بعدسة هاتفي على متن الطائرة الإيرانية ..
في المقعد الذي خلفي مباشرة على متن الطائرة الإيرانية التي كسرت الحصار عن اليمن كان يجلس طفل عالق في الخارج منذ أكثر من ثلاثة أعوام بصحبة جدته علقوا جميعا في الخارج بعيدا عن أبوه وأمه، وما إن دخلنا الأجواء اليمنية حتى نزلت دموعه شوقا إلى والديه وإلى بلاده، وكنا نصوره دون أن يشعر بنا، وما ان شعر بالتصوير حتى مسح دموعه وتعالى على أوجاعه.
أدمى قلوبنا بدموعه، وشعرنا بحجم مظلومية شعبنا وحجم جريمة الحصار الذي يفرضه العدو السعودي ضد شعبنا، هذه مجرد قصة واحدة صادفتنا ووثقناها من قصص لا حصر لها من معاناة شعبنا التي تمتد على مدى أكثر من عشرة أعوام .
#الحصار_بالحصار
#التصعيد_بالتصعيد
شابتان لبنانيتان في مطار بغداد، تسألان عن وجهتي. "إلى مشهد"، أجبتُ، بلا أن أعرف دوافع السؤال.
أنتما متجهتان إلى مشهد؟
نعم.
متى موعد طائرتكما؟
لم نحجز بعد. وسألناك لأننا نريد معرفة الموعد الأقرب لطائرة إلى مشهد، لنحجز.
الشابتان لم تتمكنا من حجز مقعدين لهما من بيروت (لتعقيدات عديدة، أبرزها قرار إذعان جوزف عون ونواف سلام لأوامر منع هبوط الطيران الإيراني في بيروت). كيف تجاوزتا التعقيدات؟ سافرتا من بيروت إلى بغداد. وفي بغداد، بحثتا "بالسراج والفتيلة" عن مقعدين على طائرة متجهة إلى مشهد.
ما الذي يدفع بشابتين إلى السفر من بيروت إلى بغداد، من دون أي يقين بأنهما ستتمكنان من الوصول إلى مشهد للمشاركة في تشييع السيد القائد الخامنئي؟ بالنسبة إليهما، وبالنسبة إلينا (ونحن كثر)، السيد علي الخامنئ�� لم يكن قائداً سياسياً وحسب. ولا هو مرجع ديني حصراً. هو مرجعٌ ووليٌّ وناصرٌ وزاهدٌ وعارف... وهو قائد جبهة المستضعفين، وحامل راية العزة في بلادنا. هو كذلك وأكثر. لا يشبه الأمر الصلة بزعيم سياسي أو رجل دين تتأثر به. لا. يمكن اختصار صلتنا به بأن كثيرين منا كانوا مستعدين للتضحية بأنفسهم، بأرواحهم، بحياتهم، بكل ما لهم في هذه الدنيا، فداءً له. واليوم، هو كل ما سبق، وقد تُوِّج بالشهادة. القائد الشهيد ليس، في نظرنا، كسواه من القادة السياسيين في العالم. يكفي النظر إلى وجوه مشيّعيه في طهران وقم، وفي النجف وكربلاء. في مدينتَي أجداده، اجتمع العراق كلّه، من البصرة إلى ما بعد إربيل. المرجعية العليا هنا. السيد مقتدى. قوى الإطار. آل البرزاني والطالباني. الخنجر. الحلبوسي. كل القوى السياسية الشيعية والسنية والكردية… اجت��ع من لا يجتمع، وهذا مما لا تراه كل يوم في بلاد الرافدين. لكن الأكثر حضورا، كان حب ملايين العراقيين للسيد الخامنئي.
