مبارك لأهلنا في دير الزور افتتاح المطار الدولي؛ بوابة جديدة نحو النهضة والاستقرار.
كل الشكر والتقدير لـ هيئة الطيران المدني ومحافظة دير الزور على الجهود المبذولة لإنجاز هذا الصرح. تستحق دير الزور والمنطقة الشرقية كل الخير والازدهار.
سوريا دولة مدنية إسلامية...
بعد تحرير سوريا بدأ الصدام بين التيارين الديني والعلماني في سوريا وأخذ ينحو منحا خطيرا، سيما بعد أن امتطى العلمانيون خيول قافلة أعداء الإسلام من الأقليات من الطائفة النصيرية والدرزية والقسدية بذريعة حماية الأقليات، وكان حصان طروادة إسرائيل التي احتلت جزءا كبيرا من أراضي الجولان، وما زالت تتوغل في الجنوب السوري.
بات ال��طاب الديني والسياسي وكأن بينهما خصاماً، وفصاماً، وخلافات متجذرة في الإ��هام. بل إن اتساع الفجوة بينهما يشي بأن الخلاف المكين بين العقائد والآيديولوجيات. فخلال العام الماضي سمعنا صوت قعقعة السلاح في الساحل والسويداء وشمال سوريا، ولم يتخذ العهد الجديد جانب الحذر على الرغم من توافر الكثير من الحيثيات والاستدلالات التي تومئ إلى ذلك. وراهن العلمانيون على سقوط الحكومة الجديدة ولكن رهانهم على الحصان الغربي كان رهان خاسر؛ بل إن استقواءهم بالغرب وضع الكثير من علامات الشك حول مآلاتهم ومستقبلهم السياسي.
انقسم الشعب إلى فسطاطين لا ثالث لهما: فريق ينادي بدولة إسلامية، وآخر ينادي بدولة مدنية، يندرج تحت هذين العنوانين رايات معظم الأحزاب و��لحركات والتيارات الدينية والعلمانية والقومية بما تحمله من آيديولوجياتهم، ولكي نتمكن من تقريب وجهات النظر بين الفريقين علينا أولاً تعريف بعض المصطلحات، وتأطير وتأصيل بعض المفاهيم.
مصطلح (الدولة الدينية)، يعني الدولة التي يكون دين الشعب هو المحرك والمهيمن على كل نشاطاتها. والدولة المدنية، هي الدولة الحضارية التي فارقت البداوة والتخلف وأخذت بأسباب الرقي، أو الدولة التي تباين الدولة العسكرية، في هذه الحال هل يمكن أن تكون الدولة دينية ومدنية في آنٍ واحد؟ إذ لا تعارض بينهما. وهو ما يعني أن المعنى لكلا المصطلحين لا إشكال فيه، لكن الأمر لم يقف عند هذا الحد"فقد شُحِن كلا المصطلحين بمعانٍ، وأضيفت له هوامش وشروحات، ما جعل استخدام المصطلحين في البيئة الإسلامية محفوفاً بكثير من المخاطر والإشكاليات.
لو كان الأمر بهذه البساطة لربما اتفقت معظم أطياف الشعب السوري على هذا التصنيف لمفهوم الدولتين. ولكن يقال في المثل: (الشيطان يكمن في التفاصيل)، إذ لوحظ أن منهم من ينادي بالخلافة الإسلامية غير منقوصة، ومنهم من يقول: إن الولاية العامة لا تجوز في الشرع إلا لذكر، بالغ، مسلم، عدل، وبعضهم كان أقل تشدداً فقال: يكفي أن الرئيس يجب أن يكون على مذهب الأكثرية، هذه الشروط تتناقض مع مفهوم الدولة العلمانية، التي ينادي بها آخرون، التي تنكر حق الله في التشريع، وتجعله حقاً مختصاً بالناس. بل لقد أوجد هذا التصور للدولة الإسلامية في سورية ردَّ فعل عنيفاً عند معظم العلمانيين، جرَّهم إلى اتخاذ موقف مناقض أشد المناقضة. بل بالغوا وغالوا ونفوا أن يكون للدين أي تدخل أو تعلق بالدولة.
