهدد وجود المسلمين، ولم يجعلوا كل خلاف علمي معركة تستنزف الصف.
وهذا ما نحتاجه اليوم.
لسنا مطالبين أن نتفق في كل شيء، لكننا مطالبون أن نعرف ما الذي يجب أن نجتمع عليه الآن.
يمكن للإسلاميين والوطنيين والقوميين والمستقلين، على اختلاف مشاربهم، أن يجتمعوا على حفظ البلاد، وتقوية الدولة، وبناء المؤسسات، ودفع العدوان، وحماية المجتمع.
فقه الأولويات ليس تمييعًا للدين، وتأجيل الخلاف ليس تنازلًا عن الحق.
سنختلف، وسنناقش، ولكل مسألة أهلها وأدلتها.
لكن ليس كل خلاف يُفتح في كل وقت.
فقد ننتصر في نقاشٍ جزئي، ثم نخسر بسببه شيئًا من وحدة الأمة وقوتها.
ومن الحكمة أن نعرف ما الذي يمكن أن نختلف فيه غدًا، وما الذي يجب أن نجتمع عليه اليوم.
اجتماع الشيباني ورئيس الموساد، برعاية توم باراك وبمواكبة الأتراك والعرب، قد يخفّض التوتر السوري–الإسرائيلي، لكنه لا يعالج جوهره. فالمسألة باتت أبعد من تفاهم أمني بين دمشق وتل أبيب، وهي صراع على شكل سوريا الجديدة، وعلى حدود الدور التركي في إعادة بناء قدرات الجيش والأجهزة الأمنية.
إسرائيل تحاول إدخال هذا الدور ضمن شروط التهدئة، فيما تعتبره دمشق جزءاً من حقها السيادي، وقد شدّد الشيباني اليوم مع رويترز حول أحقية سوريا بالشراكة مع تركيا كونها حليف طبيعي لدمشق.
لذلك، يجب انتظار حجم ونوعية استمرار الدور التركي في بناء وتسليح الجيش السوري ومساعدة الاستخبارات السورية على تطوير قدراتها وتطوير أداءها.
الحملة المسعورة التي يشنّها أيتام نظام الكبتاغون والتطهير العرقي على طارق متري وإياد الهزاع لن تعيد عقارب الساعة إلى الوراء.
عنوان الحملة اليوم هو تسليم اللواء في النظام السابق عادل عيسى إلى السلطات السورية، بعد محاولات بهلوانية لمنحه لجوءاً سياسياً في لبنان. والمفارقة أن هذا الحرص على "اللجوء الإنساني" لم يظهر حين كان ناشطون ومعارضون سوريون مهددين بالاعتقال والإعدام والاختطاف على يد نظام الأسد، بل إن بعضهم سُلّم في عهد عباس إبراهيم لينتهي مصيرهم بين القتل والاختفاء القسري.
طارق متري لا يُطوَّع. وتاريخه السياسي والأكاديمي والوطني أنصع من أن تحاكمه بقايا نظام عاش على تجارة الكبتاغون، ثم تتهمه اليوم بمخالفة الدستور لأنها لم تعد قادرة على فرض إرادتها على الدولة ومؤسساتها.
الغارات على مطار أبو الظهور تقول إن الهدوء الإسرائيلي في سوريا كان ��ؤقتاً. خلال الأسابيع الماضية، مهّدت إسرائيل لهذه العودة: رفعت نبرة الهجوم على الشرع، سرّبت تقديرات عن الخطر الذي يمثله تسارع بناء الجيش السوري بدعم تركي، وبدا أن نتنياهو يريد أن يثبت أن تفاهماته مع ترامب لا تقيّد حركته في المنطقة، والأهم أن يضرب المسار السوري–التركي قبل أن يترسخ ويصبح مكلفاً تغييره. لكن الانتخابات تبقى في الخلفية، في اطار إبقاء الحرب حاضرة في الداخل الإسرائيلي، وإذا أُغلقت أمامه جبهة، سيبحث عن أخرى، ووما يحدث في سوريا ليس منفصلاً عن لبنان والعراق واليمن. المنطقة تعود ببطء إلى منطق ما قبل الحرب الكبرى حيث إسرائيل توسّع هامش حركتها، وإيران تهيئ ساحاتها قبل أن تكتمل محاولات عزلها، وال��سطاء يلاحقون أحداثاً تتحرك أسرع منهم، ويبدو أن الخريف المقبل لن يكون هادئاً.