في مدينة مشهد، في أقصى شمال شرق إيران، شرقي نيشابور وجنوب شرق عشق اباد التركمانستانية، وشمال غرب هِرات الأفغانية، شيعنا السيد الشهيد أمس إلى الحرم المطهّر لمرقد الإمام علي بن موسى الرضا. دُفن القائد المعظّم في البقعة الأقدس في إيران. ولنا، نحن اللبنانيون، سهم في هذا المكان. ففيه دُفن، قبل أكثر من ٤٠٠ عام، الشيخ بهاء الدين العاملي، الشيخ البهائي، ابن جبل عامل الأوسع، وابن البلاد التي نعرفها اليوم باسم لبنان، والذي كان له بالغ الأثر في إيران، في شؤون الحكم والدين والعمارة والعلوم، في نهاية القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر. وفيه دُفن أيضاً الشيخ الحر العاملي، ابن مشغرة و��باع الذي تحمل اسمَه واحدة من باحات الحرم.
في الحرم المطهّر، ودّعنا السيد القائد أمس. كانت معنا أرواح شهدائنا. هتف الحاضرون بالفارسية عن الانتقام، ورفض الذل، والتمسّك بالثورة. بكوا ولطموا الصدور. وأكثر ما ضجّ به المكان، كان اسم الحسين: "الحسين شعارنا والشهادة افتخارنا".
جسد السيد الشهيد احتضنه التراب المقدّس، مع أربعة من أفراد عائلته، بينهم حفيدته التي، كعبد الله الرضيع ابن الإمام الحسين، دُفنَت في قبر واحد مع جدّها. والقبر بين رواق يُسمّى بالزهد، وآخر اسمه العِزّة، وباحة تحمل اسم الحرية. نشهد أن الوليّ الشهيد قضى عمره فقيراً زاهداً ثوريّاً حرّا، ولم يشغله شاغل عن السعي الحثيث إلى تحقيق عزّتنا جميعا. العزة التي عاشها ومات عليها… وعليها يلقى الله. جسّدها في آخر أيامه بالقول الذي أخذه عن جدّه الحسين: مثلي لا يبايع مثلك.
وعلى ما قال كمال الدين العاملي:
بروحي أنتَ من وتدٍ مجيد
وروح الصِّيد من عربٍ وفُرسِ
وإنّ النفسَ لو بالنفسِ تُفدى
فديتُك يا ابن فاطمةٍ بنفسي
لم نَفْدِه بأنفسنا. كان هو الفدائي الذي ضخّ استشهادُه دماءً فتيّة في عروق الثورة، ومنح روحاً للفكرة التي رعاها وشذّبها وسقاها حتى أورثنا إياها خضراء مزهرة.
بعض الادوات يتم تكليفها النطقَ باسم السعودية غب الطلب ، ومع ذلك
تسمح لنفسها تصنيفنا ممانعين ولحم بعجين.
خيي عندما تكون لديكم اجندة مسعوَدة ،
لماذا لا يجرون لكم دورات تدريبية في الرد،
تثقيف عام، احاطة، سولفة، اي شي.
على الاقل يعطوكم مع التبس شوية معطيات كيف صاغوا اتفاق بكين،
كيف التحقوا باتفاقات اسلام اباد،
مش ع علمي انو سعد الحريري عمل كل هالشي مع ايران ،
ولا شفناه يشق صفوف المشيعين للتعزية بالامام الخامنئي .
لا تعنيني الأبالسة ولا نجيب ولا العشم بالجنة الحكومية التي تجري من تحت الانهار ،
كل ما يهمني ان لا تنهار ، وانه عندما " يفخخونك للرد" فليربطوا معك حزاماً فكرياً غير ناسف ، مزوداً بالمعطيات الواقعية .
بالتوفيق في ردود قادمة وراجلة .
يقول التوديع والتشييع للإمام الخامنئي "قدس سره" للناس كلّ الناس بلغة الواقع العملي المشهود أنّ الله قد يوفّق عبداً من عباده لأن يصنع ذاته على ضوء الإسلام ويمدّه بأسباب التوفيق والتسديد ويعينه على نفسه فيُصنع صناعةً إسلاميّة حقّاً ليُخرج به أمّة من الظلمات إلى النور ويُنقذ به الملايين من الضلالة إلى الهداية.