اتضح ان الأقليات تتوجس من مصطلح (دولة إسلامية). ويتوجس السلفيون من مصطلح (دولة علمانية). هنا يجدر بنا في هذه الإشكالية أن نذَكّر بأفكار بعض من لهم باع في هذا الموضوع، ولنأخذ أنموذجات لأفكار ربما تكون متقاربة. فمحمد عبده زاوج بين نظرية ال��اوردي وبين النظام البرلماني الحديث، بأن تكون الولاية العامة لذكر مسلم عدل، وتختار الأمة طائفتين: إحداهما على علم بحدود الشرع، هي أهل الرأي، أو أهل الحل والعقد، لمساعدة الحاكم، بالنصيحة والنصرة والشورى، والأخرى نواب يمثلون الشعب إقليميا، ومهنيا؛ لوضع مختلف التشريعات والقوانين الوضعية، بما لا يتعارض مع نصوص الشرع. ويتعايش تحت هذا الدستور الأكثرية والأقلية، فلا يغبن حق أحد منهم. ونتفادى في الوقت نفسه المخاض العسير الذي تتعرض له سوريا له في هذه المرحلة الحساسة.
هنا يجب التوقف عند نقطة مفصلية مهمة ألا وهي: هل مفهوم مصطلح دولة الخلافة التي تُرعب الغرب هو ذاته مفهوم مصطلح دولة إسلامية؟ فالتلاعب بمعاني المصطلحات ربما هو الذي أدى إلى إشكالية تخوف معظم الناس من الإسلام، فعلى سبيل المثال، يمكننا طرح السؤال على النحو الآتي: هل ينطبق على المملكة العربية السعودية مفهوم (الدولة الثيوقراطية)، أي التي تُحكم من طبقة رجال ا��دين فقط، وأن الحاكم يكون مقدساً؟ أم هل هي دولة خلافة، أو دولة دينية مثل: دولة الفاتيكان، أو حكم طالبان، أو ولاية الفقية في إيران؟ لا أود هنا الخوض في تلك المسألة، لكي لا أبتعد عن الموضوع الأصلي.
من الأهمية بمكان التفريق بين مفاهيم عدة، مثل: دولة الخلافة، ودولة دينية، ودولة إسلامية، وهذه الأخيرة هي التي يجب التركيز عليها، أي أنه م��كن أن تكون الدولة إسلامية تؤسس جميع الأمور القانونية فيها على أساس التشريع الإسلامي ذات الغالبية، وفي الوقت ذاته هي دولة مدنية متحضرة، ويمكننا أيضاً تعريف الدولة المدنية الإسلامية بأنها نظام حكم سياسي حضاري ذو مرجعية دينية، يرفض عسكرة الحكم أو تدينه، ويقوم على مفهوم المواطنة بين أفراد الإقليم بأن يكونوا سواسية في الحقوق والواجبات، فالإسلام لا يرفض كون العسكرة مرفوضة بالحكم، ولم يعارض الديموقراطية، فأهم مبدأ فيه هو الشورى.
الدولة الإسلامية المدنية ليست دولة ثيوقراطية بالمفهوم الغربي، فالحاكم بالإسلام ليس إلا خادماً للأمة يحق لها مساءلته، بل عزله حين ��صرح بالكفر، أو وقت ظلمه، وهذا ما قرره الشرع، والحاكم تختاره الأمة بما سماه الفقهاء البيعة، بعد موافقة أهل الحل والعقد، ولا يحق له أبداً إقرار أي قانون يحل حراماً أو يحرم حلالاً، كل ذلك من الأصول الإسلامية المقررة للحاكم، ولا اعتبار له إن كان ملكاً أو رئيساً أو ذا سلطة دائمة أو مقيدة بزمن. فهذه الآليات لم يتدخل الإسلام فيها، ووكل أمرها لما يختاره الناس من خير لهم.
