نشكر المولى عز وجل أن شرّفنا بخدمة الحرمين الشريفين، ورعاية حجاج بيته الحرام، سائلين الله أن يتقبل من الحجاج حجهم ونسكهم وطاعاتهم.
ومع حلول عيد الأضحى المبارك، نهنئ شعبنا في هذا الوطن المبارك وأمتنا الإسلامية بهذه المناسبة، وندعوه سبحانه أن يجعله عيد خير وسلام واستقرار على أمتنا والعالم أجمع.
وكل عام وأنتم بخير.
#مقال_الجمعة
فشل دمج الصحة النفسية مع مراكز العلوم العصبية…
تشكّل الصحة النفسية اليوم أحد أكثر الملفات الصحية إلحاحا على مستوى العالم. تشير التقديرات إلى أن ما يقارب مليار إنسان يعيشون مع اضطراب نفسي بدرجات متفاوتة، فيما تتزايد معدلات القلق والاكتئاب والانتحار والإدمان بصورة تدفع الأنظمة الصحية إلى إعادة التفكير في أولوياتها وبنيتها المؤسسية. وفي السعودية، تمثل اضطرابات الصحة النفسية نحو 7.3% من إجمالي عبء الأمراض، بينما تشير دراسات محلية إلى ارتفاع مقلق في معدلات القلق والاكتئاب بين فئة الشباب، مع تكلفة اقتصادية ضخمة تتجاوز 163 مليار ريال سنويا (رمضان، الحربي 2025م). كما أظهر المسح الوطني السعودي للصحة النفسية أن نحو 34% من الأفراد قد يتعرضون لاضطراب نفسي خلال مرحلة من حياتهم (ي. التويجري، أ. السبيعي، و أ. الحبيب (2019)، التقرير التقني للمسح الوطني السعودي للصحة النفسية الرياض: مركز الملك سلمان لأبحاث الإعاقة).
فوسط هذه التحولات، ظهر توجه عالمي نحو دمج الصحة النفسية داخل مراكز العلوم العصبية، خصوصا في الولايات المتحدة، انطلاقا من فكرة أن الدماغ هو نقطة الالتقاء بين الأمراض العصبية والنفسية. الفكرة في ظاهرها تبدو علمية ومنطقية، لكن التجربة العملية أظهرت أن هذا الدمج لم يحقق الأثر المتوقع على مستوى الصحة النفسية المجتمعية.
الذي حدث في كثير من النماذج الغربية أن الصحة النفسية تحولت إلى جزء صغير داخل منظومات ضخمة يقودها الاهتمام بالأورام الدماغية، والجراحات العصبية المعقدة، والأدوية الجينية، والتقنيات عالية التكلفة. ومع الوقت، أصبحت الحصة الأكبر من الميزانيات، والبحث، والاهتمام الإعلامي، تذهب نحو المشاريع التقنية المتقدمة، بينما بقيت الصحة النفسية في الهامش رغم أن أثرها المجتمعي والاقتصادي أوسع بكثير.
المشكلة هنا لا تتعلق بقيمة العلوم العصبية، فهي حققت إنجازات عظيمة وغيرت حياة آلاف المرضى. لكن الإشكالية تتعلق بفلسفة الأولويات الصحية. عندما يصبح النجاح الصحي مرتبط�� بعدد العمليات الدقيقة، أو الأجهزة المتقدمة، أو الأبحاث الجينية، على الجهة الأخرى تتراجع قضايا مثل الاكتئاب، والقلق، والإدمان، والصدمات النفسية، واضطرابات الطفولة، رغم أنها تمس حياة الملايين بشكل يومي.
وفي ظني، أن الخطأ الأكبر كان التعامل مع الصحة النفسية وكأنها مجرد فرع بيولوجي من علوم الدماغ، بينما الواقع أكثر تعقيدا بكثير. فالإنسان لا يتكون من خلايا عصبية فقط، وإنما من علاقات، وتجارب، وصدمات، وثقافة، وأسرة، وبيئة اجتماعية وتربية/مفاهيم دينية، ومعنى وجودي. ولهذا ظهر النموذج البيو-نفسي-الاجتماعي بوصفه الإطار الأقرب لفهم الصحة النفسية، لأنه ينظر إلى الإنسان بصورة شاملة لا تختزل معاناته في ناقل عصبي أو صورة دماغية.
