كيف تُحسن الإصغاء: دليلٌ قديم للتعلّم من الآخرين
يقول إيليا أبو ماضي:
إن بعض القول فن
فاجعل الإصغاء فناً
وفي هذا الكتاب الصادر عن دار نشر جامعة برينستون في فبراير 2026، في 152 صفحة، نقرأ ترجمة جديدة لمقالة الفيلسوف والمؤرخ اليوناني الروماني بلوتارخ، أنجزها وحرّرها أستاذ الدراسات الكلاسيكية الأمريكي جيفري بينيكر عن فن الإصغاء.
ينطلق بلوتارخ من فكرة بسيطة وعميقة في آنٍ واحد: لا يمكن للإنسان أن يتعلّم ما لم يُحسن الإصغاء. فالمستمع الجيد ليس شخصًا صامتًا فحسب، بل متعلّمٌ نشط يدرك حدود معرفته ويسعى إلى توسيعها. ومن هذا المنطلق، يشرح المؤلف العقبات النفسية التي تعيق الإصغاء الحقيقي، مثل الغرور والحسد والرغبة المستمرة في إثبات الذات، مؤكّدًا أن التعلّم يبدأ بالاعتراف بأن الآخرين قد يملكون معرفة أو خبرة نفتقدها.
يتناول الكتاب مهارات الإصغاء الفعّال بوصفها ممارسة فكرية وأخلاقية معًا. فالمطلوب من المستمع أن يتجاوز الانشغال بأسلوب المتحدث أو شخصيته ليركّز على مضمون الأفكار، وأن يميّز بين الحجج القوية والضعيفة، وأن يمارس النقد العادل القائم على الفهم لا على التحيّز أو الرغبة في الانتصار. كما يبيّن أن الإصغاء ليس مهارة اجتماعية فحسب، بل أداة أساسية لبناء الحكمة وتحسين القدرة على الحكم واتخاذ القرار.
تنبع أهمية الكتاب من راهنيته اللافتة؛ فالنص الذي كُتب قبل نحو ألفي عام يبدو وكأنه يخاطب تحديات العصر الرقمي، حيث يزداد الاستقطاب ويضعف الإنصات المتبادل. لذلك لا يقدّم بلوتارخ نصائح للتعلّم وحده، بل يدعو إلى تبنّي موقف ذهني وأخلاقي يجعل من الإصغاء طريقًا إلى المعرفة والتفاهم والعيش الجيد.