كلام أردوغان اليوم للجزيرة يستحق التوقف عنده، خصوصاً في ملفي سوريا ولبنان. هو يقول إن تركيا لن تترك سوريا وحدها، وفي الوقت نفسه يكشف أنه يضغط على ترامب من أجل انسحاب إسرائيل من لبنان، محذراً من أن استمرار الوضع الحالي ستكون له تداعيات تتجاوز لبنان نفسه.
هذا يوضح إلى حد بعيد كيف تنظر أنقرة إلى المشهد وأن سوريا ولبنان لم يعودا ملفين منفصلين. من خلال دعم الجيش السوري، وإبداء رغبة بدعم الجيش اللبناني، لذا فحماية استقرار سوريا، ومنع انفجار لبنان أو تكريس احتلال إسرائيلي طويل الأمد فيه، باتت جميعه�� أجزاء من حساب أمني واحد بالنسبة لتركيا.
لذلك أيضاً لا يمكن فصل زيارة أردوغان المرتقبة إلى دمشق عن القلق الإسرائيلي المتزايد من الدور التركي. ما بدأ بعد سقوط الأسد بحذر وتدرج، يتحول اليوم إلى انخراط تركي أكثر وضوحاً. أنقرة تقول عملياً إنها لن تقف متفرجة أمام إعادة رسم موازين القوة في سوريا ولبنان لمصلحة إسرائيل.
أهمية اجتماع أردوغان–محمد بن سلمان–شهباز شريف هي في توقيته. المنطقة تدخل مرحلة فاصلة مع إعادة تحريك القناة الأميركية–الإيرانية، فيما تخشى العواصم الثلاث أن يتعامل نت��ياهو مع أي تفاهم محتمل باعتباره تهديداً لحرية الحركة الإسرائيلية، فيسعى إلى استباقه بفرض وقائع عسكرية جديدة في لبنان أو سوريا.
والسعودية ومعها قطر تريد منع عودة المواجهة إلى الخليج وتهديد الطاقة والملاحة، فيما ترككيا تخشى أن تتحول الضربات الإسرائيلية في سوريا من احتواء لإيران إلى إعادة رسم لموازين القوة والنفوذ على حدودها، فيما تستطيع باكستان لعب دور قناة خلفية مع طهران وواشنطن عبر عاصم منير.
والأهم أن الدول الثلاث باتت معنية بمنع سيناريو واحد، أن تتقدم الدبلوماسية مع إيران في واشنطن، بينما تفرض إسرائيل إيقاعاً عسكرياً مختلفاً على الأرض، فتجد المنطقة ��فسها أمام تفاوض أميركي–إيراني تحكم شروطه الوقائع التي يصنعها نتنياهو.
مع زيارة الرئيس جوزيف عون إلى أنقرة ولقائه الرئيس رجب طيب أردوغان، تتضح أكثر ملامح مقاربة واشنطن الجديدة، التي أبلغت عون، خلال زيارته إلى الولايات المتحدة، أن المشرق العربي بات ضمن نطاق الدور الذي تضطلع به تركيا، من سوريا والعراق وصولاً إلى غزة. ويأتي ذلك بالتوازي مع إعلان حركة حماس تخليها عن السلاح عقب لقاء خليل الحية مع هاكان فيدان، وتوالي زيارات المسؤولين اللبنانيين إلى أنقرة.
ولا يقتصر هذا الدور على البعد السياسي، بل يمتد إلى ملفات اقتصادية وأمنية، تشمل تشغيل خط النفط العراق – سوريا – طرابلس، مع ترتيب توم باراك وهاكان فيدان لقاء نواف سلام - علي الزيدي، وطرح تشكيل لجنة ثلاثية تركية – سورية – لبنانية لبحث الترسيم البحري، إضافة إلى دعم تركي محتمل للجيش اللبناني في ضبط الحدود مع سوريا، وإمكانية انخراط تركي، عبر حلف الناتو، في أي قوة دولية مستقبلية في جنوب لبنان، وربما أيضاً في غزة.
