ما كلُّ ما اتَّسع في العينِ عَظُمَ في القَدر، ولا كلُّ ما صَغُرَ في الصورةِ ضاقَ عن الأثر؛ فلربَّ شيءٍ أقامَ في طرفِ الدنيا والقلبُ قد جعلَ لهُ صدرَه، ولعلَّ المعانيَ لا تُبالي بأوعيةِ صورِها، وإنما تُبالي بقابليَّةِ مُستقرِّها؛ فقد يكونُ سرُّها في امرأة، وقد يكونُ في حمامة..
@ABEeR04_11 نعم؛ لأننا لا نطلب للأبطال الخلود، وإنما نطلب أن يودعوا المشهد واقفين؛ فالنهايات الكريمة ليست مكافأةً لهم وحدهم، بل عزاءٌ لمن أحبهم..
وها أنا أراكِ لا تشجعين الأبطال فقط، بل تتولين أيضًا مراجعة نهاياتهم واعتمادها قبل النشر بالنصر!!
@ABEeR04_11 يبدو أن الدون جمع الألقاب، وترك للجمهور مهمة القلق عليه.!! فطرة في سليم الفطرة؛ أنه يقلق على الأبطال أن يهتزّوا، أو يحزنوا..
حتى الأسبان شُجعان؛ ويمتعون كرويًّا
أي حبيبة إن الحقائقَ ليست مما يُقتنصُ بوثبةِ الفكر، ولا تُستنزلُ بإلحاحِ النظر؛ أراها تأنسُ إلى قلبٍ هذَّبته الأيام وأدَّبته المُهل، حتى إذا سكنَ عن منازعتها أقبلت عليه من حيثُ لا يترقَّب، وكأن لها موعدًا معهُ لا تُخلفه، وميقاتًا مع بصيرته لا يقدّمهُ استعجالٌ ولا يُؤخِّرهُ توان..
يمضي من الغيابِ ما يمضي؛ غير أن الأيامَ لم تكن خلاءً؛ إذ للمعاني أوانًا ما بلغه لغطُ محافل، ولا أدركه إلا خلوةٌ عن الجلَبِ واللَّغَب، كنتُ أرى الزمان سبيلًا نطؤه؛ حتى بان لي أنه يطؤنا، يُخففُ العجلة، ويهبُ الرويَّه، ثم يردُّنا إلى الأشيا؛ فإذا المتبدلُ مواضعَ أبصارنا منها لا هي..
حينَ يُفضي المرء بكُلهِ على مُقبلٍ بكُله، مُسلّمًا خفيّهُ قبل جليّه، منقادًا من إرادتهِ إلى إرادتِه؛ لا يلبَثُ ذوبانًا في جنابه، وإن رامَ الرجوعَ إلى نفسِهِ لم يجِدها وإن اتجه القِبلة؛ إذ لن يُغادر مقامَ وصولهِ إلا وقد خلّفَ فيه جُلّه، وعادَ-إن ��اد-وفيهِ من النقص ما لا يُجبَر..
تأمّل قلبَه حينَ يأنسُ به؛ يضيقُ مع كثرةِ الناسِ إن خالفوا هواه، ويتَّسعُ لواحدٍ كأنهُ كُل الدُّنيا؛ فإذا سُئلَ عن عدلهِ اعتذرَ بأن الحبَّ سُلطان، وأن السُلطانَ لا يُسألُ عمّا يفعل؛ يغدو الأسيرَ حُرًّا في عينَيه، والحُرُّ غريبًا في مِيزانِه، ولا يزالُ يميلُ حيثُ مالَ..
تأمّلِ النّفسَ حينَ تست��ني من الأنامِ من تهوى؛ تُقيمه مقامَ الجماعة، وتُسقطُ عنه ما تُنزله على سواه؛ تعرفُ أن الهوى إذا نزلَ منزلةَ الحكمِ عدلَ بالميزانِ لميل، وصيَّرَ القريبَ بعيد، والبعيدَ كأنهُ المقصودُ الأوحد؛ فلا تُبقي للناسِ في القلبِ قِسمة، ولا للنفسِ في حُكمها سوى إلفها..
يا أُهيلَ اللهفةِ إن القُربَ مِفتاحُ فهم ومِرآةُ صِدق؛ به تُعرفُ الأشيا على مقاديرها، والمَصادِقُ بثقلِ أوزانها، وبه تُدرِكُ أن ما يُطلبُ في الآفاقِ طويلًا هو كامنٌ عند حد مسِّه؛ إذ ليس بعد المعاينةِ مقال، فدعِ الآفاقَ لِمن يُؤانِسهُ الطَلب، واقصِدِ الحدودَ تستَجلي حقيقة ا��أشيا..
