حسابي فضاء أرحّب فيه بكل ألوان الروح؛ بين نبل الحب وصدقه، وهمس الشوق، وعمق الألم. أكتب بصدق لا يخفي ضعفًا ولا قوة، أستكشف نفسي وأفضح خبايا الحياة، وأحيانًا أسمح للشبق أن يسري كتيارٍ عميقٍ لا يُقاوم. هنا، تنصهر الكلمات مع نبض القلب بلا رتوش أو أقنعة.
آهاتكِ ليست مجرد صوت..
بل هي نبيذ الحواس حين يعبر شفاهكِ
وموسيقى سرية تُولد من عمق الوجد لتُربك ثباتي
ما نطق فمكِ بوجعٍ أو رغبةٍ إلا واستحال في مسمعي لَذّةً
تُعيد ترتيب نبضي وتَسلبني بقايا الوعي
باهتة هي الكؤوس ولم يعد خمر الحانات يغريني
فمذاق جسدك خمر معتق خارج حدود الزمن
تجرعت منه فاستحالت روحي سكرى وتلاشت قناعات الوقار
الخمر العادي يسرق العقل لساعات ثم يرحل
أما أنتِ فإدمان يحتل الوعي ولا شفاء منه
أشتهي أن أختصر العاصفة كلها في قبلة
قبلة طويلة، غائرة، وعميقة..
أسحب بها روحك من غمد جسدها نحو فمي
حتى تفرغ أنت منك
وتمتلئ بك كلي
أشتهي أن ألتقي بك عند حدود النفس الأخير
حيث لا يتبقى منّا سوى السقوط..
في عمق بعضنا البعض
في مِحراب حُسنكِ يا سيدتي
تتلاشى قوايي..
ملامحكِ الفاتنة تُغري حروفي بالاعتراف
وتفاصيلكِ الطاغية تُثير في أعماقي ثورة لا تهدأ
لينتهي بي المطاف مسحوقاً
مستلذاً بالهزيمة أمام هذا الجمال الطاغي
ليست كل فكرة تستحق أن تقال
ولا كل شعور يخرج إلى العلن
فالكلمات حين تنطق
لا تكشف ما نعرفه
بل تكشف مقدار ما نجهل
ولهذا كان الصمت عند العقلاء
ليس عجزًا عن الحديث
بل قدرة على انتقاء ما يستحق النجاة من بين آلاف الكلمات
فبعض الوقار
يبنى بما نحتفظ به لأنفسنا
لا ما نفصح عنه للآخرين
أول وسيلة للتنفيس عن الأفكار الحبيسة
في العقل هي الكلمة، لأن حديث المرء مرآة لسريرته وعقليته وبناءً عليه تتشكل الصور الذهنية عنه
ومن هنا انبثقت النصيحة الأزليّة
استمع أكثر مما تتكلم؛ فالإنصات يحبو صاحبه
الانطباع الرصين في حين أن اندلاق الحكايا وانصياغ المرء كتاب مفتوح يثلِم وقاره
اللامبالاةُ ليست دائمًا برودًا
أحيانًا تكونُ آخرَ ما تبلغه الروح
بعد طولِ انشغالٍ واحتراق
كأنّ القلبَ تعب من حملِ الأشياء كلّها
فأنزلها دفعةً واحدة
وجلس يتأمّل ما يحدث
دون أن يمدَّ يده هذه المرّة
ليست قوّةً دائمًا
ولا ضعفًا دائمًا
بل استراحةُ شعورٍ
أرهقه الإفراط في الشعور
في لهجةِ الآخرين
نجدُ أكثرَ من الكلمات
نجدُ المدنَ التي ربّتهم
والبيوتَ التي احتضنت طفولتهم
والطرقاتِ التي مرّت من أصواتهم دون أن نشعر
فاللهجاتُ ليست اختلافَ نطقٍ فحسب
بل أوطانٌ صغيرة
يحملها الناسُ معهم أينما ذهبوا
آخرُ حكايةِ الفزّاعةِ
أنّها لم تكن تُخيف الطيور أصلًا
بل كانت تُعلّمها الطيران
فكلُّ طائرٍ هرب منها يومًا
اكتشف لاحقًا
أنّه ابتعد أكثر
وحلّق أعلى
ورأى من السماءِ ما لم يكن ليراه لولاها
ولهذا ماتت الفزّاعةُ واقفةً
تظنّ نفسها رمزًا للخوف
بينما كانت في الحقيقة
أوّل درسٍ في الحرية
أُسافرُ
لكنّ الرُّوحَ تعرفُ أنّ الطرقَ ليست هي المقصودة
فكم من مسافةٍ قطعناها بالأقدام
بينما كانت القلوبُ واقفةً عند منعطفٍ واحدٍ لا تغادره
كأنّ السفرَ في الظاهرِ انتقالٌ بين الأمكنة
وفي الباطنِ محاولةٌ قديمة
للوصول إلى شيءٍ لا عنوانَ له
وأنتَ لستَ عابرًا
كي أضعكَ في خانةِ الأسماءِ التي مرّت
بل حدثٌ كامل
أعاد ترتيبَ خرائطِ روحي على هواه
كزلزالٍ لم يُسقط الجدران فقط
بل غيّر شكلَ الأرضِ التي كانت تقف عليها
حتى صرتُ كلّما حاولتُ العودة
إلى نسختي الأولى
اكتشفتُ أنّها اختفت
يومَ مررتَ من هنا
@reeojust لا أعرفُ طريقةً
أكثرَ رحمةً لمواجهة هذا العالم
من أن أتخيّلك قريبًا من روحي
كأنّ حضورك
نافذةٌ تُفتح في جدار يومٍ مُثقَل
أو مصباحٌ صغير
يُعيد للأماكن البعيدة شيئًا من الأُنس
ليس كلُّ هوًى يُبنى على الامتلاك
بعضُهُ يُبنى على الدهشة
وعلى ذلك الأثرِ الذي يتركه شخصٌ في روحك
ثم يمضي
فتبقى أنتَ تدور حول ذكراه
كما تدور الكواكب حول شمسٍ غائبةٍ عن عيونها
حاضرةٍ في جاذبيتها