المقال الذي يشرح لنا كيف نقرأ عالمنا
--
في المقال الذي ودع فيه الكاتب #ديفيد_بروكس قراء نيويورك تايمز بعد 22 عامًا من الكتابة الأسبوعية لم يكتف بالوداع بل كتب رؤيته للعالم كما يراه، وهي رؤية تستحق الانتباه.
وهذا هو المقال الأخير لبروكس في التايمز قبل أن يتوجه إلى العمل الأكاديمي بجامعة ييل والكتابة بمجلة ذا أتلانتيك.
--
ترجمة #عزت_إبراهيم
--
حان وقت الوداع
بقلم ديفيد بروكس
30 يناير 2026
..
كان جدي، برنارد ليفي، جزءًا محوريًا من طفولتي. حين لم نكن نستكشف مدينة نيويورك معًا، كان يجلس في مكتب شركته القانونية داخل مبنى وولورث في مانهاتن السفلى ليكتب رسائل إلى محرري صحيفة نيويورك تايمز، وأحسب – إن خانتني الذاكرة أم لم تخن – أن بعضها نُشر فعلًا. كان قد توفي قبل أن يتم توظيفي ككاتب عمود في هذه الصحيفة، لكنه لو كان حيًا لكان أول شخص أتصل به. الرحلة التي قطعتها عائلتنا من شقة متواضعة في الحي الشرقي الأدنى إلى مكاني الحالي في هذه الصحيفة هي جزء من تجربتنا الخاصة للحلم الأمريكي.
لقد كان العمل هنا شرف العمر، وسط هذا الجمع المدهش من الصحفيين. لكن بعد 22 عامًا رائعة، ��ررت أن أخطو خطوة مثيرة ومخيفة في آن واحد: أن أغادر لأحاول بناء شيء جديد.
عندما جئت إلى «التايمز»، كان هدفي الترويج لفلسفة سياسية محافظة معتدلة، متأثرة بمفكرين مثل إدموند بيرك وألكسندر هاملتون. وقد كنت – بالطبع – ناجحًا إلى درجة مذهلة في إقناع الناس بوجهة نظري، لدرجة أن الجمهوريين المعتدلين باتوا اليوم القوة المهيمنة في السياسة الأمريكية، يسيطرون على كل شيء من البيت الأبيض إلى قصر عمدة نيويورك. لذلك أستطيع أن أقول إن مهمتي هنا قد انتهت.
أمزح بالطبع.
في الحقيقة، لطالما اعتقدت أن هناك خللًا غريبًا في السوق الثقافية الأمريكية. لدينا برامج لا تُحصى عن السياسة والأعمال والتكنولوجيا، لكننا نفتقر بشدة إلى برامج تتناول الأسئلة الأساسية في الحياة، تلك التي تشكل جوهر التعليم الإنساني الكلاسيكي: كيف يصبح الإنسان أفضل؟ كيف يجد معنى في التقاعد؟ هل ما زالت لدى أمريكا قصة وطنية جامعة؟ كيف تتعافى الأمم العظيمة من عصور الطغيان؟
حين أنظر إلى كيف تغير العالم منذ التحاقي بالصحيفة، أرى أن الاتجاه الأكبر هو الفقدان الجماعي للإيمان – ليس الإيمان الديني فقط، بل كل أشكال الإيمان الأخرى أيضًا. في عام 2003 كنا لا نزال نشعر بنشوة الانتصار في الحرب الباردة، وكان هناك قدر أكبر من الثقة في أن الديمقراطية تجتاح العالم، وثقة أكبر في خيّرية أمريكا، وفي التكنولوجيا، وفي بعضنا البعض. وحتى عام 2008 استطاع باراك أوباما أن يخوض حملة رئاسية مشبعة بالمثالية والأمل.