كما أن المحددات الاجتماعية للصحة النفسية، مثل البطالة، والعزلة، والتفاوت الاقتصادي، والتفكك الأسري، والوصمة الاجتماعية، تلعب دورا محوريا في نشوء الاضطرابات النفسية واستمرارها. وهذه المساحات لا تقع عادة ضمن جوهر اهتمام مراكز العلوم العصبية، ��لتي تتحرك غالبا ضمن نموذج طبي بيولوجي ضيق نسبيا. وفي ظني، أن هذه المحددات أولى بالاهتمام والدراسة، لأنها تختلف من مجتمع إلى آخر، ومن جيل إلى جيل داخل المجتمع نفسه.
ولو أن جزءا بسيطا من الميزانيات الضخمة التي تصرف على بعض العلاجات النادرة أو المشاريع الجينية وُجّه نحو تعزيز خدمات الصحة النفسية المجتمعية، والتدخل المبكر، والخدمات المدرسية، ودعم الأسرة، وبرامج الوقاية، لكان أثر ذلك أوسع بكثير على المجتمع بأكمله. فالصحة النفسية لا يقتصر أثرها على المريض وحده، وإنما يمتد إلى أسرته، وإنتاجيته، وتعليمه، وعلاقاته، وحتى الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للمجتمع.
ومن هنا تظهر أهمية مفهوم Population Health Management أو “إدارة صحة المجتمع”، الذي ينظر إلى الصحة النفسية باعتبارها قضية مجتمع كامل، لا مجرد خدمة علاجية داخل مستشفى. هذا النموذج يهتم بالوقاية، والكشف المبكر، وتحسين جودة الحياة، وتقليل عوامل الخطورة، وقياس الأثر الصحي على مستوى السكان، لا على مستوى التدخلات العلاجية فقط. بل أزيد و أقول أن زيادة نسب الإ��ابة للاضطرابات النفسية في مجتمع ما عاماً بعد عام دليل فشل المنظومة الصحية.
لذلك فإن التجارب الدولية الناجحة فهمت هذه النقطة مبكرا. ففي الولايات المتحدة مثلا، بقي المعهد الوطني للصحة النفسية (NIMH) مؤسسة مستقلة بهويتها وأولوياتها، رغم تعاونه الواسع مع مراكز العلوم العصبية. وكذلك في بريطانيا (IMH) وكندا (CAMH) وأستراليا (BDI)، حيث اتجهت الأنظمة الصحية إلى إنشاء مراكز وصروح مستقلة للصحة النفسية تمتلك أجندتها البحثية والتمويلية الخاصة.
وفي السعودية، توجد تجربة تستحق الإشادة والتأمل، وهي تجربة الإدارة العامة للخدمات الصحية بوزارة الدفاع في إنشاء مركز تميز مستقل للصحة النفسية في نهاية 2025م. اللافت في هذه التجربة أنها جاءت من جهة كانت سباقة أصلا في إنشاء مركز متقدم للعلوم العصبية، ما يعكس فهما ناضجا للفارق بين المجالين. القضية هنا لا تتعلق برفض العلوم العصبية، وإنما بإدراك أن الصحة النفسية تحتاج إلى كيان مستقل قادر على بناء أولوياته، واستقطاب كوادره، وصياغة رؤيته المجتمعية والبحثية الخاصة.
وفي المقابل، يمكن النظر إلى تجربة المركز الوطني لل��لوم العصبية، الذي أُنشئ قبل أكثر من خمسة عشر عاما، وحقق نجاحات مهمة ومميزة في مجالات الجراحات العصبية المتقدمة والتخصصات الدقيقة، وأسهم في بناء قدرات بشرية نفخر بها وتنافس عالميا في مجالات الجراحات المتقدمة و يعتبر "أبرز المراكز الرائدة على مستوى الشرق الأوسط في الجراحات العصبية المعقدة وعلاج أمراض المخ والأعصاب." كما يُحسب للمركز تضمين الصحة النفسية ضمن مهامه منذ البداية، مقارنة ببعض نماذج مراكز العلوم العصبية الأخرى التي لم تضع الصحة النفسية ضمن أولوياتها المؤسسية.