وهذا الدرس البليغ الكبير نطق به واقع الأنبياء والمرسلين وأئمة الهدى من قبل، وقادةٍ صالحين عظماء من عباد الله عزَّ وجلّ، والإمام الخميني "رضوان الله عليه" ليس عنّا ببعيد.
اللهم بارك في #عمان أرضها وقيادتها وشعبها
وبارك في #إيران وجيشها وحرسها وشعبها وقادتها
وبارك في #اليمن وأنصارها
وبارك في #لبنان وحزبها الإلهي ومقاومتها الباسلة
وبارك في #العراق وحشدها
وبارك في فلسطين وغزة ومقاومتها وحرر مقدسات المسلمين من الاحتلال
وانصر الإسلام والمسلمين الصادقين قاطبة على أعداء الحق والدين..
الجموع المليونية التي شاركت في ذكرى انتصار الثورة الإسلامية في #إيران تثبت بما لا يدع مجالا للشك أن الشعب الإيراني ملتف حول قيادته الدينية والسياسية، المدنية والعسكرية..
نسأل الله أن يحفظ جمهورية إيران الإسلامية أرضًا وشعبًا وحكومة وقيادة؛ وأن يصرف عنهم وعنا وعن باقي المسلمين الحروب والدمار، وأن يوحد المسلمين بكل طوائفهم ومذاهبهم ويؤلف بين قلوبهم، وأن يصرف عنا كيد الأعداء والشيطان، وأن ينصرنا جميعا على كل من يريد بإسلامنا وأوطاننا سوءً..
اللهم آمين
في الصورة، عينا حسن عطوي حقيقيتان. في الأشهر الأخيرة، ثبّت له الأطباء في مكانيهما عينين زجاجيتين. ربما ليستا زجاجيتين. لا يهمّ مما صُنعتا، فالنتيجة واحدة. هو لا يبصر بهما. المهم، بالنسبة إليه، أن وجهه استعاد بهما القليل من ملامحه. بصوته الهادئ الواثق المتفائل، كان يخبرنا أنه ينزع عينيه، الزجاجيتين، ليغسلهما، بحسب توصيات الطبيب، ثم يعيدهما إلى وجهه.
هل في ذلك شيء من السحر؟
رجل طويل القامة، جميل الوجه والعينين، أسمر كبلال عدشيت والجنوب، حلو كما الحياة في عينيه، يحب ا��طبخ والإطعام، أب لإبنة وولدين، تحبّه أمه كما تحب الأمهات أبناءهنّ، يبتسم ويضحك، يحكي عن نهفات حياته الجامعية في إيران، تحبّه شقيقاته ويحبّهنّ، يحبّه شقيقه وكل أفر��د العائلة ويحبّهم، "يحاضر" في فوائد لحم الماعز، يمارس الرياضة كل يوم، ويلتزم بالعلاج ليديه اللتين بُتر منهما الكثير من الأصابع… هذا الرجل ينزع عينيه من مكانيهما، ليغسلهما، ثم يعيدهما إلى وجهه. الاستماع إليه فيما هو يحكي عن ذلك كما يحكي أيّ منّا عن تقليم أظافره، كان يحرّك شيئاً من الألم الطفيف، لكن العميق، في سويداء القلب. لكن حسن لم يكن يتألم، ولم يكن يكابر.
فارس من فرسان جبل عامل، انتقل إلى طور جديد في الحياة، لا ضوء فيها. هكذا هي حياة ما بعد تفجير البايجر في "نظره". لم تكن الحياة الجديدة سهلة، بطبيعة الحال. لكن حسن جعلها كذلك. وإذا أردنا توخّي الدقة، فإن حس�� وزوجته زينب وكل أفراد العائلة جعلوا حياة ما بعد تفجير البايجر تحدّياً يمكن تجاوزه، بالكثير من الرضى والتسليم والفرح. نعم، الفرح. الكثير من الفرح. تماماً كما هي حال أيّ زوجين، في كل يد من أيديهم خمس أصابع، وكل عيونهم حقيقية يرون بها الدنيا ومن فيها، ويراكمون في القلب ملامح الوجوه وألوان العيون.
