مابين اليأس والرجاء فُسحة يسير فيها المسلم في بيداء الدنيا، وإنها لشاقة على صاحب الضمير الحي، فإذا ما اشتد البأس، وكاد أن يستولي على النفوس اليأس، أنزل الله فرجه ونصره ليصيرِ لذٰلك موقِع في القلوب، وليعرف العباد ألطافَ عَلَّامِ الغيوب سبحانه وبحمده.. صاحب الفضل والمنة.
ما أشقى المرءُ حينَ يُثقله الحِمل وتُجحِمه العثَرات فَيبدو كيتيم يخَافُ اقتِراب الناس لئلا ينخَدِع فيزداد أسىً حتى يظلّ اليأس يدفعه ليتنقلُ من سِرداب لآخر، ومن ظُلمة لظُلمة، ومن تيهٍ لتيهٍ دونَ أن يهتدي أو تُشفى روحه من ظمأها..
فيَهم بتحسس مكانة كلّ من ��وله في قلبه
فإن الله تعالى قد يجعل ما يحبه هو فيما نكره نحن؛ و ليس للأقدار لغة فتجري على ألفاظن، و قد نسمي النازلة تنزل بنا خساراً و هي ربح، أو نقول مصيبة جائت لتبديل الحياة، و لا تكون إلا طريقة تيسرت لتبديل الفكر.
الرافعي
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيد المرسلين وإمام النبيين ورحمة الله للعالمين، صفوتِك وخاصتك من خلقك؛ أبي القاسم الطيب المُطَيَّب حيًّا وميتًا، الفخم المُفخَّم، النور الهادي إلى صراطك المستقيم.
الحمد لله على نعمته علينا بشرف الانتساب والإيمان به غيبًا، والحنين إليه شوقا وحبا!
فإن الهمومَ إذا ترادفت في القلب ضاقَ بها، فإن لم يَفِضْ منها شيء باللسان، ولم يُسترَح إلى الشكوى لم يَلبَث أن يهلك غمّا ويموت أَسَفا.
طوق الحمامة لابن حزم
رب هموم عظيمة -أو هكذا نحسب- بتنا نعالجها ونقلبها أملًا في دفعها ورفعها.. ما كان بينها وبين قضائها إلا استجلاب رحمة الله وفضله بالصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد
أتساءل كيفَ يعايشُ الفقد غير المسلم؛ كيف يسيرُ في بيداء الحياة طلبًا للسلوى ولا يبلغ، كيفَ شعوره إذ رأى فراق المحبوب أبديًّا، وكيفَ يُكمل حياته دون عزاءٍ لنفسه؛ دونَ سحابةٍ تُظللهُ وتمطر على قلبه بوحيِ اللقاء السرمديّ، ورعدٍ ي��كي له بدَّويهِ: أن هنالكَ جنة!
مِن أعظم أسباب الفرَج التي يُوفِّقُك الله إليها: الدعاء وطول المُناجاة؛ وأعظمُ سببٍ يُطلِقُ لسانك بالدعاء ويُقبِلُ بقلبك عليه يقينُك أنّه لا أرحم ولا أكرم من الله؛ يسمعُ دُعاءك في كل وقتٍ، ويعلمُ حالك وما في صدرك قبل أن تدعوه، والناس لا يعلمون بحالك ولا يسمعونك في كل وقت.
وفي بعض الأخبار المروية المسندة أنّ عبداً تشهد عليه أعضاؤه بالمعصية، فيتطاير شعره من جفن عينيه، فيستأذن جفن عينيه بالشهادة له فيقول الحق: تكلمي يا شعرة جفن عبدى واحتجّي عن عبدي!
فتشهد له بالبكاء من خوفه، فيغفر له، وينادى مناد: هذا عتيق الله بشعرة.
تفسير القشيري