النقطة الجوهرية هي أنه على الرغم من أن الخطابين الديني والسياسي كانا، عبر التاريخ الإسلامي، مقترنين ومتلازمين، منذ أن أسس محمد بن عبد الله، عليه أفضل الصلوات وأزكى السلام، (صحيفة المدينة)، ليحتكم وفقا لبنودها الدستورية أهل الديانات السماوية والطوائف والملل كافة. إلا أن هناك آراء تدندن لها شخصيات علمانية تحت مظلة البروباغندا الإعلامية بأن (الدين لله والوطن للجميع)، جهلا منهم بأن أول من قالها هو كارل ماركس، الذي لا دين له أصلاً.
والحقيقة أنا أؤيد رأي الشيخ القرضاوي في أن الدولة الإسلامية هي دولة مدنية في الأساس، ولكن في الوقت نفسه لا أذهب كلياً بما ذهب إليه في قضية التعددية. ثم إنه لا يمكن قيام أي دولة لا يكون للشعب فيها أية مرجعية دينية، بل إن قوانين الأحوال الشخصية في معظم دساتير العالم المتقدم، مثل الطلاق، والزواج، والإرث وغيرها يستند استناداً كلياً إلى التشريعات السماوية، ولا يمكن بأي حال من الأحوال فصل الدين عن الدولة. فخلال 14 قرناً كانت الحضارة الإسلامية من شرقها إلى غربها قرينة الإثبات بأن منهج الدولة الإسلامية هو من أفضل مناهج الحكم على مر العصور.
خلاصة القول: يمكن التلفيق في أن يكون نظام الحكم في سورية دولة إسلامية مدنية، دين رئيس الدولة الإسلام، ومرجعية التشريع فيها الإسلام، يعيش تحت سقف هذه الدولة مواطنو الدولة، ويتساوى الجميع في الحقوق والواجبات، ويكفل الحريات الشخصية للجميع، والشعب مصدر السلطات، فهو الذي يختار الحاكم، وهو الذي يعزله، وهذا واضح غاية الوضوح في اختيار الخلفاء الراشدين، والشورى ركن أساسي من أركان الدولة الإسلامية.
نثمّن زيارة الأمين العام للأمم المتحدة السيد أنطونيو غوتيريش إلى الجمهورية العربية السورية، في مرحلة مفصلية تشهدها البلاد عنوانها التعافي والاستقرار وترسيخ مؤسسات الدولة، وسط تنامي الاهتمام الدولي بمواكبة هذه المرحلة ودعم مسارها.
ناقشنا مع السيد غوتيريش عدداً من الملفات ذات الاهتمام المشترك، وفي مقدمتها دور الأمم المتحدة في دعم أولويات التعافي، وحقوق الإنسان، والعد��لة الانتقالية، وملف المفقودين، والتنمية الاقتصادية، بما يعزز جهود الدولة في بناء مستقبل أكثر استقراراً.
نتطلع إلى تعزيز التعا��ن مع الأمم المتحدة في المجالات الإنسانية والتنموية، وإعادة تأهيل البنى التحتية، وصون حقوق الإنسان، انطلاقاً من أولويات الدولة السورية واحتياجات شعبها.
سوريا التي كان يُنظر إليها بالأمس بوصفها أزمة، تستعيد اليوم مكانتها شريكاً فاعلاً ومسؤولاً في الأمم المتحدة، منخرطة في العمل الدولي، ومساهمة في بناء الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.
التعايش الإسلامي المسيحي في سورية...
في اليومين الماضيين انتشر خبر أن المسيحيين في سوريا يبيعون أملاكهم ويهاجرون هربا من ظلم الحكومة السورية. ثم تبين أن الخبر وراءه فلول النظام لعمل بلبلة وتشويه صورة الحكومة في إعلام الرأي العام في الغرب.