لكن رغم هذه النجاحات الكبيرة في مجال العلوم العصبية، بقي أثر الصحة النفسية المجتمعي محدودا نسبيا، ولم نشهد تحولا نوعيا ينعكس بوضوح على المؤشرات الوطنية للصحة النفسية أو على مستوى الابتكار في الخدمات المجتمعية المقدمة. وربما يعود جزء من ذلك إلى أن الصحة النفسية لم تمتلك استقلالها المؤسسي الكامل، وبقيت قسما ضمن عدة أقسام أخرى يعنى بها المركز، مما جعل الأولويات والموارد والهوية المؤسسية تميل بطبيعتها نحو العلوم العصبية السريرية والتدخلات عالية التخصص.
وهنا تظهر الحقيقة الأهم: نجاح العلوم العصبية لا يعني تلقائيا نجاح الصحة النفسية. فلكل ��جال فلسفته، وادارته، وأدواته، وطريقة قياس أثره. و حتى نكون منصفين و ننظر للمشهد بطريقة مجردة، يجب أن نعترف أنه إن كانت الجراحة العصبية قد انقذت حياة فرد، فتعزيز وإدارة الصحة النفسية بشكل سليم قد يغير مسار مجتمع كامل بأجياله المختلفة وتحدياته المتغيرة و يجهزه لمستقبل مزدهر و مستدام.
وفي ظني، أن مستقبل الصحة النفسية في السعودية يحتاج إلى انتقال واضح (لا نخجل من مراجعته أو الاعتراف به) وإلى شجاعة في اتخاذ القرار، حتى ننطلق من مرحلة “الخدمة الإضافية” إلى مرحلة “الهوية المستقلة”. وهذه المرحلة تتطلب إنشاء مراكز تميز خاصة بالصحة النفسية في القطاعات التي تقدم الخدمات الصحية في القطاعين العام والخاص، بحيث تقود البحث، والتدريب، والسياسات، والتوعية، والوقاية، والتدخل المبكر، وتبني نموذجا سعوديا متكاملا يفهم طبيعة المجتمع وتحولاته.
ومن الضروري أن يقود هذا التوجه معهد وطني للصحة النفسية، يتولى رسم السياسات، وتوفير التمويل، وتنسيق الجهود مع المعهد الوطني لأبحاث الصحة، وبقية منظومة الابتكار ومراكز الأبحاث، ثم تحويل المعرفة والخ��رات المتراكمة إلى أثر مجتمعي ملموس ينعكس على جودة الحياة وصحة المجتمع بأكمله.
لذلك، يجب أن نقر أن الصحة النفسية ليست حيزا داخل العلوم العصبية فقط، وإنما منظومة أوسع بكثير، تمس الإنسان في وعيه، وعلاقاته، وإنتاجيته، واستقراره، ومعنى حياته. لقد أصبحت اليوم قضية مجتمع كامل، وتنمية وطن، وجودة حياة إنسان، وتستحق أن تكون أولوية حقيقية في زمننا الحاضر بتعقيداته المتشابكة، وربما لعقود قادمة.
فالمجتمعات لا تقاس فقط بقوة اقتصادها أو تطور تقنياتها أو قوتها العسكرية، وإنما أيضا بقدرتها على حماية الإنسان نفسياً، وصناعة بيئة أكثراستدامةً، و اتزاناً وطمأنينةً لأج��الها القادمة...
يقول خلف بن هذال:
من طبيعة كل طيب يجهز للجهاد
والرجال الأقويا تلتفت لضعوفها
والله من وراء القصد،
@DrAltuhayniMD@HayaAltahini د.عبدالله أنتا مثال جميل ومميز للشخص الذي لا يكتفي بما وصل إليه ، بل يجعل من التعلم والتطوير أسلوب حياة ، ومنك تعلمنا الكثير ، مبارك لك ومبارك لهم إلتحاق طبيب مميز مثلك ، فالك التوفيق يارب 🌺
@Dr_Wafy علم النفس له دور جدا كبير هنا
ودور علم النفس في الأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية هو دور "المفسر للآليات الداخلية"
علم النفس يقدم الأدوات لفهم كيف يستوعب الفرد والجماعة هذا السياق وكيف يُعالجونه ذهنيًا وعاطفيًا ، وكيف يُترجم إلى سلوك وهوية.