من يحمل العلم في "الميادين" يعرف تماماً ثمن هذا الحمل، ومن يحمله في "قلبه" لا يحتاج لشهادة من أحد.
الوطن يُبنى بالعمل الصامت والوفاء الدائم، وليس بضجيج المزاودات.
يبقى العلم شامخاً في القلوب، سواء رُفع فوق حائط أو بقي نبضاً في الصدور
#يوم_العلم_الأردني
صدقا لم أستطع تجاوز هذه الصورة، منذ الصباح أشاهدها تنتشر على حسابات الأردنيين ورغم أنهم يرفقونها بالمعايدات..
لكن أنا استوقفتني لأمر آخر تماما.. استوقفتني فيها ملامح الزمن على الملك.. "كِبر أبو حسين يا جماعة".. شاب شعره وبرزت التجاعيد.
ويقال دائما إن أعمار الرجال لا تقاس بالسنين بل بالأحداث وما يرونه ويتحملونه.
ما زلت أذكره حين استلم الحكم، كان شابا يافعا لكنه ورث (بخلاف المُلك) الكثير من التحديات والصعوبات وحتى الهموم.
أذكر كنت في المدرسة مع توليه السلطة، أذكر عبارة قالها (أستاذ اللغة الإنجليزية) وكان رجل اقترب من التقاعد حينها وكان قد درّس في ليبيا والخليج..
قال شيئا لم أفهمه إلا لاحقا.. قال حينها "الله يعين هذا الشاب (يقصد الملك عبدالله) عليه أن يملأ فراغ رجل بحجم والده (يقصد الراحل الملك الحسين)".
كان الحسين كل شيء بالنسبة للأردنيين كان رجل حكم قرابة نصف قرن..
وليس هذا فقط.. كان على الملك الجديد أن يكمل مسيرة أسرته التي تتوارث الحكم من قرون "أسرة آل هاشم" وتخيل فقط حجم اللقب وأن تحمل نسب عائلة هي امتداد لنبي أمة يقارب تعدادها ملياري إنسان! (عليه الصلاة والسلام)
ولم يقف الأمر هنا.. استفتح الملك الشاب حكمه بانتفاضة الفلسطينيين الثانية.. وبدأت الأصوات تهاجمه وتطالبه بتحرير فلسطين
ثم بسرعة جرى غزو العراق.. وراحت ذات الأصوات تهاجمه وتطالبه بالدفاع عن العراق ومحاربة تحالف الناتو!
ثم اندلعت حرب لبنان في 2006 وكذلك الأمر هاجموه وطالبوه بالدفاع عن لبنان.
لا أفهم كيف كانوا ينظرون للأردن حينها! وكأن الأردن دولة نووية وتمتلك جيش بحجم الجيش الصيني!
لكن وشهادة لله والتاريخ.. ��و فعل كل ما بوسعه.. استقبل النازحين من العراق حينها ومن لبنان بعدها.. هذا بخلاف أنه كان عليه أن يؤمّن حدود بلاده كي لا تطالها نيران حروب الإقليم.
سنوات قليلة بعد حرب لبنان جرت أولى الحروب على غزة.. وعادت ذات الأصوات تهاجمه وتطالبه بتحرير فلسطين وكذلك في الحروب اللاحقة كلها..
ثم قبل أن يأخذ الملك استراحة.. اندلع ما يسمى ربيع العرب.. كان تحدي للجميع فالنار اشتعلت في كل مكان..
وبينما كان على الملك أن يحمي بلده من هذه النار.. تدفق على الأردن قرابة مليوني شقيق سوري.
تضخم عدد سكان الأردن بشكل رهيب وكان على هذا الرجل أن يؤمّن للجميع حياة وخدمات وحماية..
كانت الحرب في سوريا طاحنة وهي أطول حدود للأردن.. والأسد الهارب تحول حينها لوكيل عصابات التهريب التي ركزت استهدافها على الأردن بغاية الوصول للخليج.
هذا بخلاف نيران الداخل وليس سرا أن أقرب المقربين للملك كان يعمل ضده.
سار هذا الرجل على الجمر حرفيا..
هذا فضلا عن كونه كان عليه ��لتعامل دوما مع تهديدات الاحتلال بالتهجير وتصفية القضية والتي أجبرته أحيانا على التلويح بأنه مستعد للحرب كي لا ينجح أي من هذه الخطط.
ولأن "حظ" هذا الرجل أن يكون قائد لبلد في إقليم دائم الاشتعال.. كان لزاما عليه ألا يعرف الراحة..
لاحقا استعرت الجماعات المتطرفة وسيطرت على أجزاء واسعة من "جيران الأردن" في سوريا والعراق وكان على عبدالله أن يمنعها من التمدد لبلاده..
أنا لا أريد الحديث عن إنجازاته وإنما فقط أفكر بحجم كل هذه التحديات التي لم تتوقف والتي اشتدت بعد السابع من أكتوبر.. وصولا للحرب الأخيرة في إيران..
والتي وجد الأردن نفسه بمنتصفها علما بأن لا ناقة له في هذا الصراع ولا جمل.. لكن عادت تلك الأصوات لتهاجم الملك وتطالبه بإحراق بلاده لأجل إيران!
لقد تحمل هذا الرجل كمية هجوم على مدار ربع قرن وحمل كمية هموم وواجه كمية تحديات.. لو وُزعت على آلاف الرجال لما استطاعوا تحملها..
اليو�� على الطريق شاهدت الحياة الطبيعية للأردنيين، شاهدت فرحة الأطفال بالعيد، شاهدت التجمعات العائلية، وكنت أستمع لصفارات الإنذار بذات الوقت..
ربما يبدو مشهد عبثي لكنه يلخص لك كيف عاش الأردن في وسط هذه النيران، ويقول لك ما فعله الملك كي يبقى الأردن.
لا أريد أن أصف الملك بالمنتصر.. أنا فقط أحيي صموده.
وعن نفسي أنا أقول له "يعطيك العافية أبو حسين.. ما قصرت وكل عام وأنت بخير".