بادئ ذي بدء لا مشاحة في القول إن مسيحيي سورية هم سكانها الأوائل قبل أن يدخل الإسلام إليها. ويشكل عددهم فيها من جميع الطوائف نسبة 14% من عدد السكان. وسكان سورية من أوائل الشعوب التي اعتنقت الديانة المسيحية. فقد وصلت الديانة المسيحية إليها على يد بولس الرسول بعد وفاة المسيح، عليه السلام، ببضع سنوات. حين اعتنق الآراميون (السوريون القدماء) الديانة المسيحية، إذ كانت اللغة الآرامية لغة المسيح. كما اعتنقت بعض القبائل العربية التي كانت قد استوطنت سورية، آنذاك، الديانة المسيحية، مثل الغساسنة في حوران، وبني تغلب الذين قطنوا منطقة حلب ومنطقة الجزيرة منذ عصر ما قبل الإسلام.
ينتمي المسيحيون في سورية إلى كنائس عدة، لغت��م الأم العربية، وتستخدمها العديد من الكنائس كلغة طقسية، إضافة للآرامية السورية القديمة (السريانية). وما يزال هناك بعض القرى في سورية ينطقون باللغة السريانية، منها: قرية معلولا، وجبعدين، وبخعا، وقلدون التي تبعد عن مدينة دمشق نحو 60 كم. بل إن هناك الكثير من أسماء المدن والقرى ذات أصل سرياني، مثل دمشق (درمسوق)، وتدمر، التي تعني العجب، وحماة (حارة)، وكفرسوسة (قرية الفرس). كما أن هناك الكثير من الكلمات المستخدمة في اللهجات العامية في سورية أصلها سريانية.
إن التعايش السلمي بين المسلمين والنصارى كان قائما منذ زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وفي عهد الخلفاء الراشدين. وإن الاقتداء بسنة الرسول، صلى الله عليه وسلم، وصحبه الكرام في معاملة أهل الكتاب هي من أوجب السنن. فقد امتثل النبي، صلى الله عليه وسلم، بآيات ربه في القرآن الكريم في قوله: (يَا أَهلَ الكِتَابِ تَعَالَواْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءِ بَينَنَا وَبَينَكُم أَلاّ نَعبُدَ إِلاَّ الله وَلاَ نُشرِك بِهِ شَيئاً)
كما بيَّن القرآن الكريم العلاقة بين المسلمين وغيرهم، والبرّ بهم ما لم يقاتلوننا في ديننا، ولم يظاهروا علينا عدونا، ولم ينقضوا العهود التي بيننا وبينهم. إن الإسلام دين الرحمة، والسماحة، والعفو، وقد نهانا تعالى أن نعتدي على أحد: (وَقَاتِلُوْا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ال��ّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ).
لقد نهى الرسول، صلى الله عليه وسلم، عن إيذاء أهل الذمة، واعتبر حقهم كحق المسلم في شؤونهم ومعاشهم. وخلفاؤه، رضي الله عنه، من بعده اقتدوا به. وقد كان من وصايا الرسول، صلى الله عليه وسلم: "ألا من ظلم معاهداً، أو انتقصَهُ، أو كلَّفهُ فوق طاقته، أو أخذ شيئاً بغير طيب نفس منه، فأنا حجيجه يوم القيامة".
إن النبي، صلى الله عليه وسلم، لم يحارب نصرانياً بيده الكريمة البتة، وإنما اجتمع مع وفود النصارى مرتين: أولاهما في مكة المكرمة حين قدم عليه من الحبشة، في المسجد، بعدما بلغهم خبره، ��رابة عشرين رجلاً، فجلسوا إليه وكلَّموه، ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة، فلما فرغوا من مسألة النبي، صلى الله عليه وسلم، تلا عليهم القرآن. فلما سمعوا فاضت أعينهم، ثم استجابوا لله وآمنوا به وصدّقوه، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره، ونزلت فيهم الآية الكريمة: (الّذِينَ أَتَينَاهُمُ الكِتَابَ مِن قَبلِهِ هُم بهِ يُؤمِنُونَ ` وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِنَّا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمينَ). كما نزلت فيهم: (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أَنْزَلَ الله إِلى الْرَسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقّ يَقُولُونَ رَبِنَّا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَاهِدينَ).
