قطار الحياة .. وحبل النجاة
لو توقفت سيارتي عن "التزامن" لتعطل مسيري، ولو فقد حاسوبي مُطابقته لتبدّدت بياناتي، ولو انقطع اتصال جوالي لانعزلتُ عن عالمي؛ فالتقنية تدين بسرِّ تفوقها لهذه الرقمنة المحكمة.
أما أنا .. فحين ألتفتُ إلى نفسي متسائلاً: لِمَ تسكنني كل هذه الفوضى والدوران حول الذات؟ يأتي الجواب موجعاً و��ادقاً: لأن الإنسان المعاصر غدا مشاهداً لقطار الحياة.. ولم يَعُد صانعاً لأحداثها!
ومن هنا، لستُ أرثو حالنا اليوم، بل أرا��ا دعوةً ملحة للعودة إلى صناعة الأثر؛ فالإنسان هو المكلف بعمارة الأرض، وهي عمارةٌ تتجاوز حدود التكنولوجيا والميكانيكا الرقمية العابرة مع السُنّة الكونية التي لا تدوم على حال.
بناء الوعي .. وصناعة السؤال
في فلك الحوارات، يحرص الكثيرون على زخرفة الإجابات؛ فيلبسونها حُلل البيَان، ويحشدون فيها ما طاب لهم من حِكم وفلسفات ليظهروا في أبهى صور النضج. لكن الحقيقة تظل كامنة في زاوية أخرى؛ إن فكر الإنسان الحقيقي، وعمق روحه ينكشفان في أسئلته لا في إجاباته؛ فالإ��ابة غالباً تكون صدىً لِما حُفظ، أو قناعاً صُنع بعناية ليرتديه المرء أمام العيون، أما السؤال فهو نبض الوعي، والنافذة الكاشفة لعمق الإنسان الفكري والوجداني.
إنَّ شجاعة الفكر ونضج الوعي يتجليان في أبهى صورهما عند اقتحام حاجز الأسئلة؛ فالهروب منها انكفاءٌ يورث البلادة والخمول، بينما الإقدام يمنح الروح أفقاً، والفكر هيبةً وجلالاً.
ومن هنا، في زمن التدفق المعرفي الرقمي، يصبح غرس مهارة صناعة السؤال في أرواح الأبناء هو الحصن الحصين لعقولهم؛ ليشبّوا في هذا العالم صُنّاع وعيٍ، لا مجرد مستهلكين مستسلمين لإجابات معلّبة. فقيمتنا الفكرية والروحية لا تبدأ من رصيف الأجوبة المُنَمَّقَة، بل تولد من عمق تلك الأسئلة التي نطرق بها أبواب الوعي بجسارة.
مع كل روحٍ طيبة وفدت إلينا، يتضاعف في داخلي بهاء الكلمة وعمق المسؤولية. إن نبضات الود التي غمرت قناتي الجديدة على الواتساب —وتجاوزت بفضل الله ثم بثقتكم الغالية مئة قلبٍ نابض في ساعاتها الأولى— هي النور الذي يضيء لي دروب البوح، ويدفعني لأسكب لكم مشاعر تخرج من سويداء الفؤاد؛ لعلها تلامس أرواحكم الرفيعة.
شكراً لسرعة استجابتكم وجمال حضوركم، فبكم ومعكم يورق الحرف ويزهر.
وأسأل الله لي ولكم الإعانة والسداد، وأن تجدوا في مجلسي دائماً ما يليق بذائقتكم المنيفة.
أتشرف بكم وبمن تحبون في قناتي:
•رابط الانضمام :
https://t.co/WcpQA6afYm
جوعان جح !!
من أسرار بيتنا، شفراتٌ ولِدت عفويةً، ثم تحولت إلى مصطلح يشعُ بالبهجة والذكريات اللطيفة. ففي عام 1409 هـ، كان ابني "فهد" طفلاً يتقن المكْرَ البريء؛ إذ كان يتطوى في زاوية الصالة متظ��هراً بوجع الجوع، فإذا التفتت إليه أمه؛ قال لها بصوت منكسر: "يمه، أنا جوعان جح!". كانت مسرحية خاطفة اختصر بها الوقت، ليستعطف قلب أمه ويستعجل دلالها تلبية لمراده.
مضت السنون وكبر فهد، لكن العبارة لم ترحل، بل تمددت لتصبح شفرة ثابتة في قاموس العائلة، نهتف بها كلما حنّت الأرواح لسفرة الجح .. جوعانين جح!.
وفي عصر الجمعة الفائت، كُنَّا جالسين في صالة البيت، وأردتُ أن أغير أجواء الجلسة، فقلت عفوياً: "جوعانين جح!". وهنا حدثت المفاجأة الطريفة؛ انتفض فهد من مكانه، وانطلق مسرعاً نحو محل الخضار، ليعود حاملاً "الجح" بين يديه، كأنما تحركت فيه لغة الطفولة ليلعب دور الملبي السريع.
التفينا حول السفرة، وكانت ابتسامتي تمتد من الوريد إلى الوريد، وكان حالي يقول له متهللاً: "أخيراً .. سجلت معك هدف التعادل يا فهودي!". تذوقنا يومها حلاوة الجح، لكن شهدها الحقيقي كان في ذلك الوفاء العفوي، ممتنين لطفل الأمس الذي دار به الزمن، ليصنع بهجتنا بطيب خاطره وسماحة روحه .
