﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ﴾ – طه: 37
بحمد الله وفضله، تم قبولي في برنامج الاختصاص العالي في طب الأشعة التشخي��ية في مستشفى الجامعة الأردنية
عام على صورة السادس من أكتوبر، آخر صورة التقطتها لملاكي وفراشتي آية. كانت هذه آخر لحظة أرى فيها وجهها مطمئنًا، سعيدًا، راضيًا وآمنًا.. آخر عهدي بمن جعلتني أمًا، ورأيت في ملامحها الحياة كما لم أرَها من قبل..
ثم بدأت الحرب... وبدأ خوف طفلتي حتى سرقتها الحرب وقتلتها. ما زالت آخر كلماتها في أذني، تلك الكلمات التي لن أنساها ما حييت: "ماما أنا مش خايفة من القصف بس ما بدي أموت"
يا صغيرتي، لتمُت كل راحة من بعدك.. فأنتِ أولى من استحق الحياة والأمان. سلامٌ لروحكِ البريئة، وسلامٌ على قلبي ال��ي ما عرف الراحة بعد رحيلكِ أبدًا..
هذه هي المرة الأولى التي أُعترفُ أنني خائف، بعد عشرة أشهرٍ من الحرب، ليس من الموت، ولا من تيه المصير، وليس خوفاً من العدو، أو من ��دثٍ قادم، لكنني خائفٌ، أرتجفُ، ولا أتمالك نفسي، أرى كُلّ شيءٍ حولي وقد صارَ أسوداً لا حياة فيه، وانعدم الأُفق تماماً، وضاع منّي درب الصلابة !
مع خبر استشهاد قائدنا الكبير هنيّة، شعرتُ بعاصفةٍ هزّت كياني كُلّه، كانت كأنَّ أحداً صفعني ضربةً في موضعٍ قاتل، شعرتُ بقلبي يسقط منّي في وادٍ عميق، وصرتُ أرفضُ حقيقة الخبر ..
شيخنا الحبيب، رجلٌ لأجل فقدهِ صارَ الدمعُ لحناً يعزفُ زفاف البطل، رجلٌ لفقدهِ يحِلُّ لكل الكون أن يبكي، ويندب حظه السيء في خسارته، لكننا لا نبكيه فقط .. ولا حتى الحزنُ يتملكنا وحده .. إنما خوفٌ وقهرٌ يحيط بنا، لأجلِ دربٍ طويل، ومشروعٍ كبير، لأجل قضيةٍ تاريخية ��حل أحد رجالها الكبار، فـ صرنا نخافُ على مصير الرحلة، ومستقبل مشروع القائد الذي مات في سبيله، والدربُ الطويل من التضحيات والدماء، صرنا نصرخُ قهراً وخوفاً، ويُزيّن ذلك كله حُزنُ قلوبنا التي سقطت منّا بينما نسيرُ في درب الفقدان ..
ولم يكن لدينا رفاهية البكاء على قائدنا وحده، حتى رحل إسماعيلٌ آخر، كان غولاً في وجه الظالمين، رافعاً لواء الحقيقة، بطلاً في ميدان الصحافة، رجلاً في أرض الجوع والحصار حيثُ الشمال.
وبهذا تكالبت علينا المشاعر القاهرة، الخوفُ أن ننتهي جميعنا، كُلنا، وينتهي مشروعنا الوطني الديني الذي نرويه بالدم والكفاح، والقهرُ لفقد الأحباب، والتعبُ من المسير دون قلبٍ يشعر، فقد أسلفتُ أعلاه، أنه سقط بينما نمضي في درب الفقدان في ظلِ حربنا التاريخية ضد الغطرسة والظلم والعدوان !
#اسماعيل_هنية #اسماعيل_الغول