والأخرى: لما جاء وفد نصارى الحبشة، أنزلهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في المسجد وقام بنفسه بخدمتهم. وكذلك سمح رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لوفد نصارى نجران بإقامة صلاتهم في المسجد الذي كان يصلي فيه، صلى الله عليه وسلم، مع أصحابه. وكان لقاؤه معهم في المدينة المنورة يوم قدم عليه، عليه الصلاة والسلام، وفدهم المكوّن من ستين راكباً، فيهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم، وتركهم الرسول، صلى الله عليه وسلم، يُؤدون صلاتهم في المسجد النبوي، واستضافهم، وقام بخدمتهم ب��ده الكريمة.
كما ذكر الكثير من المؤرخين أن الرسول صلى الله عليه وسلم عاصر بعض النصارى الذين اهتدى أغلبهم للإسلام في عهده، كان أولهم زوجته وأم ولده ماريا، وابن عم زوجته ورقة بن نوفل، وأم الحارث بن أبي ربيعة المخزومي واسمها سبحاء، ماتت على دينها وشيّعها صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأم عثمان بن عنبسة بن أبي سفيان، وأم مصعب بن عمير شهيد معركة أحد، وأبو قيس من بني النجار، وصهيب بن سنان الذي نزلت فيه الآية الكريمة: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشرِى نَفسَهُ ابتِغَاءَ مَرضَاتِ الله)، وقس بن ساعدة الإيادي وكان أسقف نجران، وعدي بن حاتم الطائي ، وسلمان الفارسي، والجارود بن العلاء. كما كان هناك بعض الموالي الذين يدينون بالنصرانية يعيشون في مكة والمدينة في عهد الخلفاء الراشدين. فقد كان عند عمر رضي الله عنه مملوك نصراني اسمه (أستق)، فطلب منه عمر ذات يوم أن يُشهر إسلامه فرفض، ولكن قبل موته أعتقه وهو نصراني.
لقد استن عمر رضي الله عنه من بعده بسنته صلى الله عليه وسلم في معاملة النصارى. فموقفه، رضي الله عنه، لا يُنسى حين أزال التراب والأوساخ والقمامة بيديه عن الصخرة في بيت المقدس، إذ برهن فيها أن الإسلام يحترم بيوت الله، بغض النظر عن اختلاف العقيدة. وكان رفضه للصلاة في كنيسة القيامة، عندما كان بصحبة البطريق صفرونيوس، لأنه كان يخشى أن يغلبهم المسلمون عليها. مما كان سيعتبر نقضاً للعهد الذي أبرمه معهم باحترام كنائسهم.
كما أن عمر، رضي الله عنه، لم يمنع النصارى من دخول الحجاز مثلما فعل باليهود. وقد أجاز الإمام الشافعي لهم دخول الحجاز للتجارة، لأن النصارى كانوا يتاجرون إلى المدينة المنورة في زمن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه. فقد أتاه يوماً شيخ بالمدينة المنورة، فقال: أنا الشيخ النصراني، وإن عاملك عَشّرني مرتين، فقال عمر، رضي الله عنه: وأنا الشيخ الحنيف. وكتب لـه عمر، رضي الله عنه، أن لا يُعشّروا في السنة إلا مرة، ولا يأذن لهم بالإقامة أكثر من ثلاثة أيام، ثم ينتقل عنه. أي حتى أن الإجلاء عن ا��مدينتين المقدستين قد استثني منه أمور الكسب والتجارة والعمل.
