استوعبت وقتها شي عميق عن تعامل الناس مع بعض.
كل واحد فينا يمشي وهو شايل بداخله تعب أو جروح محد يدري عنها،
وكثير مرات نفسّر تصرفات الناس على حسب الألم اللي فينا إحنا… مو على نية الشخص اللي قدامنا.
إنك — مهما التفّ الناس حولك، ومهما أحاطوك بالكلمات والمواساة — تظل وحدك داخل التجربة.
الألم لا يُعاش بالنيابة، والحزن لا يُحمَل عن غير صاحبه.
الآخرون قد يربتون على كتفك، لكنهم لا يسكنون صدرك، ولا يسمعون ذلك الحوار الخفي الذي يدور في داخلك حين تُطفأ الأنوار ويخلو المكان.
وهنا ينبغي أن تفهم أنك أنت المسؤول الأول عن خلاصك. لا لأن الناس قساة، بل لأن الوجع تجربة فردية،
ولأن الله — في حكمته — جعل طريق التعافي رحلة داخلية، لا تختصرها الأيدي الممتدة، ولا تُغني عنها النصائح مهما كانت صادقة.
أنت وحدك من يقرر:
هل يبقى الحزن قبرًا تسكنه؟
أم يصبح معبرًا تعبر به إلى نسخة أخرى منك؟
وهذه المسؤولية، ��إن بدت ثقيلة، فهي في حقيقتها تشريف.
تشريف لأنك تُمنَح فرصة إعادة التكوين،
فرصة أن ترى الأشياء بعينٍ لم تكن لك من قبل،
وأن تفهم الحياة لا كما تُروى… بل كما تُعاش.
أما الندوب — تلك العلامات الصامتة التي تركتها الجراح. ليست فضيحة ضعف، ولا شهادة هزيمة.
إنها خريطة.
خريطة كنز دفنته المعاناة في أعماقك دون أن تدري.
كل ندبة تقول لك: هنا سقطت… لكنك لم تمت.
هنا انكسرت… لكنك لم تنتهِ.
هنا ظننت أن كل شيء قد انتهى، بينما كان شيء آخر — أعمق وأصدق — يبدأ.
وعندما تنظر إلى تلك الندوب بعد حين،
لن تراها بوصفها ماضٍ مؤلم،
بل كبداية سرية للتغيير الذي جعلك ما أنت عليه الآن.
هكذا تُصاغ النفوس الكبيرة:
لا بالراحة،
بل بالأسئلة،
ولا بالطمأنينة السهلة،
بل بالمواجهة الصادقة مع الذات.
وفي النهاية…
لا يخرج الإنسان من أزماته كما دخلها أبدًا.
إما أن يخرج أقل، أو يخرج أكثر.
وأنت وحدك من يختار أي الطريقين يسلك.
د. مصطفي محمود
رحمة الله عليه
#خاطرة_اليوم