معركةُ أحبار القلم …
تراودني خواطري أن أكسر قلمي؛ هذا الصاحب الذي أتعبته المسافات، وهو يدور في فلك الوجع، ويقتات على الشكوى والجدية الثقيلة، حتى قَضَّت مضاجعَه الهموم. كدتُ أهشم ريشته لأستريح من صرير العتب والملامة.
وفجأة.. انتفضت من زوايا الروح فطرتي الحيَّة، وأمسكت بيدي قائلة:
"تمهل.. إن قلمك لم يكن يوماً عدواً لك، فلا تكسره، بل غيّر حبره! اجعله سفينتك المبحرة نحو الخفة، والدهشة, والحيوية. هذا القلم السيال الذي أثقل كاهلك يوماً بالدموع، هو نفسه الذي يملك طاقة هائلة ليحلق بك في فضاءات تشع بالحرارة، والبهجة، والجمال النابض بالحياة.. بعيداً عن رتابة الأحزان وقسوتها".
ثم تناديني تلك الفِطرة، وتهمس في أذني بأن التغيير لا يعني تزييف المشاعر، بل هو ارتحالٌ بارع نحو زوايا أخرى في هذا الكون الفسيح، نرى من خلالها النور والظلال، ونعيش تفاصيل الحياة المبهجة بصدقٍ غامر ووجدانية عالية.
أقف اليوم مُثقلاً بين سطوة الوجع العابر، ونداء الفطرة الحية.. فلا أدري، أيّهما يقود خطوتي الأولى نحو أفلاكها؟
مِن محاريب الوفاء في زمن الكدر …
حين أكونُ غارقاً في صمتي، مثقلاً بأعباء الحياة، ثم أبتسمُ في خلوتي؛ لا ع�� سَفَهٍ، بل لأنني استحضرتُ في ذلك الضيق طيفاً أحببتُهُ وأكبرتُهُ، فصارَ رفيقَ الروحِ في غيابه.
هي ابتسامةُ ودٍّ خفية، تفيضُ بالنقاء، أرسلها عبر مسافاتِ الحنين، ولا أراها تليقُ – في دفئها وبهائها – إلا بمحيا ��لك الطيف الذي لم تزدْهُ الأكدارُ إلا حضوراً.
🌿 طيَّب اللهُ جمعتكم بالخيرات والمسرّات.
وقفة مع النفس …
يا للعجب! متى كان الاعتذار خطيئةً تُحسب عواقبها، وخفض الجناح صكّ إدانةٍ يُشرعن المساءلة؟ كيف استقوت لغة المحاسبة حتى غدا النبلُ في عقر داره مجازفة، وباتت مروءة الرجال تهمةً وجريرة ؟!
يا الله؛ ما أحلمك وما ألطفك! حاشاك ربي أن تضيع مروءةٌ في كنفك، فالأمر أمرك، {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}.
مجالسنا .. حين تفقدُ بوصلةَ الهيبة!!
في رحابِ العمرِ، أدركتُ أنَّ الأشياءَ تفقدُ روحَها ومعناها حين تُجرَّدُ من جوهرِها. أتذكرُ سنواتِ العملِ، فقد كنتُ لا أستشرفُ هيبةَ الاجتماعِ من فخامةِ قاعتهِ، بل من قائمةِ المدعوينَ؛ فبعضُ الاجتماعاتِ كانت تستحقُّ ضربَ أكبادِ الطائراتِ، وأخرى أستثقلُ المشيَ إليها؛ ولو كانت في الغرفةِ المجاورةِ لمكتبي.
اليومَ، بنظرةٍ عابرة على حالِ مجالسِنا الاجتماعيةِ، نجدُها تاهت في صخبٍ لا يفرقُ بينها وبين زوايا المطاعمِ. وما يزيدُ الوجعَ، أنَّ مَن يرفعون شعار "حريةِ المجالسِ" ذريعةً للانفلاتِ، فإذا حلَّ بينهم ذو نفوذٍ أو مالٍ، تجدُهم يخلعون تلك "الحريةَ" ليرتدوا ثوبَ التصنُّعِ والارتباكِ!
وعودةً إلى ميزانِ ��لتجاربِ، أستحضرُ موقفاً قبلَ عقدٍ من الزمنِ؛ حين أسرَّ لي صديقٌ حكيمٌ أنهُ لا يحضرُ مجلساً إلا بعد معرفةِ "نوعيّةِ" الحاضرينَ، فظننتُ أنَّ كلامَه كان مجردَ مبالغةٍ في المثاليةِ، وإذ بي أدركُ الآن أنهُ كان أسبقَ مني في فهمِ جوهرِ تفاوتِ معادنِ الرجالِ في مجالسهم.
في الختام، دعوتي ليست اعتزالاً، بل انتقاءٌ؛ فالمجلسُ بستانٌ تُحفظُ قيمتُه بجودةِ ضيوفِه. لا تسمحوا لكلِّ مُدّعٍ أن يتصدّرَ المجالسَ، ولا تلوموا من اعتذر، بل تأمّلوا حقيقة سببِ اعتذارِه. وإذا خلتْ مجالسُنا من "أهلِ الرأيِ والوقارِ" وغزاها الادعاءُ، فاللومُ كلُّ اللومِ يقع على من فرّط في هيبتِها.