يقول المؤرخون: استطاع معاوية بن أبي سفيان، أول خلفاء بني أمية، أنيستميل أهل الشام من الطائفة النصرانية، فعاضدوه في إدارة الخلافة. وطور جهازاً إدارياً منظماً جعل مقره حول المسجد، الذي كان معبداً رومانياً يسمى معبد جوبيتر، حيث كان المسيحيون يقيمون صلاتهم في هيكله؛ بينما كان هو يصلي في زاوية فنائه قرب قصر الخضراء حيث كان يقيم. وكانت الدواوين والسجلات في عصر عبد الملك بن مروان تدون باللغات العربية، والقبطية، والسريانية، بحسب المناطق التي انتشر فيها الإسلام في ذلك العصر.
وبالرغم من انتشار الإسلام في أرجاء سورية، فقد ترك الأمويون المسيحيين على دينهم. إذ كان المسيحيون يدخلون من باب واحد مع المسلمين لأداء شعائرهم الدينية في الشطر المحاذي للمسجد الأموي، الذي كان منذ عهد الوثنية معبداً للشمس (جوبيتر)؛ ثم تحول إلى كنيسة يوحنا المعمدان. ولما جاء الإسلام، وثم فتح دمشق، شطراً بالسلم، وشطراً بالقتال والحرب، اختصّ المسلمون بشطر، وبقي المسيحيون في الشطر الآخر. وارتأى المسلمون أن يتم التخاصص بينهما باستقلال المسلمين في مكان المسجد الأموي، مقابل استقلال المسيحيين بالكنائس الأخرى.
كان مسيحيو سورية قوميين وغيورين على عروبتهم أكثر من المسلمين في كثير من الأحيان. إذ حارب (الجراجمة) سكان الجرجومة، الواقعة شمال سورية بالقرب من أنطاكيا، بجانب إخوانهم المسلمين تحت قيادة حبيب بن مسلمة الفهري. ومثل ذلك حدث أيضاً مع أهل حمص عندما حاربوا في صفوف جيش أبي عبيدة عامر بن الجراح في موقعة اليرموك ضد الروم البيزنطيين. بل إن الجيش العثماني في سورية كان من بين ضباطه وجنوده الكثير ممن يدينون بالديانة المسيحية.
أهل سورية منذ الأزل يكرهون الحروب الطائفية التي كانت ��ي بعض الأحيان تُفرض عليهم. ففي التاسع من تموز عام 1860م اجتاحت جماعة من الرعاع المنطقة المسيحية من مدينة دمشق الداخلية، سقط فيها المئات. فلجأ الآلاف من المسيحيين إلى بعض دور الأعيان من المسلمين، حيث احتموا بهم من غدر هؤلاء الرعاع، منها بيت آل العظم في حي القنوات. وقد اضطر الأمير عبد القادر الجزائري، آنذاك، لتسليح ألف رجل لحماية المسيحيين. ثم دعا فؤاد باشا أعيان مدينة دمشق لاجتثاث شأفة أولئك المحرضين على تلك الحوادث، وأمر بإعدام نحو 170 شخصاً من الذين أدينوا بأعمال القتل والتحريض والنهب.
لقد عاش مسيحيو سورية وتطبعوا بطباع المسلمين وعاداتهم على مر السنين. يقول ��لأديب نيقولا زيادة يصف أمه: "أمي كانت عندها ملاءة سوداء، استعملتها لما سكنا في دمشق، واستعملتها في جنين لما انتقلنا إليه سنة 1917م إلى انتهاء وجود الدولة العثمانية". وأكد ذلك الشيخ علي الطنطاوي بقوله: "كان نساء الحي جميعاً بالحبرة (الملاءة) المزمومة، الساترة. وكان على الوجه المنديل الخشن ذو الثقوب. وكانت الحبرة عامة حتى إن النساء النصرانيات واليهوديات كن يلبسن الملاءة".