وإذا صحّ هذا المسار، فإن لبنان لن يكون ملفاً مستقلاً في الحسابات الإقليمية، بل جزءاً من منظومة أمنية واقتصادية أوسع تقودها تركيا، تمتد من الحدود السورية إلى شرق المتوسط، وتتشابك مع مشاريع الطاقة والنقل وإعادة ترتيب التوازنات الأمنية.
يدخل لبنان تدريجياً إلى قلب مسار إقليمي جدي��، تتداخل فيه الأبعاد الأمنية والسياسية والاقتصادية. ويبدو أن الخط الأول في هذا المسار بات تركياً، بعدما رفعت أنقرة مستوى اهتمامها بالملف اللبناني واعتبرته جزءاً من أمنها القومي، بما يتجاوز إطار العلاقات الثنائية التقليدية.
أما الخط الثاني فهو سوري، في ضوء تأكيد الرئيس أحمد الشرع أن دمشق تدعم حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، لكنها ترفض الانزلاق إلى أي تدخل عسكري داخل لبنان، في محاولة لرسم مقاربة مختلفة للعلاقة بين البلدين.
ويأتي الخط الثالث خليجياً، عبر التنسيق السعودي–القطري الذي يقوده الأمير يزيد بن فرحان والوزير محمد الخليفي، والهادف إلى توفير مظلة سياسية وإقليمية لدعم مسار الاستقرار اللبناني، وتكتسب هذه التحركات أهمية إضافية مع تنامي دور المبعوث الأميركي توم باراك، الذي قدّم للإدارة الأميركية تصوراً متقدماً لمعالجة ملف السلاح والوضع في جنوب لبنان، بالتوازي مع زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى بغداد، التي تندرج في سياق ربط لبنان بمشاريع الطاقة والنقل الإقليمية بدعم تركي–أميركي.
كما جاء الاتصال المسائي بين الوزير محمد الخليفي ونائب رئيس الحكومة طارق متري ليؤكد أن وتيرة التنسيق السياسي تتصاعد، في وقت يستعد فيه لبنان لاستقبال سلسلة من الزيارات التركية والقطرية والأوروبية، بما يعكس انتقاله إلى موقع متقدم على أجندة الترتيبات الإقليمية الجارية، وليس مجرد ساحة لتلقي نتائجها.
حين يضع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بيروت ودمشق وحلب وطرابلس وسراييفو في جملة واحدة، فهو لا يستعيد ذاكرة عثمانية بقدر ما يرسم حدود المجال الأمني والسياسي الذي ترى تركيا نفسها مسؤولة عن توازنه.
التصريح يأتي مع تصاعد التوتر التركي–الإسرائيلي في سوريا، وبعد استقباله نواف سلام، وإصرار ترامب على منح أحمد الشرع دوراً في الملف اللبناني. والرسالة أن أنقرة تتعامل مع سوريا ولبنان كساحة استراتيجية م��رابطة، وهي أن أمن حلب ودمشق يمتد إلى بيروت وطرابلس، ومن يملك التأثير في دمشق سيكون حاضراً في ترتيبات لبنان.
أردوغان يقول عملياً إن الفراغ الذي خلفه تراجع إيران لن يُملأ إسرائيلياً وحده، وأن أي هندسة جديدة للمشرق، من مستقبل سوريا إلى سلاح حزب الله وحدود لبنان، يجب أن تمر عبر تفاهم مع تركيا، لا من فوقها، وخاصة مع عودة توم باراك إلى الملف اللبناني.
من لايعرف اللواء الحبيب فهو ممن أكرمهم الله بخدمة الدولة قبل وبعد التحرير في ملفات أمنية معقدة جداً .. اسأل الله أن يجعله سبب أمن وأمان لسوريا الحبيبة ..