يمحو ملامحي من ذاكرته،
لكنني ما زلتُ أراها مطبوعة في خياله…
كلّما ضاقت عليه الحياة،
كلّما ضاعت منه الراحة،
يتذكّرني...
لكن بعد ماذا؟
بعد أن انطفأت الرغبة، وجفّ الحنين، وتعلّمتُ كيف أكون بدونه.... دون أن أنكسر.
يُسيء إليّ كاذب،
ويجحدُ نَاكرًا،
ويصمت عند الحقِّ، كأن الصمت شرفٌ له وهو عارٌ عليه...
يطعن ثمّ يتوارى،
يرحل ثمّ يدّعي الوفاء،
يُلقي عليّ ثقل أخطائه، ويغسل يديه من كل خيبةٍ صنعها وحده.
يختبئ خلف ما يقوله الناس،
وينسى ما كنتُ له حين سكت الجميع وكنتُ أنا الصوت...
أفعالك التي تحكم بها الجميع، ولسانك الذي لم تنطق به ما تريد، جعلت الجميع يستبد أفعاله فيك...
فأصبحت مرآةً لغيرك، وصوتًا لا يُشبهك، تمشي بما يقولون، وتبتعد عمّن أهتمَ فيك، فقط لأنهم أشاروا بالإبتعاد...
لقد تركتُ لك المساحة لتحزن، لكن بعيدًا عني…
بعيدًا عن قلبي الذي أرهقته ظنونك، وعن روحي التي لم تُخطئ إلّا حين أحبّت بصدق.
دع حزنك يرافقك، فهو رفيقك الآن، أما أنا، فقد اخترت أخيرًا أن أكون لنفسي...
لم أعد أرجو من أحد أن يفهمني،
فمن يفهمني... لن يخذلني،
ومن يخذلني... لم يفهم يومًا ما في صدري،
وإن اجتمعوا على رحيلي،
سأبقى مع نفسي،
أرمّم ما تبقى، وأبتسم،
وكأنني لم أكن شيئًا مرّ من هنا.
والعالمُ... هو معلمك،
يُريك الحقيقة من خلال الزيف،
ويقدّم لك النضج في كفّ الحزن،
يمنحك الصبر على هيئة فقد،
ويزرع الحكمة في شقوق الألم،
حتى تدرك أن السلام لا ي��هدى،
بل يُنتزع من فوضى التجربة.
يمكنني الآن أن أقول إن كل شيءٍ أصبح واضحًا،
ونوعًا ما... بآئس،
أتفهّم لماذا هم هكذا،
ولا أفهم لماذا أنا هكذا،
لكنّني لم أعد أبحث عن تفسيرٍ للخذلان،
ولا عن تبريرٍ للغياب،
أصبحت أرى الأمور كما يجب أن تُرى،
وأُسلِّم بأن ليس كل شعورٍ يُقابَل،
ولا كل حبٍّ يُثمَّن.
أنا المُخلِصُ المنفيُّ من فردوسِ القلوب،
أعيشُ بين البشر، لكنّ قلبي بينهم غريبٌ مغلوب.
فلا تسألوني عن الحنين، فقد دفنته بين السطور،
ولا تلوموني إن أصبحتُ صامتاً... فالصمتُ عزاءُ المكسور.
يا من طعنت قلبي بسيوفِ الندم، هل سألت يوماً: من كان يُضِيء لكم عتمةَ الضباب؟
من كان يُنصتُ لشكواك، ويُجاهدُ كي لا يُظهر الاكتئاب؟
كفاني صبراً على من لا يعرف معنى الثبات،
كفاني غرساً في أرضٍ ما أنبتَت سوى العثرات،
فمن الآن... سأصغي لصمتي، وأمحو ما مضى من حكايات...
كم كتمتُ الشوقَ في صدري، وأخفيتُ الدمعَ في المقلِ، أواسي قلوباً تنكّرت، وأبني جسورَ الحنينِ من أملٍ إلى أملِ.
سألتُ الصدقَ عن مأواه، فقال: فيك... لكن من حولك يضلونك بوهم الأملِ...
فنهاية كنتُ المُخلِصَ الذي لم يُخلَص إليهِ أحد، وهذه ليست مشاعري، بل واقعي الذي تَجسّد وجَعاً وامتدّ، زرعتُ الوفاءَ في قلوبٍ صمّاء، فأنكرَت، وجنيتُ من نكرانِها ما أوجعَ وأحبطَ...
كيف نظرتَ في عينيّ، ورأيتك فيهما أملاً،
ثم غادرت كعا��رٍ لا يعنيه إنْ بقيتُ في العراء؟
كنتَ الأخير، نعم، لكن ليس الأخير الذي يُذكَر بشغف، بل الذي يُذكَر كعِبرة، الذي علّمني الا أمنح وجداني لمن لا يعي حجم الخراب الذي قد يتركه في يديه!
كن شجاعًا، واعترف أنّك لم تكن على قدر هذا القلب، وأنك رأيت الحب ضعفًا، والوفاء عبئًا، وأنك في غفلتك، أضعت ما لا يُعوَّض.
دعني أقولها كما ينبغي أن تُقال:
لم يكن خذلانك القاتل، بل استهتارك بمشاعري هو ما نَسف كل ما بنيته في داخلي...
المحب، وإن أضناه السهر، وإن أبكاه الفقد، يظل قلبه عامرًا بالوفاء، لا يعرف الجفاء، ولا يهوى النسيان. فدعوه، فإنه قد اختار دربه، وإن في العشق لراحة لا يدركها إلا من ذاقها، وفي الهيام لفرح لا يُفسَّر إلا لمن عرف المعنى ال��قيقي للحب.
المحب لا يُلام، إنما يُبتلى، فإن كان في عشقه صدق وإخلاص، فلا عيب عليه، بل العيب في من يجهل حاله ولا يقدّر وجده. كيف يُلام من حمل في قلبه شعلة لا تنطفئ، ومن وجد في محبوبه وطنًا لا يخذل؟ إنما اللوم على قلب لم يعرف المعنى، ولم تسرِ في عروقه لذعة التَّبَلُ...