أي صاحبُ إن للرجالِ غَيرةً؛ ليست نزقًا يُعمي، ولا ريبةً تُردي، ولكنها حِراسةُ قلبٍ إذا استودِع، وأنفةٌ إذا مُسَّت، وصونُ ود أن يخدشهُ العابثون، لا تضيِّق حيثُ لا ضيق، ولا أن تُثقل حيثُ يُرجى الخِفة؛ بل أن تعرف موضعها كما الشدَّة واللين؛ فتغارُ حيثُ تُنتهك نفسُك، وتسكنُ حيثُ تأمن.
وعليهِ:
ف��نَّ اللِّصاق ليسَ ازدحامَ ذاتينِ وحَسب؛ بل تَوارِي الفوارِقِ حتى لا يبقى لِلفَصلِ مُتَّسَع، ولا للإشارةِ مُستند؛ إذ تَضمحِلُّ الحدودُ في حُضورٍ يَستغني عن التَّعيين، ويكفُّ عن طلبِ البُرهان، وهُناكَ ينحلَّ ما كان يُوهِمُ المُبايَنة، فيَحدُث ما لا يُفسَّر.. .
في الودِ لسنا إذ نقترِبُ نعمَى، بل نُبصِرُ ما يعجزُ عنهُ الوضُوح؛ إذ القُربُ فيضُ حقيقَةٍ والبُعدُ سُكونُ إيهام، فمن اتَّخذَ المَسافةَ فهمًا آثرَ السلامةَ على الإدرَاك؛ إذ لا يطلبُ العارِفونَ تمامَ البيان؛ بل يُقِيمونَ في اتِّساعِ كُنِّه..
فما حظيَ إدراكًا إلا من اشتدَّ تلاصقًا.
ثمَّ إن من ألفَ السلامةَ في الحواشي فاتَهُ لُبُّ الوصُول؛ إذ لا يُنالُ صِرفُ المعنى إلا بمُلابسةٍ تُزيلُ الحِجاب، ولا ينكشِفُ كُنهُ القُربِ إلا لِمن جازَ مخاوفَهُ إليه؛ فليسَ الودُّ مقامَ اتِّقاء، بل مَشهدُ اقتحام؛ ومن لم يَذُق وحشةَ الانكشاف؛ لم يَعرِف أُنسَ التَّحقُّق..
@AqeelaMohammd أراكِ تلوذين بها اتقاء، وتستدفئينها استبقاء؛ كأن الزمنَ إن مسّ أفسد، وإن اقترب أرهق! وأنا على سكونٍ لا يُجافي؛ أراها ليست حصنًا يعصِم، ولا موردًا به يُكتفى؛ بل أثرٌ يُستأنس، وعيشٌ لا يُستبدل، فإن هي أمسًا دفءٌ يُحفظ، ففي الحاضر نارٌ تُوقد؛ ومن عوَل على خزائنها طال به الوقوف..
صاحبي إن ما يُكتَم في الضمائر يستشري، وما لا يُحكَم فيه يكشِفه ظاهرك، فليس من الحذقِ أن تُخمَد الرغبة، ولا الشجاعة أن تُرخى لها الأعنَّة، بل أن تبقى مُتقِدة ولا تطغى، وتُملك في أوجِ ثورتها؛ إذ الرجلُ منّا ليس من خلا منها؛ بل من أقامت فيه ولم تُزِغه عن جادته..والقولُ في هذا يمتد..
من لم يذُق الأشياءَ عند مسافةِ الصّفر عظَّمَ البُعد وأقام له مذهبًا، إذ ينظُرُ إلى المعاني من خلفِ حُجُب؛ فيحسبُها تتبيَّنُ في التنائي لا في اللّقا، وأما من لامس��ا عند حدّها فقد علِمَ أن للبُعد حِكمةً وللحضورِ حُجّة؛ وأن كثيرًا من المعاني لا يكشِفُها اتساع، بل يُفصحُ عنها القرب..
يا من فوضايَ بِك تتنضَّدُ اعلَم:
أنَّه لولاك ما لانتِ الأيَّامُ ولا استَقامَ مرَام، وأنّك سِرًّا أودِعَ الصَّدر فأنجَبَ السُّكنَى، ووعدٌ استَبانَ بهِ يقِين؛ وأن لك وُدَّ من علِمَ أن المودَّةَ عهدٌ لا يُنقَض، والوِصال�� منك فضلٌ لا يُرفَض، والقُربَ نِعمَةٌ تُعَمَّرُ بها الأكنَاف..