قصف المعدّنين السودانيين: تحقيق جغرافي يكشف موقعَي الغارات في إيقات بمثلث حلايب وحنجلية داخل م��ر
أثارت التقارير عن مقتل عشرات المعدّنين السودانيين في غارات جوية يوم السبت، 10 أكتوبر 2026، موجة واسعة من الحزن والغضب، وسط ت��ارب كبير في أعداد الضحايا وتساؤلات بشأن مواقع الاستهداف والجهة المسؤولة عن الهجمات. وفيما قررت السلطات السودانية تشكيل لجنة رسمية لتقصّي الحقائق، أجرى «سودانيز إيكو» تحقيقاً جغرافياً بالاعتماد على المصادر المفتوحة، شمل تحليل المقاطع المصورة والشهادات المنشورة ومطابقة المعالم الجغرافية، وتمكن من تحديد موقعَي الغارات، أحدهما في منطقة إيقات داخل مثلث حلايب المتنازع عليه، والآخر في منطقة حنجلية داخل الأراضي المصرية.
ونقلت وكالة أسوشيتد برس عن شبكة أطباء السودان مقتل 13 معدّناً على الأقل وإصابة 28 آخرين. كما نقلت عن أحد الناجين، ويدعى عبد العزيز يوسف، أن طائرة مجهولة استهدفت منجماً أهلياً في منطقة جبلية صباح السبت، ما دفع عدداً من المعدّنين إلى الفرار خشية تعرضهم لهجمات إضافية.
وفي المقابل، أفادت مجموعة «محامو الطوارئ» بمقتل 72 معدّناً، وحمّلت الطيران المصري مسؤولية الهجوم، وهي رواية أوضحت وكالة رويترز أنها لم تتمكن من التحقق منها بصورة مستقلة. كما نقل «سودانيز إيكو» في تغطيته السابقة عن تنسيقية لجان مقاومة الفاشر حصيلة أولية بلغت 158 قتيلاً وأكثر من 60 مصاباً. ولا تزال هذه الأرقام متضاربة، ولم يتسن التحقق بصورة مستقلة من الحصيلة النهائية أو تحديد ما إذا كانت التقارير المختلفة تتناول المواقع نفسها أو حوادث منفصلة.
وفي تطور رسمي، أصدر رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، يوم الاثنين 12 أكتوبر، قراراً بتشكيل لجنة لتقصّي الحقائق تضم ممثلين عن النيابة العامة والجهات العدلية والأمنية المختصة. وكُلّفت اللجنة بالتحقيق في ملابسات مقتل المعدّنين السودانيين، وجمع المعلومات المتعلقة بالحادث، وتحديد الظروف التي وقع فيها، ورفع تقرير بنتائج التحقيق.
وأكد مجلس السيادة أن حماية أرواح المواطنين السودانيين وسلامتهم وكرامتهم من المسؤوليات الأساسية للدولة، معرباً عن تعازيه لأسر الضحايا. وأشار إلى استمرار الاتصالات بين القيادتين السودانية والمصرية منذ وقوع الحادث، بهدف استجلاء ملابساته، وحماية الأرواح، والمحافظة على العلاقات بين البلدين، وإطلاع الرأي العام على الحقائق.
ومن الجانب المصري، نقلت وكالة أسوشيتد برس بياناً للقوات المسلحة المصرية تناول حملة لمكافحة أنشطة التعدين غير القانوني في الصحراء الشرقية، شملت إلقاء منشورات تحذيرية من الطائرات. غير أن البيان، بح��ب الوكالة، لم يقدم توضيحاً مباشراً يحسم ملابسات الغارات المبلغ عنها أو يحدد الجهة التي نفذتها.
التحقق الجغرافي: أين وقعت الغارات الجوية؟
في محاولة لتحديد المواقع التي تعرضت للاستهداف، أجرى «سودانيز إيكو» تحقيقاً بالاعتماد على المصادر المفتوحة، شمل تحليل المقاطع المصورة المتداولة، ومراجعة شهادات الشهود والناجين المنشورة، ومطابقة المعالم الظاهرة في التسجيلات مع التضاريس وال��ور الفضائية. ومن خلال الربط بين المعلومات الواردة في الشهادات والمشاهد المصورة، ومقارنتها بالخرائط والمعالم الجغرافية، تمكنا من تحديد موقعَي الغارات، أحدهما داخل مثلث حلايب المتنازع عليه، والآخر داخل الأراضي المصرية، على مسافة تزيد على 300 كيلومتر شمال خط عرض 22 درجة.
وشملت المراجعة الاستعانة بصور الأقمار الصناعية Sentinel-2 الملتقطة يومَي 3 و10 أكتوبر 2026، وفحص التضاريس والطرق والمعالم المحيطة بالمواقع المحتملة، ومقارنتها بما ظهر في المقاطع المصورة المنشورة على منصات التواصل الاجتماعي. وأفضى هذا التحليل إلى تحديد الموقع الأول في منطقة إيقات، المعروفة أيضاً بشمال الوادي، والموقع الثاني في منطقة حنجلية.
