ماذا تريد السعودية من حرب اليمن؟
قديمًا، كانت العبودية في جزيرة العرب تُختزل في عبد وسوط، ومع مرور الزمن تغيّرت الأدوات، وتبدلت الأساليب، لكن جوهر العلاقة لم يتغير كثيرًا.
اختارت السعودية أن تنشئ لنفسها أدوات أخرى لإدارة اليمن، وأن تمارس وصايتها على بلد جار، أرهقته الحروب، وأثقلته الانقسامات.
بدأت الحكاية بإنشاء اللجنة الخاصة، والتي قامت في الأصل من أجل مد جسور العلاقات مع قبائل اليمن، على قاعدة المصالح المتبادلة والروابط الاجتماعية.
غير أن السياسة، لم تكن تقف عند حدود الصداقة أو حسن الجوار. شيئًا فشيئًا، تحولت تلك العلاقات إلى شبكة نفوذ واسعة، ثم إلى واقع سياسي أقرب إلى الوصاية غير المعلنة.
هكذا نصَّبت السعودية نفسها “الشقيقة الكبرى”، لكن علاقة الأشقاء يفترض أن تقوم على الندية والاحترام، لا على أن يكون أحدهما صاحب القرار والآخر خاضعًا يطيع.
لم تكن المشكلة في جوهرها أن للسعودية مصالح في اليمن، فالدول تبحث عن مصالحها، وهذا أمر طبيعي.
المشكلة كانت في طبيعة تلك المصالح وحدودها.
أن يكون اليمن مستقرًا، نعم، ولكن مستقرًا بالطريقة التي لا تخرج عن المدار السعودي.
وأن يكون قويًا بما يكفي لحماية حدوده، لا قويًا بما يكفي لصناعة قرار مستقل.
وأن تكون له دولة، ولكن دولة لا تملك من قرارها إلا ما تسمح به حسابات الجار الأقوى.
ارتبطت السياسة السعودية تجاه اليمن، لعقود طويلة، بمحاولة إبقاء ميزان القوى اليمني في وضع لا يسمح بصعود قوة يمنية مستقلة قادرة على فرض معادلة جديدة.
ويُستشهد في هذا بمقولة منسوبة إلى الملك عبدالعزيز آل سعود عن أن عز المملكة في ذل اليمن، وهي مقولة، بصرف النظر عن صحة نسبتها، تلخص في الوعي السياسي اليمني صورة لطبيعة النظرة السعودية إلى جارها الجنوبي.
والواقع اليمني الذي نراه اليوم ليس منفصلًا عن هذا التاريخ الطويل.
اليمن الذي يقاتل بعضه بعضًا، والذي تتنازعه مراكز القوى والتشكيلات المسلحة، والذي أصبح القرار فيه موزعًا بين عواصم متعددة، لم يصل إلى هذه الحالة في فراغ. وعلى مدى سنوات طويلة، تداخلت التدخلات الخارجية مع الصراعات الداخلية حتى تحولت البلاد إلى ساحة مفتوحة لمشاريع الآخرين.
وقبل نحو اثني عشر عامًا، دخلت الحرب السعودية على اليمن مرحلة أكثر مباشرة ودموية، تحت عناوين متعددة، لكن نتيجتها الكبرى كانت واحدة: بلد أكثر إنهاكًا وانقسامًا.
ماذا تريد السعودية من اليمن أكثر مما حصلت عليه؟
لدى السعودية نفوذ واسع داخل منظومة الشرعية، وعلاقات ممتدة مع قوى سياسية وقبلية، وتأثير في القرار العسكري والسياسي، وتشكيلات متعددة تتحرك في فضاء نفوذها. فما الذي بقي حتى يصبح اليمن مقبولًا في الحسابات السعودية؟
بقي الشيء الأهم، ألا يمتلك اليمن قرارًا مستقلًا.
حرصت السياسة السعودية على أن يكون جارها الجنوبي غير قادر على تشكيل تهديد حقيقي للمملكة، وأن تبقى موازين القوى داخله قابلة للإدارة والتحكم.
لكن محاولة إدارة اليمن من الخارج اصطدمت مرارًا بطبيعة اليمن نفسه.
حين أرادت الرياض أن تدفع المعركة باتجاه ابتلاع صنعاء، ارتدت عليها الكرة.
وحين ظنت أن القوة العسكرية قادرة على إعادة تشكيل اليمن وفق شروطها، أثبتت السنوات أن اليمن ليس ساحة سهلة لإعادة التشكيل.
ومع ذلك، لا يبدو أن الرؤية الأساسية قد تغيرت.
حتى مع التحولات العسكرية والسياسية الكبرى، وحتى مع صعود صنعاء كطرف يملك زمام المبادرة في أجزاء واسعة من المشهد، لا تزال هناك مصلحة سعودية في يمن لا تنتصر فيه قوة بصورة حاسمة، ولا تنشأ فيه دولة مركزية قادرة على اتخاذ قرارها بعيدًا عن الوصاية الخارجية.
يمن متحارب، في هذه المعادلة، قد يكون أكثر قابلية للإدارة من يمنٍ موحد ومستقل.
فحين تتعدد الجبهات، تتعدد الحاجة إلى الوسيط، وحين تتوزع مراكز القوة، يصبح القرار قابلًا للتأثير من الخارج.
قد لا تكون المشكلة في أن اليمن لم يستقر، بل في أن استقراره، إذا جاء مستقلًا عن إرادة الآخرين، قد لا يتوافق مع الحسابات التي حكمت علاقة الرياض بصنعاء لعقود.
اليمن الذي تريده السعودية ليس بالضرورة يمنًا بلا حرب، وإنما يمنًا لا يستطيع أن يقرر وحده.
وهذا هو جوهر المعضلة.
وهذا ما قد نستمر بسببه في الدوران داخل متاهات لا مخرج منها.
#عادل_الحسني
مضى أكثر من عقد على شعار "قادمون يا صنعاء".. ثم قال الميدان كلمته.. شاهدوا التقرير حتى النهاية.. وشاركوه كي تصل الحقيقة.. وأكملوا في التعليقات هذه الجملة: " #صنعاء بعيدة.. ؟؟؟
تقرير / #زهراء_ديراني