لكن عالم ما بعد الحرب الباردة كان مخيبًا للآمال. حرب العراق حطمت ثقة أمريكا في قدرتها الذاتية. الأز��ة المالية العالمية حطمت الإيمان بأن الرأسمالية، إذا تُركت وحدها، ستنتج رخاءً واسعًا ومستقرًا. الإنترنت لم يجلب عصرًا من التواصل العميق، بل عصرًا من الاكتئاب المتزايد والعداء والوحدة. انهيار مستويات الثقة الاجتماعية كشف عن فقدان شامل للإيمان بالجيران. صعود الصين، وكل ما يمثله دونالد ترامب، حطم افتراضاتنا الهادئة حول دور أمريكا في العالم.
أصبحنا أمة أكثر حزنًا، وأكثر قسوة، وأكثر تشاؤمًا. دراسة تاريخية حديثة عن الصحف الأمريكية وجدت أن الخطاب العام اليوم أكثر سلبية مما كان عليه في أي وقت منذ خمسينيات القرن التاسع عشر. أغلبيات واسعة تقول إن البلاد في حالة تراجع، وإن الخبراء لا يُوثق بهم، وإن النخب لا تهتم بالناس العاديين. فقط 13 في المئة من الشباب يعتقدون أن أمريكا تسير في الاتجاه الصحيح. و69 في المئة من الأمريكيين يقولون إنهم لا يؤمنون بالحلم الأمريكي.
فقدان الإيمان يفضي إلى الإيمان باللا شيء. ترامب هو تجسيد للعدمية، بافتراضه أن الأخلاق للحمقى، وأن الحياة تدور حول القوة والقسر والتنمر والقسوة. الشعبويون في العالم يسعون إلى خلق عالم لا ينجح فيه إلا القساة. أمريكا تتحول إلى الذئب المسعور بين الأمم.
العدمية هي ذهنية ��قول إن ما هو أدنى هو الأكثر واقعية. الأنانية، وتمجيد الذات، والشهوة للسلطة هي ما يحرك الشؤون البشرية. أما الإيثار والكرم والشرف والنزاهة والضيافة فليست سوى أوهام. المثُل خدع يستخدمها الأنانيون لإخفاء جشعهم. الإنسان الساخر يعطي نفسه إذنًا بتبني القسوة قائلاً: لن نخدع مرة أخرى. إنها معركة بقاء. وإذا أردنا النجاة فعلينا انتخاب المتنمرين. في عام 2024، نظر 77 مليون ناخب أمريكي إلى ترامب ولم يروا فيه شيئًا يستبعده أخلاقيًا.
من السهل القول إن ترامب أفسد أمريكا. لكن تمزيق القيم من الأعلى سبقه انهيار طويل للقيم من الداخل. أربعة عقود من الفردانية المفرطة وسعت هامش الاختيار الفردي، لكنها أضعفت الروابط بين الناس. أجيال من الطلاب وأسرهم هجروا العلوم الإنسانية والفنون الحرة، مدفوعين بفكرة أن الهدف الأساسي من التعليم هو تعلم كيفية جني المال.
نحن نتخلى عن جوهرنا الإنساني. عناصر الحضارة التي ترفع الروح، وتغذي التعاطف، وتوجه النفس – مثل التدين، واللاهوت، والأدب، والفن، والتاريخ، والفلسفة – باتت تلعب دورًا هامشيًا في الحياة الوطنية. قرر بعض التربويين أنه بما أن الغرب أنجب الاستعمار، فعلى الطلاب ألا يتعلموا شيئًا عن تراث حضارتهم، وأن يصبحوا أيتامًا ثقافيًا. قرر بعض النشطاء أن الإقناع وهم، وأن الحياة مجرد صراع قوى بين مضطهِدين ومضطهَدين. النتيجة أن الحياة أصبحت أفضل موضوعيًا وأسوأ ذاتيًا. وسعنا الحرية الشخصية، لكننا فشلنا فشلًا ذريعًا في الإجابة عن سؤال: ما الغاية من هذه الحرية؟
أخطر جرح ثقافي هو فقدان نظام أخلا��ي مشترك. قلنا لأجيال كاملة أن يخترع كل فرد قيمه الخاصة. هذا «الخصخصة» للأخلاق حمّلت الناس مهمة مستحيلة، فتركتهم بلا لغة أخلاقية وبلا تشكيل قيمي. خلقنا ساحة عامة عارية، بلا اتفاق واسع حول ما هو حق وجميل وخيّر. من دون معايير مشتركة للصواب والخطأ، يستحيل حل النزاعات أو الحفاظ على التماسك الاجتماعي والثقة. كل مجتمع سليم يرتكز على تصور مشترك للمقدس – أبطال مقدسون، نصوص مقدسة، مُثل مقدسة – وعندما يختفي ذلك، تكون النتيجة الطبيعية القلق، والتذرر الاجتماعي، والانحدار البطيء نحو الهمجية.
