«وكُلٌّ مِنَّا يحملُ في نفسه غايتَه، ويحثُّ نحوها سَيْره، ويحشدُ لأجلها صبرَه، وليس منهم من يدري أي وجهةٍ سيولِّي وأي حظٍّ سينال؛ لكن تدابير الله حتمًا تقودُ لأحسَن الطُّر��ات وتهدي إلى سواءِ السَّبيل».
(وَقَدْ أَحْسَنَ بِي)..
أُحادث قلبي كلّ ليلةٍ كم أنّ الله عظيم، كم أنّا نحتاج إليه في أدقّ التّفاصيل، قد أحسن بنا، كم أحسن إلينا، كم نحن غارقون برحمته، أحسن بي إذ أخرجني من الهَمّ، أنقذني من الفراغ، دَلّني حين تاهَت خُطاي، أحسن بي إذ جعلني أُحبّه، ملأ قلبي إيمانًا به، جعلني قويًا فيه، جَبَلًا معه، ثابتًا بقُربه، أواجه كلّ شيء وحدي لكنّه معي، قد أحسن بي أنّه يعلم السّر، يرىٰ الخطوة، يأجُر علىٰ التَّعَب، يسمع هَمسَنا، ودُعاءنا، وتلك الكلمات التي تأكل قلبَنا! .. ~
"سبحانكَ عَودتنَا الصبر ورزقتنا أجورًا عليه، ومننتَ علينا بلُطفِك الخفي، فأُشهِدكَ اللهمَّ أنَّنَي رضيتُ بكل مَا قُدِّرَ لي رُغمَ ثقله، أيقنتُ أن ربّ الخير لا يأتي إلا بخير، وفي البلاءِ أجورٌ حسبِي أن أغتنمُها! "
ما زلنا نُخبّئ في قلوبنا كمًّا هائلًا من الدعوات، زادًا يأخذ بأيدينا إلى السماء هناك، وإن كُنّا هنا.. نُكابد الأيام صبرًا، ونرفع الأحلام قَدرًا، ونُحَاول.
و تتمنىٰ لو أنك أخذت قلبك بعيدًا عن كُل شيء، وابصرته على موضع الآخرة فقط، كي يفيق و يستيقظ من غفلته!
فالدنيا قد تربَّعت فيه، فصِرت ترىٰ بعين الدنيا لا بعين الآخرة.
سَيَقطِف المُجتَهِد ثمرة جهده حلوةً بعد مَرار الأيّام وقَسوَتِها، سَيَلمَح فَجرِ إنجازه وغرسه والتزامه، سيُجبَرُ قلبه بعدَ آلامٍ مَرَّ بها، محاولاتٍ تاهَ فيها، وعجزٍ أصابَه، يليه قِيام مُستَقِرّ، سَيَعلَمُ أنّ الجِدّ لذيذ، والإلزام عزيز، وتوطين النَّفس علىٰ الصّبر؛ له لذّة مختلفة، سَيُدرِكُ أنّ أجمل لحظاته تلك التي لا فراغ فيها، وأجَلّها التي لا تفاهة فيها، وأعظمها تلك التي يحويها سُجود سِّر، ودُعاء بِرّ، وغَرسٌ مستمر! قلم يُرافق دربه، ودفتر يَحوي قلبه، وإخلاص يحمل جسده، فلا يَتعَب! .. هو لله، وكَفاه.