ويجب أن يدرك الجميع أن الإسلام نهى عن الاقتراب من الكنائس والرهبان والقساوسة. ففي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا تقتلوا أصحاب الصوامع). ومن هذا الحديث وغيره ذهبت المذاهب الأربعة وقالت بسق��ط دفع الجزية عن الرهبان الذين لا يخالطون الناس، إذ لا يقاتلون. والأصل في الجزية لإسقاط القتل. وكان من وصية أبي بكر لجيش أسامة:(لا تمثلوا ولا تقتلوا طفلاً صغيراً، ولا شيخاً كبيراً، ولا امرأةً، ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاةً ولا بقرةً ولا بعيراً إلاّ لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرَّغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرَّغوا أنفسهم له).
أخيرا يمكن القول: إن محاولة تخويف نصارى سوريا من الحكم الجديد ستبوء بالفشل بإذن الله
لكي لا ننسى إجرام النظام البائد
في مثل هذا اليوم عام ٢٠١٢. وفي أول شهر رمضان، وخلال معركة منطقة الميدان في مدينة دمشق، دخلت الميليشيات النصيرية من الشبيحة المعروفين في منطقة التضامن إلى بيت عائلة الخطيب الكائن في الزاهرة القديمة، جانب أزهار مارينا ، وقتلت أفراد العائلة كاملة بالأسلحة البيضاء حتى هشمت أجسادهم.
الشهداء هم:
- محمد سعيد بن فياض الخطيب
- زوجته ريما صلاحي الاصبحي
- ابنتهما بيان الخطيب
- ابنتهما نور الهدى الخطيب
- ابنهما وسيم الخطيب
أَمضيت يومين مثمرين في دمشق، قابلت فيهما مجموعة من النخب السياسية والثقافية، واتاحت لي وزارة الثقافة متكرمة فرصة الالتقاء بجمهور من السوريين في قاعة المكتبة الوطنية عبر محاضرة عن الوضع الراهن في المنطقة.
هذه هي الزيارة الثانية لي إلى دمشق بعد التحرير، وأكرر ما هو يقيني عندي:أن سوريا هي أمل المشرق، وحصنه، وعمقه. هذا اليقين لم يحص�� لمجرد موقع سوريا الجيوسياسي الحاسم، بل لأن فيها شعبا مؤهل للقيادة، وتحمل المسؤولية. يكفي أنه بعد أكثر من ستة عقود من التجريف الفكري والسياسي والاقتصادي والأخلاقية للدولة، ما زال الناس في سوريا يقرأون، ويهتمون بالفكر، و بالجدل وببناء الدولة. هذا بالأمر ليس طبيعيا، فلدينا ثلاثة أجيال ع��ى الأقل، تأسست وسط فقاعة من الخراب و الاستبداد وتزييف الوعي والتاريخ، بل على الفصل ما بين الشعب والدولة، واعتبار السوريين رعايا لا مواطنين. عموما كانت الثورة بحد ذاتها هي طريقة السوريين لكسر تلك الفقاعة، وبناء واقع جديد هم صانعوه ولم يجلبه لهم أحد. هذا هو بالضبط سر تلك القوة عند السوريين، أنهم يشعرون جميعا بالعزّة، عزّة الإنجاز بالثورة والانتصار فيها. حينما يقوم سواك بتغيير قدرك عبر التدخل العسكري لاسقاط النظام فذلك سيشعرك بالعار، ويبقى الأمر ملازم لك، أما أن تغير أقدارك بيدك، وتدفع تضحيات دون ذلك، فهو ما يفرق النصر إلى إستعادة الكرامة والكثير الكثير من ا��اعتزاز بالذات والوطن والهوية.
هذا ما وجدته على الأقل في عيون السوريين، وعند الحوار مع المثقفين والأكاديميبن، ومنهم وزير الثقافة الشاعر والمثقف محمد ياسين صالح، َوهو مجرد نموذج للمسؤول السوري الجديد الذي يعطي هو والعاملين معه من وقته وج��ده ما يتجاوز حتى المطلوب منه، دون أن يفكر بالمقابل أو يسعى له. الحمد لله أننا نستعيد سوريا، وستكون ملهمة للمنطقة ومركز تحولاتها كما كانت دوما من قبل.