قبل أكثر من اثنين وأربعين عاماً، وتحديداً مساء يوم السبت الموافق 24 نوفمبر 1984م، تم عقد قراني على نورة ابنة الشيخ/ عبدالرحمن بن عبدالله بن قاسم "رحمه الله". وقد شهد تلك ا��منا��بة عدد من شيوخ وأعيان قبيلتي الشعفين والكلاثمة، يتقدمهم الشيخ/ سعد الشبيلي "رحمه الله" والشيخ/ تركي العسبلي "شفاه الله"، كما حضر والدي وإخوتي الذين غمرتهم السعادة بهذه المناسبة المباركة.
ومن بين الحاضرين كان جدي الشيخ/عايض بن عبدالرحمن آل عاطف "رحمه الله"، وهو أحد الرجال المعروفين بالحكمة وسعة الاطلاع على تاريخ وأخبار قبائل رجال الحجر. وقبل توجهنا إلى النماص التفت إلي وسألني: «منداهي بنت له؟» فأجبته: «بنت عبدالرحمن بن عبدالله بن قاسم». فابتسم وقال: «جدها الذي انسرق حصنه»، ثم أخذ يسرد لي قصة ظلت عالقة في ذاكرتي حتى اليوم.
ومع ما تشهده المنطقة حالياً من اهتم��م بترميم المباني التاريخية وإحياء التراث العمراني، رأيت أن الوقت قد حان لتوثيق هذه الحادثة التي تناقلت��ا المجالس جيلاً بعد جيل.
فقبل أكثر من قرن من الزمان كان الشيخ/ عبدالله بن قاسم الشهري أحد أبرز رجال قبيلة آل الشنظوف، ومن الوجوه المرموقة بين الكلاثمة وقبائل بني شهر عامة. وقد عُرف بالحكمة والكرم وسعة الحال وكان ينفق من ماله على أسرته وعلى المحتاجين وقاصدي المعروف.
وكان منزله في ذلك الوقت أشبه بقصر من قصور المنطقة، يتوسطه حصن كبير في جهته الجنوبية يستخدم لحفظ الحبوب بمختلف أنواعها، وتخزين مستلزمات الزراعة، وأحياناً لحفظ الأموال من الفضة والعملة الفرنسية المتداولة آنذاك.
وفي إحدى الليالي وقعت حادثة هزت القبيلة بأكملها، إذ استيقظ الأهالي على خبر السطو على ��لحصن وسرقة كمية كبيرة من محتوياته. ولم تكن في ذلك الزمن أجهزة أمنية أو إدارات حكومية تتولى حفظ الأمن كما هو الحال اليوم، بل كان الاعتماد بعد الله على يقظة أفراد القبائل وتكاتفهم.
ومضت الأيام حتى كان الشيخ عبدالله يتجو�� في سوق الثلاثاء الشهير بالنماص فلفت انتباهه رجل يعرض كمية من القمح للبيع. وبفطنته وذكائه أخذ يتفحصه بعناية حتى غلب على ظنه أنه من القمح المسروق من حصنه. وما إن تأكد حتى أخذ يقلبه بيديه ويهتف بأعلى صوته:
«يا حافظ يا عقائل الله»
وهي عبارة عربية قديمة تُقال استعانة بالله وتوكلاً عليه عند وقوع أمر جلل أو مفاجأة عظيمة.
وسرعان ما تجمع المتسوقون، وأُلقي القبض على الرجل، ثم سُلّم إلى قضاء النماص للنظر في قضيته. وتُروى الحادثة بأن الحكم كاد يصل إلى حد قطع اليد، لولا تدخل عدد من القبائل وشفاعة أصحاب الجاه لدى صاحب الحق، فاختار العفو والصفح.
وأصبحت تلك الواقعة حديث ال��جالس في رجال الحجر وانتشرت أخبارها بين القرى والأسواق وظلت تُروى سنوات طويلة باعتبارها واحدة من أشهر الحوادث في ذلك الزمن.
رحم الله الشيخ/ عبدالله بن قاسم، ورحم أبناءه عبدالرحمن وم��مد وعلي وظاهر، ورحم بناته، وجزاهم خير الجزاء على ما عُرفوا به من مكارم الأخلاق وحسن السيرة.
وإنني أرى أن منزل الشيخ عبدالله بن قاسم وحصنه التاريخي يستحقان الترميم والمحافظة عليهما، أسوة بما جرى لبعض القصور التاريخية في المنطقة، لما يمثلانه من قيمة تراثية واجتماعية. كما أرى أن من الوفاء لرموز المنطقة أن يُطلق اسم «الشيخ عبدالله بن قاسم الشهري» على الشارع المؤدي إلى حي الشروق، تخليداً لذكراه وإبرازاً لدوره ومكانته في تاريخ المنطقة.
@abo_aeed86 نستفيد مما يقدمه سعادتكم في هذا المجال ولم أنسى القصيده التي قيلت في سبت تنومه قبل اكثر من ماءة عام لشاعر ال ليلح بن علي وكنت في قمة السعاده وانا استمع اليها بصوتك الجميل الله يحفظك ويرعاك تحياتي لك اخي العزيز
الشيخ/ عبدالرحمن بن سعيد بن سلطان الشهري. (رجل سبق عصره برؤيته) فهو من الشخصيات التي تركت بصمة واضحة في منطقة عسير، فهو من مواليد عام 1362هـ، وبدأ حياته العملية في القطاع العسكري بمدينة الرياض، قبل أن يتجه إلى مجال الزراعة الذي وجد فيه شغفه وطموحه.