كانت للعينين الزجاجيتين وظيفة أخرى لدى حسن. ابنه أحمد، ذو الأربع سنوات، احتفل يوم رأي عينَي أبيه، بعد أشهر من اعتياده رؤية تجويفين في وجهه. لم يعتدهما تماماً، كما لم يعتد لمس جذور الأصابع المبتورة في كفّي أبيه. وعندما رأى العينين الزجاجيتين، صار يقفز في المنزل محتفلاً بأنْ "رِجعوا عيون بابا ورح يرجع يشوفني".
والحال أن حسن كان يرى، رغم العينين الزجاجيتين. كان يرى في قلبه، وكان يرى بعينَي زينب. تقود السيارة. تحرص على أناقته. تَعدّ له الدرجات قبل نزوله أو صعوده فيمش�� مشية واثق الخطوة. ترافقه حيثما يجب، وحيثما أراد. تسكب له الطعام. تزيل له الشظايا من وجهه. تستلها من تحت الجلد بخبرة الجرّاح. تعطيه فنجان الشاي وتدلّه أين سيضعه، مرة واحدة، فتصبح بعدها حركته كحركة أي مبصر.
كانت زينب، منذ السابع عشر من أيلول 2024، شريكته وحبيبته ورفيقته وأم أولادهما الثلاثة ودليله وعينه…
بعد استشهادهما، قال لي صديق إنه يعتقد أن حسن ربما ارتاح من العيش بلا عينين ويدين. في الواقع، هي مواساة للذات في غير محلها، لأن حسن لم يكن "معذّباً". من قتلته "إسرائيل" لنا في زبدين، يوم السادس من تشرين الأول 2025، كان مهندساً كفيفاً تقاعد قسراً من العمل العسكري، ليعيش حياته الجديدة، بكل ما فيها من ألم، بصبر واحتساب وفرح وعاطفة وإيمان مطلق بالله وألطافه، وبصوابية خياره، وبعظمة التضحيات. كان حسن يضجّ بالحياة، فائق الحيوية، طاقة تبدو كأنها لا تنضب. بعينين زحاجيتين؟ نعم. لكنه يبصر ويخطط لسنوات آتية، لنفسه، ولزينب، ولأولادهما وأهله، ولجرحى البايجر. يبحث عن مستقبل للعيون المطفأة، من هنا إلى الصين وما بعدها.
ومن قتلتها "إسرائيل" لنا معه، هي زينب الصابرة المبتسمة المضحّية، المقبلة على الحياة بآمال لها ولزوجها ولأولادها ولكل العائلة.
في المقابلة التي أجريت معه في الذكرى السنوية الأولى لجريمة البايجر، سألت بثينة حسن عن الثأر، فأجابها بأن الثأر الأهم من المجرمين هو موقف الجرحى والعائلات والمجتمع. عقب بشيء عن المجتمع الذي إذا لم يقدروا على قتل روحه، فسيكون هو الثأر بعينه، "لأن من يقاتل فينا هي الروح". بدا كمن يستعير من الحاج رضوان وأمل دنقل وبوبي ساندس معاً: إنه ثأر جيل فجيل. وانتقامنا هو في ضحك أطفالنا!
ربما لم يبقَ لحسن وعائلته شيء للتضحية به. هو من كفركلا التي لم تترك الحسين ولا البلاد، كما سائر قرى سور الله الجنوبي العظيم. ولم يقتلع العدو عيني حسن وبعض أصابعه فحسب، بل دمّر بعدهما كل بيوت العائلة واقتلع زيتونها وسرقه ��لى الأرض المسروقة في فلسطين.
في كفركلا، سينام حسن ملء عينيه. هناك أيضاً، ستمسك بيده زينب.