لا ينبغي أن يفاجئنا أن 58 في المئة من طلاب الجامعات يقولون إنهم لم يشعروا بأي إحساس بالهدف أو المعنى خلال الشهر السابق للاستطلاع، وفق دراسة من هارفارد. ولا أن الناس يشعرون بهذا القدر من الإحباط وانعدام الثقة. تطاردني ملاحظة قالها ألبير كامو عن أوروبا قبل 75 عامًا: إن رجال أوروبا «لم يعودوا يؤمنون بالأشياء التي توجد في العالم ولا بالإنسان الحي؛ سر أوروبا أنها لم تعد تحب الحياة».
نحتاج إلى قيادة سياسية أفضل، نعم. لكن السؤال الحاسم هو: كيف نعكس هذا الفقدان الشامل للإيمان ببعضنا البعض وبمستقبلنا وبمُثلنا المشتركة؟ لا أعتقد أن معظم الناس قادرون على الازدهار في كون بلا معنى. رغم ما يقوله الساخرون، ما زلت أؤمن بأننا مدفوعون ليس فقط بالأنانية، بل أيضًا بدوافع أخلاقية: الرغبة في السعي إلى الخير، وفي التعاون، وفي الرعاية، وفي الانتماء. الحياة حركة، والحياة المزدهرة هي دائمًا إنسان يسعى ويكافح في خدمة مُثلٍ ما.
أين يجد الناس والأمم أشياء جديدة يؤمنون بها؟ أين يحيون جوهرهم الإنساني؟ يجدون ذلك في الثقافة. في قراءتي للتاريخ، التغيير الثقافي يسبق التغيير السياسي والاجتماعي. تحتاج إلى تحول في التفكير قبل أن يتحقق تحول في الاتجاه. تحتاج إلى مناخ روحي مختلف.
وحين أقول «ثقافة»، لا أعني فقط الأوبرا والمتاحف، بل نمط حياة مشترك، عادات وطقوس، أغانٍ وقصص شعبية، أحاديث عن أفكار كبيرة وصغيرة. أعني كل ما يشكل الجانب الذاتي في الإنسان: القيم، والانفعالات، والآراء، وما يحب، وما يسعى إليه. كل فرد منا يساهم في صنع بيئة أخلاقية إما ترفع من شأن من حوله أو تحطّ منهم.
كان إدموند بيرك يرى أن الثقافة – أو «الأعراف» – أهم من السياسة، لأنها تشكلنا ب��ستمرار، مثل الهواء الذي نتنفسه.
الخبر الجيد أن الثقافة تتغير دائمًا. في تسعينيات القرن التاسع عشر، أطاحت حركة «الإنجيل الاجتماعي» بثقافة الداروينية الاجتماعية، ومهدت الطريق للعصر التقدمي. وبين 1955 و1975 تغيّرت الثقافة الأمريكية جذريًا. واليوم، ثقافتنا مختلفة بالفعل عما كانت عليه عام 2020.
مررنا بأوقات عصيبة من قبل، وتعافينا عبر تمزق ثقافي ثم ترميم.
ترامب يفهم قوة الثقافة، لكنه يروّج لثقافة قائمة على الهيمنة، وهي ثقافة منزوعة الإنسانية.
الإنسانية الحقة هي نقيض العدمية. هي كل ما يصون كرامة الإنسان. وهي تظهر في الأدب، وفي النضال من أجل العدالة، وفي الموسيقى، وفي كل فعل يجعل الآخرين يشعرون بأنهم مرئيون ومسموعون ومحترمون.