وخلال البحث، تمكنا من تحديد موقع إيقات بصورة مستقلة، قبل أن نعثر على منشور للباحث السوداني المتخصص في تحليل المصادر المفتوحة فيصل الشيخ، تبيّن أنه توصل إلى تحديد الموقع ونشر إحداثياته الدقيقة. وقد أتاح تحليله الجغرافي المفصل فرصة لمقارنة النتائج التي توصلنا إليها، وعزز ثقتنا بصحة تحديد الموقع.
وفي مرحلة لاحقة، وبعد الاطلاع على منشور لمنصة «صحيح مصر» تناول الموقعين، أجرينا تحققاً مستقلاً من موقع حنجلية، ثم وجدنا أن فيصل الشيخ كان قد نشر إحداثيات هذا الموقع أيضاً.
أولاً، منطقة إيقات (شمال الوادي): تقع النقطة التي شملها التحقق عند الإحداثيات 22.078340° شمالاً و34.906890° شرقاً، أي على مسافة تقارب 8.7 كيلومتر شمال خط عرض 22 درجة. وتظهر المراجعة الجغرافية أن الموقع يقع داخل نطاق مثلث حلايب المتنازع عليه بين السودان ومصر، والذي يخضع حالياً للإدارة المصرية، بينما يؤكد السودان سيادته عليه باعتباره جزءاً من أراضيه.
ثانياً، منطقة حنجلية: تقع عند الإحداثيات 24.842480° شمالاً و34.579230° شرقاً، على مسافة تقارب 316 كيلومتراً شمال خط عرض 22 درجة. وتقع هذه المنطق�� داخل مصر، خارج نطاق مثلث حلايب، ما يجعلها مختلفة جغرافياً عن موقع إيقات، رغم ارتباط الموقعين بالتقارير والمقاطع المتداولة عن استهداف المعدّنين السودانيين.
وتوضح هذه النتائج أهمية التمييز بين الموقعين عند تناول الحوادث، خصوصاً أن الإشارة العامة إلى وقوع الهجمات «قرب الحدود السودانية المصرية» قد توحي بأن جميع الوقائع حدثت في منطقة واحدة، بينما تشير الإحداثيات إلى موقعين تفصل بينهما مئات الكيلومترات.
مثلث حلايب بين النزاع السيادي وضرورة حماية الأرواح
تكتسب هذه التفاصيل الجغرافية أهمية خاصة بالنظر إلى النزاع التاريخي حول مثلث حلايب. فالسودان يتمسك بسيادته على المثلث باعتباره جزءاً لا يتجزأ من أراضيه، بينما تعتبره مصر تابعاً لها وتمارس عليه السيطرة والإدارة الفعلية. ولذلك فإن وقوع موقع إيقات شمال خط عرض 22 درجة لا يعني تلقائياً أنه خارج الأراضي التي يطالب السودان بالسيادة عليها، على خلاف موقع حنجلية الذي يقع داخل مصر وخارج نطاق المنطقة المتنازع عليها.
وفي الوقت نفسه، فإن الخلاف بشأن السيادة لا يلغي أهمية حماية أرواح المدنيين السودانيين العاملين في التعدين الأهلي، ولا يعفي الجهات المختصة من مسؤولية توضيح طبيعة العمليات التي جرت ومبرراتها ومدى التزامها بالقانون. وتزداد أهمية ذلك في ظل التقارير عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، واستمرار الغموض بشأن الظروف التي تعرضوا فيها للاستهداف.
ومن الضروري كذلك أن يتعامل العاملون في مناطق التعدين الحدودية مع التحذيرات الأمنية الموثوقة بجدية، وأن يتجنبوا المواقع التي تشهد عمليات عسكرية أو مخاطر مباشرة على حياتهم. غير أن هذه الاحتياطات لا تعني التنازل عن الموقف السوداني بشأن مثلث حلايب، ولا يمكن استخدامها لتحميل الضحايا مسؤولية ما تعرضوا له أو لتبرير أي استخدام غير مشروع للقوة ضد المدنيين.
وتبقى نتائج لجنة تقصّي الحقائق السودانية، وما قد يصدر من توضيحات رسمية مصرية، ضرورية للوصول إلى رواية موثوقة بشأن ما حدث في إيقات وحنجلية، وتحديد عدد الضحايا ومواقع سقوطهم والجهة المسؤولة عن الغارات. ومن المهم أن تشمل التحقيقات إفادات الناجين والشهود والأدلة المادية والصور الفضائية، وأن تُنشر نتائجها بشفافية، بما يضمن حقوق الضحايا وأسرهم ويمنع استغلال المأساة في تأجيج التوتر بين الشعبين السوداني والمصري.
#السود��ن