عُرف بين الناس بذكائه الفطري وكرمه وأخلاقه الرفيعة وحسن تعامله، حتى كسب محبة وتقدير كل من عرفه أو تعامل معه. ومن الذكريات التي لا تزال راسخة في ذهني أنه كان يزور محافظة تنومة باستمرار بحكم عمله الزراعي، وكان عمي محمد يعمل معه في ذلك الوقت، وقد كان هو ووالدي – "رحمهما الله" – يكنان له كل تقدير واحترام.
وفي منتصف ثمانينيات القرن الهجري الماضي أقام له والدي وعمي مناسبة غداء في إحدى الغابات غرب تنومة، حضرها عدد من وجهاء المحافظة، يتقدمهم الشيخ/ محمد الشبيلي وأخوه الشيخ سعد الشبيلي "رحمهما الله". وكنت آنذاك طالباً في المرحلة الابتدائية، ولا يزال ذلك اليوم حاضراً في ذاكرتي فقد لفت انتباهي ما كان يحمله بيده من كاميرا، وظللت أتأملها بإعجاب شديد. وبفطنته المعهودة لاحظ ذلك، فناداني أمام الحضور جميعاً وقدم لي الكاميرا قائلاً: «هي هدية مني لك». كانت لحظة لا تنسى، وفرحة كبيرة ارتسمت معها الابتسامة على وجه والدي "رحمه الله". ولعل كثيراً من صوري القديمة التي احتفظ بها اليوم يعود الفضل في التقاطها إلى تلك الهدية الكريمة.
ولم يكن الشيخ/ عب��الرحمن يفكر في الحاضر فحسب، بل كان يحمل رؤية مستقبلية لخدمة منطقة عسير. ومنذ سنوات طويلة بدأ العمل على مشروع زراعي طموح في قرية آل خضاري، حتى أصبح اليوم أحد أبرز المشاريع الزراعية والسياحية في المنطقة تحت اسم «وشل».
وقد تحولت هذه المزرعة إلى معلم بارز يرتاده آلاف الزوار سنوياً من داخ�� المملكة وخارجها، ويتنقلون داخل مرافقها عبر عربات مخصصة لذلك. ويشرف على إدارتها ابنه الإعلامي سعيد عبدالرحمن الشهري تحت متابعة وتوجيه والده. وتنتج المزرعة أصنافاً متعددة من الفواكه والخضروات الموسمية، من بينها التين والرمان والزيتون والعنب والبرتقال والجوافة والمانجو والموز والخوخ والتوت والتفاح والليمون واللوزيات، إضافة إلى مختلف أنواع الخضروات. كما تضم منتجعات ومطعماً ومقاهي ومرافق سياحية جعلتها من أبرز الوجهات في المنطقة.
ومن الإنصاف أن يُخلد اسم هذه الشخصية التي أسهمت في التنمية الزراعية والسياحية بمحافظة تنومة، سواء بإطلاق اسمه على الطريق الم��دي إلى مشروع «وشل» أو على أحد الشوارع الرئيسة في المحافظة، تقديراً لعطائه وجهوده التي امتدت لعقود.
وفي الختام، أسأل الله أن يمد الشيخ/ عبدالرحمن بن سعيد الشهري بموفور الصحة والعافية، وأن يبارك في عمره وعمله، وأن يجزيه خير الجزاء على ما قدمه لوطنه ومجتمعه، وأن يبقى نموذجاً يُحتذى في الرؤية والطموح وخدمة الناس.
في صباح يوم الخميس الماضي تشرفت بزيارة سعادة العميد الركن المتقاعد صالح حمدان الشهري في منزله بمحافظة تنومة، حيث حظيت بحفاوة الاستقبال وكرم الضيافة الذي عهدناه منه دائماً.
وخلال الزيارة تشرف المجلس بوصول سعادة الشيخ/ فهد بن ظاهر بن دعبش، شيخ شمل قبائل آل وليد بني شهر، يرافقه إخوانه الكرام: ناصر وخالد وسليمان، وأخيهم الأصغر وكيل جامعة الباحة الأستاذ الدكتور عبدالمجيد.
وقد لفت انتباهي ما يتمتع به الشيخ فهد وإخوانه من رقي في الحديث، وحسن في الخلق، وأدب جم في التعامل، وهي صفات أصيلة توارثوها عن آبائهم وأجدادهم جيلاً بعد جيل. وليس مستغرباً أن يحظى الشيخ فهد بمكانة رفيعة وتقدير واسع بين أبناء منطقة عسير لما عُرف عنه من كريم الخصال وحسن السيرة.
تحية تقدير واحترام للجميع، وأسأل الله العلي القدير أن يديم على وطننا الغالي أمنه واستقراره، وأن يحفظ قيادتنا الرشيدة بقيادة الملك سلمان بن عبدالعزيز آل ��عود والأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وأن يوفقهما لما فيه خير البلاد والعباد، فهما رمز العز والأمن والاستقرار للمملكة العربية السعودية.