انكسر ظهري في هذه الحياة ثلاث مرات..
•الأولى يوم مات أبوي،
•والثانية يوم مات أخوي،
•أما الثالثة.. فكانت يوم ماتت أمي،
وكانت هي التي قصمت ظهري،
فما شعرت أنه استقام بعدها كما كان.
قبل وفاتها بأسبوع اتصلت بي،
وقالت بعتاب الأم المشتاقة لابنها:
"لعنبو دارك، صار لي أسبوعين ما شفتك"
كنت في الرياض، وهي في القصيم،
فقلت لها:
((والله يا أمي ضغط العمل،
لكن والله لآخذ إجازة نهاية الأسبوع
مع الأسبوع اللي بعده وأجيك.))
كنت أظن أن أمامي نهاية أسبوع.. وأسبوعا آخر..
وأيام كثيرة أستطيع فيها أن أعوضها عن غيابي.
لكن الموت كان أسرع من كل مواعيدي.
ووالله العظيم لم يصل آخر الأسبوع..
الساعة الثالثة ليلا، رن جوالي..
على الشاشة رقم أخوي
حطيت يدي على قلبي وأنا أرتجف..
فليس عادة أخوي يتصل بهذا الوقت..
وأول مارديت عليه على طول سألته:
وش فيكم عسى ما شر؟؟
ومن بين كل الأخبار التي يمكن أن يسمعها
الإنسان في حياته، سمعت الخبر
الذي تمنيتُ لو متُّ قبله وكنتُ نسيًا منسيًا:
((أمك تطلبك الحل))
الله أكبر يا قوة الفجيعة..
خرجت من الرياض إلى القصيم،
وأقسم بالله العظيم أنني طوال الطريق
أبكي مثل الطفل.
لم يكن بكاء جزع، ولله الحمد..
كان بكاء ابن أدرك فجأة أن:
كلمة ((أمي)) أصبحت منذ هذه الليلة ذكرى،
وأنه مهما أسرع في الطريق فلن يصل إليها
وهي تنتظره.
كنت أظن أن أمي لن ترحل قريبا؛
صحتها كانت مستقرة، ولم تبلغ حتى السبعين..
لكن الأعمار لا تقاس بالصحة ولا بالسن،
وإنما هي آجال إذا حضرت
لا تستأخر ساعة ولا تستقدم.
وصلتُ إلى المغسلة..
وهناك كان اللقاء الذي لا يشبه أي لقاء.
رأيتها مسجاة في كفنها..
اقتربتُ منها، ونظرتُ إلى وجهها الطاهر
للمرة الأخيرة.
هذا الوجه الذي رأيته منذ أن فتحت عيني على الدنيا..
الوجه الذي كنت أراه فأشعر أن الدنيا ما زالت بخير..
قبلتُ جبينها..
وقبلتُ وجهها الطاهر..
وبكيتُ حتى أغرقت دموعي كفنها.
وخلفي إخوتي وأخواتي وأبناؤهم
ينتظرون دورهم ليودع كل واحد منهم أمي..
أما أنا، فكنت أتمنى لو يتوقف الزمن عند تلك اللحظة..
دقيقة أخرى فقط..
قبلة أخرى..
نظرة أخرى..
لكنها كانت النظرة الأخيرة.
لم نكن نعلم أن آخر مرة سنراها فيها
كانت آخر مرة إلى الأبد..
لطالما كانت تقول عندما تعاتبنا عند تأخرنا عن زيارتها:
(( بيجي يوم وتجون غرفتي وتتمنون لو ما قطعتوني ))
لو كنا نعلم أنها المرة الأخيرة،
لأطلنا النظر في عيونها،
ولاحتضناها أكثر،
ولقلنا كل الكلام الذي أخرناه إلى "وقت آخر"
لكن الموت لا يمنحنا فرصة أخيرة.
يرحل الأحبة فجأة، وتبقى خلفهم أشياء لا تموت:
•صوتٌ نحفظه في استوديو جوالاتنا،
•رسائل صوتية في محادثات الوتس آب،
•صورةٌ ننظرُ فيها طويلا،
•مكان جلوسهم ونومهم،
وأقسى ما في الفقد ليس لحظة الرحيل..
بل أن تستيقظ كل صباح، وتمر الأيام والسنون،
ثم تتذكر الحقيقة نفسها:
(( أنهم لن يعودوا مهما اشتقت إليهم))
رحم الله أبوي،
ورحم الله أخوي،
ورحم الله أميمتي التي قصم رحيلها ظهري،
ورحم الله أحبة رحلوا عن أعيننا
ولم يرحلوا يوما عن قلوبنا.
🔘 خاتمة:
نصيحة من رجل ذاق مرارة الفقد:
اشبعوا ممن تحبون ما داموا حولكم..
اشبعوا من وجوههم،
من أصواتهم،
من حديثهم،
من ضحكاتهم،
من مجالسهم،
ومن تفاصيلهم الصغيرة التي تظنون اليوم أنها عادية؛
فوالله ستصبح يوما أثمن ذكريات العمر.
لا تؤجلوا زيارة، ولا حضنا،
ولا قبلة على رأس أم أو أب،
ولا كلمة "أحبك" و "اشتقت لك" إلى وقت آخر..
فقد يأتي ذلك "الوقت الآخر" ولا تجدونهم فيه.
أنا مثلكم كنتُ أظن أن أمامي
أسبوعا أذهب فيه إلى أمي..
لكن الموت لم يستأذنني حين أخذها.
فاللهمَّ إن الدنيا قد فرقت بيني وبينهم،
فلا تجعل فراقنا أبديا،
واجمعني بهم في جنة لا موت فيها،
ولا غياب، ولا وداع، ولا فراق.
أسأل الله أن لا يحرمني ولا يحرمكم في هذا اليوم من رزقه ، وتوفيقه ، ورحمته ، ومغفرته ، ورضوانه ، وجنته وصحبة نبيه ﴿ םבםב ﷺ)..🤲
ويغفر لنا ولوالدينا وكل عزيز علينا🤲
🌷🤲"اللهم اكتب لنا من خيرك ما يغنينا عن السؤال، ومن توفيقك ما يفتح لنا في كل مجال، ومن حفظك وعنايتك ما يحيط بنا ذات اليمين وذات الشمال، اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا". اللهم أشفي مرضانا وأرحم موتانا وموتى المسلمين. أمين
🌷مساء الخير والعافية 🌷
مبارك عليكم عشر ذي الحجة،
أيام عظيمة، أقسم الله بها ورفع شأنها،
أسأل الله أن يرزقنا واياكم فيها عمل الطاعات، ويكتب لنا ولكم القبول،
ويجعل لنا و لكم فيها دعوة لا تُرد، وذنبًا مغفورًا،
وعملًا متقبلًا، ورزقًا واسعًا 🍃
🌹صباحكم خير وسعادة 🌹)