إذا أردت أن تنضم إلى جانب «الإنسنة»، فانضم إلى «المحادثة الكبرى» الممتدة عبر آلاف السنين في اللاهوت والفلسفة والأدب والتاريخ والفنون. إنها محاولة جماعية لإيجاد توازن قابل للحياة بين تناقضات الوجود الإنساني.
أرى ال��وم بوادر نهضة إنسانية في الجامعات. هناك برامج لتنمية الشخصية، والتربية المدنية، والتفكير عبر الاختلاف، وتعلم كيف نعيش حياة مزدهرة.
أنظر إلى هذه الجهود بإعجاب متزايد. وأسأل: كيف يمكنني أن أشارك؟ أين أنضم؟
سأفتقد الكثير في عملي ككاتب عمود في «التايمز» – القراء، والزملاء، ومتعة التعلم الدائم. لكنني أعتقد أنني وجدت مشروعًا يستحق أن أكرس له الفصل الأخير من مسيرتي المهنية.
شكرًا جزيلًا لكم جميعًا.
العيب ليس في عدم تحقيق الأهداف…
العيب أن تُقدَّم الكارثة على أنها نصر.
العيب أن يُبرَّر الخراب، ويُسوَّق الدمار، وتُختزل المأساة في شعارات. اسألوا أنفسكم بصدق: ماذا تحقق؟أي أرض حُميت؟ أي دم حُفظ؟ وأي مستقبل لم يُحرق؟ إذا كان هذا هو "الانتصار" …فالوطن هو الخاسر الأكبر…
المعطيات واضحة لدرجة أنها تهزّ الحجر ليعيد نظرته، ومع ذلك هناك من بقي أسيراً لنفس القناعة وكأنّ الزمن لم يتحرك .الأغرب أن بعد كل ما جرى، وكل ما تغيّر، هناك من يرى الرمادَ نصراً والخراب حقاً … تبدّلت الأرض لكن بعض العقول ما زالت تعيش في لحظة وهْم… هل من السذاجة أن نسأل: لماذا لم يغيّروا أو يتغيّروا ؟؟
العددُ الأكبر من الضحايا (بين قتيل وجريح) منذ اندلاع المواجهة العسكرية قبل أسبوع بين إيران وإسرائيل، ليس من الإيرانيين وليس من الإسرائيليين، وإنما من الفلسطينيين المحاصرين في غزَّة
نتابع مواجهة بين #ايران صاحبة حضارة ممتدة لالاف السنين، مع #اسراييل التي ولدت قبل 70عاما فقط!
العلم هو السلاح الاقوى اليوم، والعلم هو التطلع الى المستقبل والسعي اليه، وليس الانغماس في الماضي وامجاده وتقاليده !
#طهران
سأظل أذكركم أننا كعرب دفعنا ملايين الأرواح واستقرار دول بأكملها، لأجل المشروع الإيراني "الكرتوني"
مزبلة التاريخ لكل أولئك الذين رهنوا بلادهم وشعوبهم لأجل هذا المشروع "الفاشل"
من نصرالله للسنوار للأسد لعبدالملك لقادة الحشد للإخوان، سيذكركم التاريخ كخونة يا أوغاد .
ما جدوى الكبرياء إذا جاع الأطفال في حضن وطنهم؟
ما نفع الشروط إن سقطت الكرامة من طوابير الخبز؟
الشعب ليس ورقة تفاوض…
الشعب هو الأصل، وهو الغاية، وهو الشرعية حين تنكسر كل المعاني.
💥
أغلب أتباع جماعة الإخوان لا يعلمون أن المادة الأساسية في فكر الإخوان مأخوذة عن الشيعية السياسية وهذا هو سر التقارب بين الإخوان وإيران ..ومليشياتها.
كيف تقنع عناصر الإخوان أن القواعد الأساسية التي وضعها حسن البنا تتناقض مع الدين الإسلامي ذاته.